فاطمة الشيدي
مقال في كتاب "قهوة في كل لقاء"
الصادر عن دار نثر ٢٠٢٠
مقال في كتاب "قهوة في كل لقاء"
الصادر عن دار نثر ٢٠٢٠
هل تشربين القهوة في كل وقت؟ هل تشربين القهوة (بالمج)دائما، هل تحبين جميع أنواع القهوة؟ لم يعد أحد يعرفني جيدا يسأل هذه الأسئلة، ببساطة بالنسبة لي القهوة هي الحياة، هي البدايات والنهايات، هي الأمزجة كالفرح والحزن والاكتئاب أيضا، هي الداء والدواء كما خمر أبي نواس.
إنها خمري وشجني وسجني، إنها روح الوقت الذي تهبه اللذة والعمق والجمال، هل من معادل؟ لا، فهي شريكة كل الأشياء، إنها شريكة الوقت في المكان والزمان والفعل، ألتذ بها في الصباحات كما النهارات، كما المساءات، في الوطن: في البيت والحديقة والبحر والمقهى، في السفر: في الفنادق الفاخرة والشقق الرخيصة، والشوارع الراقية والأرصفة البائسة، في العزلة في مرايا الذات، ومع الجمع عربون صداقات، ومع الحبيب نديم اللواعج ولذة العشق. في الصمت والضجيج، مع الكتاب انتباهات، ومع التأمل غياب، ومع الموسيقا تصاعد ومع الحب التذاذ.
أي القهوة أحب؟ لا جواب، فمن النسكافيه بالحليب التي أتفنن في صنعها صباحا حتى القهوة العمانية بيد أمي، فالتركية (بوشها)، مرورا بالموكا واللاتيه، ووقوفا عند الكابتشوينا كثيرا.
للقهوة ذكرياتها الكثيرة والممتدة في حياتي (التي أظنها الآن طويلة)، فقد أغرتني فناجين القهوة باكرا جدا، بين يدي الجد والجدة والأب المدمن لها بالتعبير الحديث، والذي يشرب القهوة حتى قبل أن ينام. (رحمهم الله جميعا).
لقد عشقت شرب القهوة منذ الطفولة، تماما كما عشقت القطط، فكنت أشرب فناجين كثيرة؛ كما لا أستطيع النوم إلا والقطة تنام معي تحت الغطاء، وأنا أستمتع بكريرها ودفئها الخاص.
وفي المراهقة استبدلت الفناجين بالأكواب، وكي أقنع الأم الحريصة على الصحة (كنت أقول لها (بعيارة)، أشربها عشان أركز في المذاكرة) ولأن الأم كانت حريصة على الدراسة أكثر من حرصها على الصحة، كانت تذعن للأمر بتسليم مطلق، بل وتعد بنفسها دلة قهوة كاملة.
ومنذ الجامعة وحتى ما شاء الله يرافقني إبريق القهوة، ومعداتها في كل حقيبة سفر أو تنقل، حتى لو لم أستخدمها، ربما لأن صباحاتي تبدأ متأخرة غالبا، وثمة خوف أن لا توجد قهوة في كل مكان.
عشقت شرب القهوة في المقاهي المفتوحة على الأرصفة بصحبة صديق من جسد أو ورق، ويا حبذا لو كان الجو ممطرا، وثمة موسيقى منبعثة بدفء من المقهى، كما حدث كثيرا، على الكثير من أرصفة العالم من مسقط والشارقة ودبي حتى باريس والأندلس وروما مرورا بإربد وعمان وبيروت واسطنبول.
أتذكر دائما وأبتسم الصديقة التي استغربت أن أطلب(قهوة اسبريسو( وقالت: "فيه حرمة تشرب اسبريسو؟ فرددت عليها: لها ليش لا؟ قالت بكل غنج: مُرّة"
وبعد غياب ليس مصطنعا، وحزن طفا كما تطفو رغوة الكابتشينو (المفضلة من القهوة) رددت بغصة ممزوجة بطعم القهوة: الحياة أمر يا عزيزتي.
في "الأردن" كان المقهى القريب من السكن والجامعة معا، والمنفتح على الشارع قد حفظ خطواتي إليه، وطلبي المتكرر "قهوة مع دونت" صباحا، و "قهوة مع فواكه مشكلة بالآيسكريم" مساء. وكذلك البائع الجوال القريب من شارع جامعة اليرموك، والذي يفصحن الكلمة "قهوة" ، وكذلك "آلاء" صديقة الحياة هناك، وحب القهوة.
في مسقط عرفت مع "عائشة"، و"عهود"، وغيرهما كيف نغمس الكلام بالقهوة بدل البسكويت، وخبز الرقاق مع الشاي، وفي صحار؛ تعودت مع "آمنة ومريم وعهود ونادية" طعم القهوة الجاهزة من مكائن المقاهي البسيطة، كما لم ينس بعد عامل المقهى القريب من البيتزا، امرأتين تحملان نفس الاسم ونفس الروح ونفس الحزن، كانتا كثيرا ما تمران بشكل متقارب جدا كل فترة في سيارة من اثنتين "زرقاء" أو "بيضاء" ليطلبن كوبين من النسكافيه التي يحضرها بشكل مائز ولذيذ، وهو لا يعرف أنهن في طريقهن للبحر غالبا.
لا مجال للكتابة عن القهوة كثيرا لأنها الحياة، شهوة الصباحات النيئة، مفتتح النهارات الطويلة، ورفيقة المساءات الداكنة، القهوة المتعددة الطرائق كالوصول إلى الله، والواحدة في اللذة والتلمس كالنور في الإيغال. الكثيرة في الغياب كالشوق، والمفتقدة في القرب كالمعشوق، خمرة التائبين، ولذة العارفين، مرارة العشق، وعسل العاشقين. صديقة الشعراء، ووهج الخامل، وصاحبة الوحيد، ومؤنسة المسافر، ووطن الغريب، شريكة الحياة والمتع، وكل ما لا تصحبه القهوة لا يعوّل عليه.
