فاطمة الشيدي
11_1_2020
لربما يعجب البعض من محبة الشعب العماني الكبيرة للسلطان قابوس حيا وحزنهم العميق عليه ميّتا. ربما يتساءلون لأنهم لا يدركون من معاني الولاء سوى التطبيل والتسلق والمنفعة التي تحكم الرعية بالمسئول، وهي وليدة هذا العصر بتلك العلاقة السياسية المشوهة بين الحاكم والمحكومين. وقد تمتد لكل من هم تحت سلطة ما، علاقة هي وليدة البراجماتية الجديدة التي أنتجتها الرأسمالية بأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
أما علاقة الشعب العماني بقابوس فهي علاقة روحية ولدت في الزمن وتعالقت في الأمشاج.
فكيف لا نحبه وقد ولدنا في سبعينه المضيئة بأعوام تقل أو تكثر في بيوت سعفية عاد إليها آباؤها بنداء منه بعد أن هجروها بنداء الجوع والحاجة؛ ليتشرذموا على أرصفة الغياب والبلاد.
ولدنا على يديه وكبرنا بينهما. تذوقنا اسمه مع الحليب، ولهجنا بإسمه مع لثغة الحروف الأولى، وشهدنا بناء عمان معه لبنة لبنة، تناثرت خطواتنا على صبخات الوديان ذهابا وإيابا إلى مدارس من سعف وخيام، نأكل فيها أو لا نأكل خبزة الأم الجافة في رحلة العلم المضنية بلا كهرباء ولا شوارع ولامدارس.
ثم شهدنا حركة البناء عاما بعد عام فشاهدنا الطرق تبنى، والمدارس تفتح أبوابها، والظلام ينجلي رويدا رويدا، وصوته يصدح في ضمائرنا (سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر) ونحن نردد له كل صباح "أبشري قابوس جاء فلتباركه السماء" ونلوّح في المساء لكل طائرة تحوم في الأفق كطائر العنقاء الذي خرج من الرماد (سلمي ع قابوس).
لم نعرف عمانا غير عُمانه حتى استقام الوعي، ولم نعرف قائدا غيره حتى احتجزه الفقد. كنا نكبر وهو يحرك دفة الوطن نحو المستقبل، ونحن نتحرك معه في سلالم التعليم حتى فتح لنا الجامعة لتستقبلنا بروحه ووعيه. كنا نكبر معه وتكبر أحلامنا بما أتاحه لها، تخرجنا فوجدنا يد الوطن _التي ليست سوى يديه _مفتوحة لأحلامنا لتأخذ بأيدينا لنسهم في البناء والتعمير، نعلّم ونبني ونشهد على البناء.
كان كل شيء يتغير نحن والبلد ولكن بهدوء، فالأب الحكيم كان يحتكم في التغيير للكثير من التوازنات، ويأخذ بعين الاعتبار العادات التي يرزح تحتها الناس، والفتن الكامنة والاختلافات التي تحكمهم، والثقافة الشعبية التي تؤطرهم بثبات العزلة والزمن وينطلقون منها في مواقفهم القبلية والطائفية واللونية فيقف في منتصف المسافة بالحكمة المعهودة، ويحرك التغيير بالهدوء العظيم. يرخي ويشد. يخذله البعض فيقف متشبثا بالرب والمبدأ. وتكثر مع الأحلام المتحققة الغربان التي تنعق، والرخم التي تتحين الفرص، والأيدي الطويلة، والأعين القصيرة، والبطون المنتفخة. فيواجه كل ذلك بالحكمة العظيمة فيكثر الصفح وتكبر المحبة وتكتمل الدولة بمؤسساتها وقوانينها، وتتقدم بإنسانها أخلاقا وعلما، وتلتحم بقلوبها الطيبة التي رطّبتها الحضارة، وألهمها هو بالتطور والحداثة الجديدة.
ويمضي الزمن وتتسع الكونية، ويتغير العالم ويكبر الوعي والطموح، فنحلم بحرية أكبر وحرب على الفساد أشرس. ولكننا ننأى به على كل خطأ ونقص. وفي كل رفض نرفع أصواتنا له وحده (نحبك) ونجل عملك، ونقدر جهدك، ونثّمن عطاءك وتضحياتك. ونبحث عمّن نحمّله الأخطاء، لأننا أبناؤه الأوفياء الذين يؤمنون به وبما أنجز ويوقرون حكمته التي أقامت التوازنات الخارجية والداخلية.
نتذمر من أشياء كثيرة، ولكننا نسكت إجلالا عند اسمه، ونشعر بالفخر لكل إطراء لعُمان كان هو سببا فيه؛ سلما وأمانا وحكمة.
كيف لا نحبه وقد أحسن البناء وأخلص العطاء ووصل حلقات عمان التاريخ والحضارة دون أن يسفك دما أو يخوض حربا، حتى أضحى صوته لنا نبراسا، ومشيته معيارا وحضوره قدوة، وضحكته أمانا، ويده عطاء وعدلا وسلاما.
حفظنا وعُماننا في حياته من كل عدو وغادر وطامع، ورفع قدرنا بين الأمم عزة وكرامة وفخرا. ثم حفظنا وعُماننا بعد رحيله فلم يهمل أدق التفاصيل الصغيرة والكبيرة ليسلم الأمانة لمن يراه يستحقها بحكمته، ليمضي لربه خفيفا بسيطا زاهدا إلا في المحبة العظمى التي جعلته عظيما بعد أن سقطت عنه صفة "المعظم" الطارئة والآدمية.
نعم نحبه عظيما حيا وميتا بحجم ذلك البناء التأسيسي المضني لخمسين عاما والذي ترك دولة مؤسسات وقانون شامخة عصرية، وبحجم التحدي الكبير الذي خلّفه لمن جاء بعده، وبحجم عُمان أرضا وإنسانا وتاريخا وبحجم محبة شعبه له من أقصى عمان لأدناها.
