التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي
19_12_2019


أتأمل طلابي  وأتأمل روحي في مراياهم، مثلهم كنا قادمين من مناطق القيد؛ قيد الذاكرة والقبيلة والمجتمع بأحكام والعيب والدين بالحلال والحرام، مكبلون ولا ندرك ذلك لنناوش القيد، نحفظ لنحصل على درجات عالية، مقتنعون بما لدينا، لم يهز أحد قناعاتنا، ولم يلق حجر في مياهنا الآسنة لا في الأسرة والبيت ولا الأصدقاء. 
ورغم ذلك كانت ثمة شوكة في الروح وحرقة في الوعي، ومسامير صغيرة في العقل تدفع للذهاب بالاتجاه الآخر لمحاولة فهم الذات والكون. كانت القراءات قليلة ومحصورة في الشعر والسرد؛ ولذا أعتنقنا واقعية الفكر ورومنسية الحلم معا، ولذا احتجنا لزمن طويل للانعتاق من كل شيء.
احتجنا للكثير من السقوطات والرضوض والتعب للتحرر من مشيمات التكوّن الأول والبدهيات واليقينيات والتسليم المطلق بالأشياء والجاهزيات من الأفكار لندخل بهدوء وتردد نحو النسبي والشك.
احتجنا الكثير من الوقت والتأملات والقراءات لنرفض ذواتنا قبل أن نتقبلها، لنعيد صياغة المعنى الذاتي ورفض صياغات الآخر الدينية والسياسية والفكرية لنا مهما بدت لامعة وبراقة ومهما كثر المريدون والتابعون.
احتجنا الكثير من الصدامات لصناعة فلسفة خاصة بنا بعيدا عن التزمتات الفكرية واللبوسات المعرفية الجاهزة وتصديق الذات الواهية وحجزها في مناطق حدية.
احتجنا الكثير من الوقت والتأمل لفهم الأقنعة التي يضعها البعض ليثبت شيئا ما عبر الحياة أو عبر الفكرة أو عبر اللغة. تشققت أرواحنا واستوطنا المتاهات وتهنا في رحابة العبث وضرورة التجريب والتخلي لأن أدركنا أن ثمن الحرية باهض ومعناها كبير. وحين وصلنا لحدودها فقط بدت الأشياء أنصع وأخف، وبدت الحياة أقل شأنا وأصبح الجمال متاحا عبر كل لحظة وفكرة وقيمة بلا إصرار أو عناد أو تشبث.