التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي
16_1_2019

المشكل الإنساني/الثقافي الأكبر هو الوعي بالذات (أو الاشتباه بذلك) أكثر من الوعي بالوجود. فالوعي  بالداخلي من الذات مع عدم اتساع الرؤية الخارجية لتشمل الكون تجعل الإنسان (الجاهز لاطلاق حكم ثقافي غالبا) يعتقد أنه الأقدر على فهم العالم وعلى حل مشكلاته وتفتيت معضلاته. وأنه المدرك الأمثل،  والكائن الأكمل في تمثل القيم وتطبيقها.
إن إدعاء المثالية أو اعتقادها في أبسط تقدير هي مشكلة هذا الكائن المسكين بما يملك من قليل وبما لا يملك من كثير. فهو ميال للاحتفاء بما يملك من مال أو معرفة أو غيرها من مقدرات بسيطة مقارنة بما لا يمتلك.  لأنه لا يعي أنه مهما اتسعت رقعة ما يملك يظل فقيرا في مقارنة مداه بغيره ناهيك عن الكون والكائنات.  إن الوعي بالذات الذي يظن الاكتمال هو وعي زائف غالبا ولذا يفضي إلى نوع من المباهاة أو نوع من التنمر  على من يظنه أقل منه مقدرات ومكتسبات وممكنات وغالبا  يكون التنمر طرديا مع الاعتقاد باتساع الوعي والمعرفة الذي هو في حقيقته شح وفقر شديد فاتساع المعرفة يُحدِث نوعا من الخوف والرفض والشك ؛ الخوف من امتلاكك مما تملك، والرفض لما تملك، والشك فيما تملك. ولذا فكلما ثقل ميزان الفرد تراجع وتخافض روحا وخلقا. أما ما يحدث من عنجهية وغرور وفساد في الخلق فهي نتيجة حتمية لنصف الوعي بالداخل وانعدام الوعي بالخارج، حيث تصبح الذات مرآة الحكم فيدني من يقاربها في القول والفعل، بينما لا يقوى على نقدها أو مقارنتها بالأبعد والأكثر. الأمر الذي ينتج عاهات إقصاء المختلف والتجاسر عليه تنمرا إن كان أضعف أو مهادنته إن كان مساوٍ بفعل النفاق مواجها والغيبة والنميمة مباعدا،  وهي أمراض الثقافة التي أفرزتها الحالة المرضية للمجتمعات المرتبكة إذ لا حالة صحية من التحليل والتفكيك والنقد، ولا تمازج إنساني وتبادل معرفي قائم على المحبة والتشارك. فيظهر التناحر والتباغض والتفريغ للعلل والأوهام في صورة فعل أو حالة ثقافية عقيمة وتكتلات اجتماعية معاقة.

#تأملات مع فنجان قهوة