التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

صلاة لأصدقاء الغياب

فاطمة الشيدي
28_12_2019


والعام يشرف على الغياب أرفع قلبي للأعلى قليلا وأعايد أصدقائي الموتى، أصدقائي الأجمل في رحلة عمري بكل مشقاتها ومسراتها. الذين كانوا دائما هم الأقرب والأهم لروحي  في تخفيف الألم وتمجيد الفرح.
هم الذين حملوا الشوك من دروبي، وأطلقوا الفراش في صباحاتي البائسة.
هم الذين غنوا لي أغنيات الصيف ودثروني في صقيع الشتاءات بالحلم.
هم الذين شدّوا على يدي كلما قررت أن ترخي القبضة للحياة ووضعوا بين أصابعي قلما ووردة.
هم الذين علموني كيف أجهش بالبكاء بين أيديهم، وكيف أمسح على جراحي بكلماتهم وكيف أبتسم لأن وجدت المعنى الذي كنت أبحث عنه في قصيدة لأحدهم.
هم الذين علموني قيمة الصمت في كسر حدة اليأس. وترجيح أفق آخر حين تضيق القلوب والأمكنة.
هم الذين يهمسون في قلبي مباشرة ويقطرون أوجاعهم في روحي لتشفى، وفي صدري ليستيقظ الأمل.
هم الذين علموني المعنى بكل تبايانات درجاته وامتدادات هالاته.  كمعنى الإيمان والحب ولعنتيهما من  الكذب.
هم الذين وهبوا لغتي رائحتها النفاذة، وطعمها الحارق، ولذتها الجارحة.
هم الذين أيقظوا الشك ودربوا الحواس على الريبة وأقصوا معنى اليقين الراسخ.
هم أصدقاء الحزن واللغة وكثافة الفراغ واشتقاقات العدم.
هم روحي الفزعة كلما اضطربت المعاني، واستفحلت الغربة، وتقهقهر الثبات.
هم شهقة الوجع كلما رفرفت الروح وغرغرت في مسافات البين وحمى القلق.
هم الحنين لدهشة تسكن تعالقات السائد وتسكّن رعشة الفقد.
هم الوطن حين تنتفض في وجهك الدروب، وتقصيك من لهفتها القلوب،  وتصطك دون أسمالك والحياة الأبواب والأصحاب والأحباب.
فتذهب غير مبطئ وغير آسف إلا على وقت لم تكن معهم.
أصدقائي الموتى كل عام وأنتم لي ومعي أفراحكم مسرات روحي وأحزانكم حطب الروح في تصاعد الألم وطهارتها في حرقة النحيب.   
☕🎶
 https://youtu.be/5zmjG_lJ39Q