فاطمة الشيدي
17_12_2019
المرأة التي تشبهني أو هي أنا، التي تعيش في اللغة مذ أدركت كذبة الحياة، ومذ أصابتها حكة الكتابة في أصابعها المتخشبة؛ أصبحت تكتب رسائل لنفسها. تخبرها كم تحبها، وكم تحب الحياة أحيانا، وكيف تنحسر كموجة نحو الغياب والصمت أحيانا أخرى، تخبرها أن كل شيء سيمضي حين يتصاعد الألم في روحها وحين تشتد نوبة الهوس بفرح، تكتب لها عن شمعة في آخر النفق تنتظر أن تفتق بها ستائر الظلام التي تراها في النهار، وعن السلام الذي تنشده في حروب الكائنات العبثية المستمرة، والبشر الذي يرفعون أظافرهم في وجهها وهي تبتسم لهم لأنها لا تراهم غالبا بل ترى الوجود عبرهم.
تكتب لها عن الأفلام التي تشاهدها والكتب التي تقرأها والأفكار التي تنغرز في روحها كمسامير قبل أن تقتلعها برأس قلم الرصاص، وعن الأغنيات التي تتطاول في دمها كرهانات على مسافة أقل ويوم أجمل. تخبرها عن لطف الرب المتمثل في كائنات بيضاء تعبر حياتها وحكايات عذبة تتعثر بها وصغار يخترقون وعيها بجمال، تحدثها عن القلق الذي لاتعرف مصدره، والوجع الذي يمشي في العظام. عن غربتها في الديمومة كما يقول سيوران، عن الحياة كفعل مقاومة فقط فقط كما يقول أيضا (ماذا تفعل؟ _أنا أعيش) نعم فهذا كثير وكافٍ لوحده لتحمل كل منغصات الوجود،
تخبرها كل شيء تقريبا عن الحياة في الداخل والخارج، عن كذبات أنيقة، وصمت يشبه الكذب، عن مسارات الوجود التي تأخذك نحو أقصى الدهشة، وأقساها، تحدثها عن الأقنعة اليابسة، والخوف الجليل من الوقت، وعن الأحلام التي تضعها في أصص وترويها بالصلاة، عن الماضي الطويل، والغد الذي يتعثر في مشيته العرجاء الوهنة، تحدثها عن كل شيء لأنها تحتاج أن تفعل، تحتاج لمن يستمع لترهاتها التي لا تعني شيئا ولا تعني أحدا، ولكن الأخرى تظل صامتة غالبا وتتلقى الرسائل كما يتلقى غريب رسالة ليست له، أو كما ينظر كائن إلى إنعكاس وجهه في الماء.
ومع هذا تظل تكتب على أمل أن ترد عليها الأخرى ذات يوم.
