لغة بشرى التي تكتبني وأحبها
فاطمة الشيدي
لعل رسالة الكاتب الأولى هي أن يقول على لسان الناس ما يعجزون عن قوله، إذ لا تقولنا القصيدة لا نشعر بها، وإذ لا نتلبس صورة أحدى الشخصيات في الرواية لا تفتننا ولا تأخذ بتلابيب أرواحنا لنكملها، الكتابة فعل مشاركة وتصديق وصداقة، وهي لغة الروح التي لا يتقنها جميع الكتاب، هي لساننا المقطوع وخرسنا المضيء بالكلمات، هي صوتنا المحبوس في أعماق روحنا وهو يصرخ نعم هذا أنا، أيها الكاتب اللعين!! فكيف قرأت روحي وجروحي لتكتبها وتكتبني، وكيف استطعت أن تعبّر عما عجزت حتى أنا صاحب المشاعر بكل اعتمالاتها واضطراباتها عن التعبير عنها من أعمق منطقة وأشفِها وأوجعها وأصدقها.
وهكذا عرفت بشرى عبر لغتها، ومازلت أعتقد أنني أعرف لغتها أكثر مما أعرف شخصها، أنا التي أتقدم غالبا كقارئة أكثر من كوني كاتبة أو أي صفة طارئة أخرى.
حين قرأت (غبار) أصبت بالدهشة فهذه الكاتبة تكتبني حقا، تكتبني أنا تحديدا، تكتب تيهي وغباري، وتتبعي لأرقام السيارات، تكتب قصتي وحيرتي وتشظياتي ودهشتي من هذا الوجود تكتب اختلاجات روحي وعشقي وألمي ووحدتي وفراغي وعبثي ونظرتي الوجودية الداكنة للأشياء.
ثم حين قرأت مجموعاتها القصصية ( رفرفة وصائد الفراشات الحزين وحبيب رمان) ترسّخ لدي ذات الاعتقاد، رؤيتها للعالم تشبهني، تجسيدها للأفكار يأتي ليقودني نحوي، ويتفرع عبر دوائر نفسية ولغوية تجذبني فأقرؤها من نفس المنطقة التي تكتب منها تماما، ويذهب فيها اهتمامي نحوها.
ثم أصبحت بشرى صديقة فيسبوكية ذات يوم فصرت أقرأ نصوصها الجارحة وتأخذني لغتها لمناطق من الجمال وصورها لفتنة البلاغة واجتراحات اللغة وعمق الفكرة، شعرية النص التي لا تعترف بشرى بكتابته، وما الشعر إلا العاطفة ورقة المخيلة التي تنتج الصورة المدهشة، وهذا هو ما تكتبه بشرى.
علاقتي ببشرى أيضا لم تخل من القليل من الحسد؛ فهذه المرأة الجميلة لاتكبر، هذه المرأة التي تضحك دائما ومع ذلك تكتب نصوصا عميقة وجارحة، وكأنها تحيا خارج اللغة وتعود إليها كلما أرهقها الوجع او أثقلتها مخاضات الفكرة وبعض الخسارات، هذه الكاتبة المحبوبة من الجميع، صديقة الكل في الداخل والخارج.
هذه المرأة التي لديها وقت دائم لكل شيء للسفر وحضور الفعاليات ومشاركة الآخرين والتجمّل والتصوير وللكتابة الجميلة أيضا.
في معظم محاضراتي في الجامعة التي تتناول فعل القراءة وتحليل النص وكلها كذلك تقريبا (لإيماني بأن الجامعة مجموعة من الكتب الجيدة) كما يقول كارليل تحضر نصوص بشرى القصصية وروايتها الباغ كثيرا، الباغ التي جاءت لتؤطر حضور بشرى المحلي والإقليمي الثقافي عامة والسردي خاصة، ولتمنحها حضورا خاصا داخليا وخارجيا وصوتا ومكانة في عالم النص بشكل عام.
وحين مرضت بشرى خفت عليها كثيرا كما الجميع. خفت عليها إنسانيا وخفت على بشرى الكتابة التي تكتب على مهل وتنتج بهدوء وتأنٍ، ولكن ما أفرحني في تلك التجربة المرهقة التي لاشك أنها أتعبتها ولكنها أفادتها كما كل التجارب المرهقة في الحياة أن لغتها لم تمرض بل تعافت أكثر ، وأصبحت أشف، ألبسها المرض لبوس الصحة عبر المقاومة والتحدي وأحيانا عبر اليأس الجميل.
كنت أنتظر كلَ نص لبشرى بفارغ الصبر لأطمئن عليها من جهة، وعلى لغتها من جهة أخرى ولذا كنت أتذوق النص بحواسي الخمسة.
بشرى خلفان الكاتبة هي لغة تشبهني و أحبها وأعرف انها مستمرة وأخاذة في جمالها القادم الذي نعوّل جميعا على حضوره في صناعة نص إبداعي جديد في عمان، وفعل ثقافي قائم على التغيير ، وحالة ثقافية غائبة اليوم إلا من محاولات فردية، وننتظر بكل شوق مظلتها لتكون مظلة الحب والجمال دائما.
٢٢_٩_٢٠١٩ @ Homeland Cafe


