التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

قراءة في بحة الناي

محمد الصالحي 



مدن الرعب في رواية " بحة الناي "للدكتورة فاطمة الشيدي
_____________________________________

حبيبي يا حبيبي / كتبت اسمك على صوتي / كتبته في جدار الوقت / على لون السما الهادي / على الوادي
                         على موتي 
                                       وميلادي
" طلال مداح "
#ففي مدن الرعب يخافون من التفكير ،يخافون على الكراسي ،ويشفقون على أنفسهم من حرية الإنسان ومن وعيه ومساءلته لكل شيء.

#رواية بحة الناي رواية مخيفة مفرطة في الأسئلة التي تدور في دواخلنا ما نستطيع البوح به وما لا نستطيع ،رواية تبدأ من العنوان الأسطوري للناي الذي اختارته عنوانا للرواية ولكن لن تجد اسم الناي ولا اسطورته التي تتلخص في ذلك "الملك الذي بعث ببناته الثلاث لجني بعض الفاكهة والتي تملأ سلتها قبل الأخريات ستصبح الملكة ،وكان الملء من نصيب الصغرى .كادت الأختان على الصغرى فقتلنها ودفنها في الغابة ما لبثت أن خرجت شجرة قطع أحد المزارعين غصنا ونحت منه نايا وكلما عزف عليه صمت الكون بألحانه وقيل ما صوته إلا دموع تلك المقتولة " 
ولكن ما أن تنتهي من الرواية حتما ستسمع النايات الحزينه تؤرق مضجعك .

#الأزمنة والأمكنة في الرواية متمثلة في المدن أو كما سمتها مدن الرعب تلك المدن التي تطحن الإنسان لتضيء لياليها القاتمة والسوداء ولعل أشهرها مطرح ،مسقط، الجبل الأخضر ،الجنوب ،باريس ، أمريكا،دمشق ،القاهرة ، اليمن .
وتتلخص الأزمنة في كل ما مر علينا من حروب ومن مظاهرات ومن اغتيالات بدءا من ثورة الجبل الأخضر وانتهاء بحرب اليمن وليبيا وتشظي الإنسان العربي وسواده الأبدي ومآتمه التي لا تنتهي .

#الشخصيات التي تتمحور حولهما الرواية.." عمرسالم " و " مريم " الجدة شيخة بنت ماجد ،أصدقاء المدرسة والحارة أحمد القصير ،حنيفوه ،حمدان الأعرج ،مازن الولد الناعم وشيماء وسارة.
ثم الأب سالم واخوته ماجد وإبراهيم وفاطمة و مزنة بنت سيف وماريا الأسبانية وزوجها أحمد المصري  والفنان السوري تيم وشهد العراقية ومعد من اليمن .( الابن عمران )
وعندما تقرأ الأسماء حتما سيتبادر في ذهنك مصر والثورات وسوريا والعراق واليمن مآلات الحروب في الإنسان البسيط .

#أن الأقدار ليست عادلة كثيرا، ولا تخيرنا أبدا بين الحياة والموت والسعادة والشقاء "

تتمحور الرواية حول عمر سالم ومريم ابنة عمه حيث وعيا على الدنيا في مطرح وحواري مسقط ومشاهدة كوت الجلالي والميراني تحت حنو جدة لم تقصر في تربيتهما حتى كبرا  " مريم " رمز الوجود والحب والخلود .
رحلة من الحب والألم يقلب صفحاتها بسكين البعد والحزن ،يكتشف بعد سنين بأن هذا البناء المهيب_ كوت الجلالي_ الذي يطاول التاريخ ماهو إلا مكان مقتل أبيه السجين الذي ناضل لأجل حرية الوطن ،كذلك أحمد المصري الذي وقف في مظاهرة في القاهرة لأجل الحرية عاد مضرجا بالدماء كذلك تيم السوري الذي رسم امرأة مغطاة بالدماء بكى عندما قال لهم : كانت أشلاء أمي التي حصدتها الحرب.. الرواية صرخة ضد الزمن " لماذا يأكل على موائدنا ونجوع على موائده !"
كل هذا بعد أن أعطت الجدة عمر ما تركه والده في الصندوق من اسرار حولت الموسيقار عمر إلى باحث في التاريخ ولكن سرعان ما أيقن بأن التاريخ كتبه مدفع المنتصر بدماء الأبرياء والحالمين بالحريات والمساواة .قرأ عن ثوار الجبل الأخضر وعن ترويع الإنجليز بكافة الأسحلة سكان الجبل والتنكيل بهم ،قرأ عن عمه حارس الفلج الذي أصر على أن يتزوج من الجنيات حتى وجد مقتولا مع عين الفلج ،قرأ عن عمه إبراهيم الذي عشق البحر وسافر مع نوارسه جيئة وذهابا ،زوجته أمه ليستقر ولكنه رفض السجن وتركها ليتزوج من أخرى على سطح سفينة، هذه الزيجة التي ترفضها الأم برغم وفاة الزوجة وهي تلد تحمل الأم المولودة لابنتها وتقيم عزاء للمرأة لاحقا الموت من يبقي المولودة "مريم "

#مريم التي تحب عمر بمعنى الحب وعمر الذي يعانق شجرة في غياب مريم يشتم رائحتها التي لا تفارق أنفه..ولكن للزمن دورته بعد وفاة الجدة وتشظي عمر في الغربة وفي الوطن بعد كتاباته المتكررة عن الحريات ونشرها مالبث الأمن إلا أن طلبه ثم سجنه وهنا تتحول نفسيته ففي السجن يجد مزيجا من الناس وبين هذا وذاك تسوء حالته ليجد نفسه في مستشفى الصحة النفسية وبعد العلاج والسجن يعود محطما لاعنا كل شيء فمن بار إلى بار ومن ضياع إلى ضياع حال يرثى له .ينتشله بعد ذلك صوت الأذان وتطول لحيته وتقصر دشداشته ليأخذه أحد الجيران إلى اجتماعاتهم المعروفة ثم يتم القبض عليهم وإلى السجن ،للعتمة ،للضياع..يخرج يلم بقايا وطنه ،حريته ،مراتع صباه في حقيبته ليعلن لمريم بأنه سيسافر ولن يعود..هنا تقف في وجهه أنا أو السفر...أحلاهما موت
إن بقي ميت وإن هجرها ميت..تساوت معه الأنوار والظلم .." أنت طالق " لاشيء له في هذا المكان مايربطه قطعه..شبه إنسان أو قل جسد بلا روح .
غير كل أرقامه التي تربطه بالوطن وبالناس وبقي الإيميل وبعد سنوات تفقده ليجد رسالة من مريم ( عد حالا ).
تدور في رأسه الأسئلة لم بعثت لي بهذا الإميل المحدد بكلمات ( عد حالا) هل هو شوق أم أن هناك خطبا جللا ؟

تترك له رقم جوالها حال وصوله لمسقط...يصل ها أنا في مطار مسقط مجددا ،مسقط المدينة التي تفض مغاليق روحك بيديها الحانيتين كلما جئت إليها .
إلى مستشفى الجامعة..يراها ويرى روحه الغائبة أو المغيبة ،يراها ويرى الحبال التي كانا يربطان بها الغيوم وهم يركضان تحتها كحملين وديعين ،يراها ويمانع نهر دموعه من كسر سدود العمر .
ثم قالت للشاب : عمران سلم على بابا .
" بابا !! رددت داخلي ،وأنا أنظر إليهما مصعوقا كمن وصل جسده بتيار كهربائي ،لم استطع حتى أن أرمش ،وهو يمد لي يده بكل برودة وبساطة ولا اهتمام .
ثم تطلب من عمران والعاملة سونيا الإنتظار في الخارج.." أنا مريضة يا عمر لدي (كانسر ) ولا أحد يعرف .
"قدر هذا الولد مثل قدرنا،أن ينشأ يتيما من أب استلذ الهرب بدءا ومن أم اختارها الموت ختاما " 
ليعود لبيته الذي تركه متأملا المكان في مرايا الزمن المكان الذي يسكنه مهما هرب منه كل شيء فيه ذكرى كل حجارة وكل رملة بل كل روائح الغابرين يملأون رئته ..هاهو يدخل البيت ولكن الأسئلة تعذبه" وهل تصنع الذاكرة إلا من رفات الأحلام ! الأحلام التي ما هي إلا تمظهرات الذاكرة التي تتشكل بدءا فرحا طازجا، ولاحقا خسارات متعددة !
يحاور ابنه عمران الذي يقول له تريد أن تعرف الآن بعد أن أصبحت في كلية الهندسة أنا في السابعة عشرة من عمري ليتركه وحيدا إلا من أحزانه وحيدا إلا من ذكرياته التي تبخر البيت وأصبحت تثقل قلبه بين تلك النائمة في مستشفى الجامعة وبين عمران الذي ذهب لينام وبين العالم بأجمعه ،لمح عودا فأخذه  وبدأ العزف عليه بأغنيات تحبها تلك النائمة في المستشفى..سمع عمران صوت العود فنزل ليتأكد من الذي يعزف على عوده..

وترحل صرختي تذبل / في وادي لا صدى يوصل / ولا باقي أنين / زمان الصمت / يا عمر الحزن والشكوى / يا خطوه ما غدت تقوى على الخطوه / على هم السنين...
....
...
كانت الأغنية ترسم كل المسافات من المهد إلى اللحد ،دموعه تبلل أوتار العود الذي ينهيها  ولا باقي أنين .
_ سامحني يا عمران ،سامحني فقط، وقل لأمك أن تسامحني ....يموت جسدا لأن روحه سبقته منذ سنين.. ليس المهم أن نجد سببا لنعيش من أجله ، بل أن يكون هنا سبب حقيقي يستحق أن نموت من أجله .

#ختاما عندما نشر فلوبير رواية " مدام بوفاري " تمت مهاجمته ومهاجمة الرواية حتى جاءته رسالة من هوجو " لقد كتبت شيئا عظيما " الرواية بمجملها واسلوبها الشاعري الذي يخاطب أفكار الإنسان وعاطفته/ تشكل منعطفا جميلا للرواية العمانية بصفة خاصة والإنسانية بصفة عامة .

هل تسمعون الآن صوت النايات ؟