التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي 
5_8_2019 




١،أمي 
أنا خائفة يا أمي ..  كل شيء يتربص بي الحزن والفقد، أشعر أني ولدت خارج الزمان والمكان، موجوعة مما لا أعلم، من جسدي وروحي، من الزمان والمكان، لا أجيد سوى الحب والكتابة وهذه في حد ذاته معاناة.
لست راضية عن شيء، صوتي مزدرد في حنجرتي، لا أقدر أن أصرخ، والموتى يهطلون علي كالمطر، يخرجون من شاشات الحاسوب يعانقوني فنبكي معا، ، ثم يوجعني نحيبهم في خلفية العالم.
النسيان يزحف نحوي شاهرا خنجره نحو قلبي، حتى أكاد أنسى وجهى في عتمة الخوف، والدمع يترقرق في مكان ما من روحي، أعبر بتجهم رافضة كل هذا الوجود الأصفر، الصدق الوحيد الذي يعتمل في روحي هي تلك الشمعة التي أخشى عليها من عتمتي العتيدة.
أحبها حتى أهرب منها أحيانا، أحب فيوض ضحكتها وشمس عينيها أحب حبها لي وأخشى عليها منه.
فراغ كالعدم يكبر في روحي يربي الظمأ والوحشة والموت فأتراجع كل يوم خطوة للداخل. لا شأن لي بالعالم المرح أو الفرح ، فأنكمش في جسدي كقنفذ عتيق وأفتش بأظافري عن فرح.
أفتش عن الحب الذي هو أيضا كائن مراوغ، كائن يزدهر بالخوف والقلق، ويخبو بالهدوء والسكينة.
وعن الإيمان الذي يجعل أحلامنا أصغر من الحياة وعن السلام الذي يجعل العالم دافئا كقلبك. 
فامنحيني زهدك المبارك  وبركة دعائك لأنجو 💚


٢. أبي :

 لا بأس يا أبي،  كل شيء مازال بخير، هسهسة البحر بالقرب من السور رغم خرابها الذي حيك على مهل، وأحزان برغوم الخور الوحيد، وضحكات الغربان كل حصاد وهن يقضمن البسر وينعقن بالبين .
كل شيء مازال على ما يرام، أحزان الموتى في المقبرة البعيدة، صدى أصوات الثعالب والكلاب وبنات آوى في المغيب، وعند منتصف الليل. حوض الماء يرشرش على المزراع في الظهيرة القائظة. وحدها الطفلة التي أوجعتها المقادير باكرا والتي تستأنف فصول حكاية الموت بين زمن وآخر، الطفلة التي تعيد سيرة الدمع على حواف الكينونة، الطفلة التي لم تكبر ومازالت تمسك كل شيء من المنتصف. وتهرع متعبة لقصص الموتى وحكايات المجانين ظلت كما هي . 


٣.  لارا

هاتي يديك الصغيرتين يا حبيبتي؛ لأنجو من خضم العالم المتمترس وراء فقاعة كبيرة من الكذب ستنفجر بعد قليل.
دعيني أشرح لك كل شيء؛ أنا كائن غريب لدي أرجل طويلة أكثر مما يجب لذا أمشي كثيرا، وأيدٍ قصيرة أكثر مما يجب لا تكفي إلا لحمل كتاب أو فنجان قهوة .
أكبر هواياتي إرسال قبلة في الهواء للموتى، ليطيّروا لي قبلا أجمعها من شعري كل ليلة.
أحب الفوضى، والجنون المبارك، الجنون الذي يهرع للعالم حافيا لتلتصق بأقدامه رائحة الأرض ولا بأس ببعض الأشواك.
أحب العبث الذي يجعل العالم أجمل،  وأحلم أكون بائعة جوالة أعانق أرصفة العالم بعيدا عن الأمراض البشرية التي تمشي وتضحك وتقتل بلا سبب.أعبر العالم بصمت فقيرة رثة الملابس لا يعرفني أحد.
أبيع الأمشاط والخلاخيل والحلي الرخيصة لأزين العالم، وأرصّ الرغبة في كواحل النساء كي يحركن الهواء، ويثقلن الصمت، ويرصفن الأغنيات في الفراغ لتشكل أبنية شاهقة وجسورا من الفتنة. وأبيع الكحل لأقطر العشق في جفونهن ليصبح لون العالم أكثر بهاء ولذة. وأبيع الورد فيأتي إليّ العشاق فقط فأسرق من عيونهم اللهفة وأخبئها لأعياد الأيتام والثكالى والمنبوذين لتشتعل قليلا ويتصاعد منها الفرح.
هاتي يديك الصغيرتين ياحبيبتي أجنحة من فرح؛ أحلّق بهما  فلم أعد أحتاج أكثر من الحب.