التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي


23 - 8- 2019
قليل من الكتب يحفر في وجدانك ويسعف روحك وشغفك للحياة ومنها كتاب "عقل غير هادئ" لمؤلفته عالمة النفس الأمريكية كاي ردفيلد جاميسون وترجمة حمد العيسي،  وهو سيرة ذاتية عن إصابتها بمرض (ذهان الهوس الاكتئابي) أو (الاضطراب الوجداني ثنائي القطب) ورحلتها الطويلة معه منذ طفولتها، وحتى جميع مراحل دراستها وفي عملها الأكاديمي، المرض الذي أرهقها  كثيرا، ومع ذلك لم يقف حائلا دون طموحها وترقيها الأكاديمي وعلاقاتها الإنسانية. فقد أكملت دراستها العليا ودرست في جامعتين من أكبر الجامعات الأمريكية، تزوجت وأحبت وعاشت، ثم تخصصت في هذا المرض،  وقدمت الكثير من الدراسات العلمية. بل درست الكثير من المصابين به من المبدعين شعراء وموسيقيين ورسامين. 
إنها سيرة مدهشة وصادقة تجعلك تحترمها وتقدر هذا النضال الطويل مع مرض المبدعين، الكتاب الذي يجعلك تتحلى بعزيمة أكبر لمواجهة مزاجك المضطرب وتمضي في الحياة في محاولة دائمة للتصالح معه والتغلب على المعوقات التي تحول بينك وبين الاستمرار والنجاحات التي تطمح إليها،


18- 8- 2019
وأنت تشاهد فيلم  sunday's illness  تدرك أن السينما اللاتينية لا تقل جمالا وعمقا عن أدبها الذي سحر العالم؛ ففي هذا الفيلم العظيم لا يعرف المشاهد أين يتجلى الإبداع في القصة حيث النحت النفسي في فكرة عميقة وهي أثر الأم على الطفل، أم في الإخراج عبر فكرة اللقطة الصورية، أم في التمثيل القائم على حوار الجسد أكثر من اللغة إذ يمرر عبر الهمس والصمت الكثير بلا كلام.
الفيلم الذي يقوم على فكرة هجر امرأة لزوجها وطفلتها التي في عمر الثامنة وحياتها في الريف الأسباني على الحدود الفرنسية لتتحصل على المزيد من الرخاء وتتزوج من رجل أعمال ناجح وتنجب طفلة أخرى.
بعد عمر طويل نسيت فيه الأم حياتها السابقة البسيطة وابنها تتفاجأ ذات يوم بابنتها تطلب منها أن تقضي معها ١٠ أيام في البيت القديم. فتضطر الأم أن توافق على مضض وتعيش مع ابنتها الثلاثينية لتكتشف أنها مصابة بمرض خطير، وأنها جاءت بها لتقتلها رحمة بها، وتخفيفا لآلامها أو تذكيرا لها بأنها فعليا قتلتها يوم هجرتها وهي صغيرة.
تفعل الأم ذلك أخيرا رضوخا ورحمة بها، بينما تصاب أنت كمشاهد بالخرس مع أن كل شيء في داخلك في ثرثرة مرعبة عميقة. كيف يقتل الإنسان أحيانا دون أن يقصد! وكم من الآباء والأمهات ومن البشر عموما قتلة دون إدراك! فيلم عظيم لن يتخلص من يشاهده من سطوته لفترة طويلة.



12 -8- 2019

بعد أن ينتصف العمر تعود لذاتك، للحقيقة التي هي الحب، والجوهر الناصع الذي هو الإنسان، تترك خلفك كل ذلك الصخب الذي يدشن بحدة روح الاختلاف، تشعر بالامتنان أن لك عائلة وبلادا.
تهيم فرحا مع ضحكة طفل أو عجوز، تتبع التفاصيل الدقيقة لخيوط الحناء، وتلتذ برائحة (الخل والمشوي) تعلم جيدا أنها لك ومنك، وأنك جزء من هذه المنظومة بألوانها وصخبها ورائحتها الحادة في ذاكرتك.
تتحرر من الأيدلوجيات المقيتة وتنتمي لفكرة الثقافة الجمعية. تعود لتلك الخصوصية والفرادة في بيئتك وبلادك وبيتك، فكل شيء هناك يشبهك وأنت تحمله في روحك المغتربة دائما.
تعالج الأوهام الكبرى كضرورة الاختلاف، وتجنب العام والسائد وفكرة النخبوية بالحذلقة والفذلكة الخاصة بها والمصنوعة كالقهوة والمأكولات السريعة.
تتصالح مع أزمنة القلق الأولى، وأوهام الكتابة والكآبة في اللغة وفي الحياة.
وتضحك على من يعيشونها الآن، سيكبرون تقول لنفسك (إن فعلوا!!) فالنضج ليس بالعمر فقط بل بالوعي والإحساس بالجمال وبالحياة وبالإنسان.
في كل مرة تعود لبلادك تعرف كم هي بائسة المدن، وكم تحوي من كذبات تمشي على الأرض، وأجساد هاربة من الحياة ومن الاندماغ فيها بعنف والتقلب فيها بلذة وصدق.
تدرك أن المدن أجساد بلا ذاكرة يهرب إليها الإنسان ولذا لا أعياد لها ولا أحزان، لا ذاكرة للفرح ولا ذاكرة للحزن، وظيفتها الكبيرة والمهمة أن تحمي خصوصيتك التي تنتهكها "البلاد" ولا تفهمها ولا تقدرها، المدن مكان المتعبين، والهاربين من ذواتهم ومن الآخر ولذا هي باردة مهما كانت درجة حراراتها، وصامتة مهما امتد ضجيجها، وبلا رائحة مهما تنوعت روائحها، بينما "البلاد" دافئة في الشتاء باردة في الصيف، ثرثارة تسلبك كل صمتك وتحوله لحكايات، ولها رائحة الفرح الخالص والحزن القاتل.
"البلاد" ذاكرة حادة، لصوت والدك، ورائحة أمك وضحكات الأخوات وضجيج الأطفال، وفرح الأعياد ودموع الفقد، ذاكرة جارحة وطاغية في حضورها في دمك تشبه الأعياد والموت معا.

* في الثقافة الجمعية في عُمان هي المناطق خارج العاصمة مسقط

7_8_2019
هل يحب الناس أسماءهم بالضرورة؟! وهل يجب أن نفعل ذلك نحن الذين لم نخترها أصلا، ولا نستخدمها بيننا وبيننا، بل هي  للآخر يستخدها معنا وعنا. هي الحبل الذي يربطنا بالعالم وحين نسقط في الهاوية ينقطع ذلك الحبل بالضرورة فنعود بلا أسماء.
لا أعرف!!
الأسماء لعبة قدرية غالبا، وكما قالت العرب "لكل امرئ من اسمه نصيب" فيظل الاسم إحدى هوياتنا القاتلة، أتفهم ذلك وأنا أسمع أسماء الآخر في الأسفار، وفي المحلات والمطاعم في بلادنا، لفتني إسم مهيار الإيراني وجنهير البنغالي وغيرها من الأسماء التي نسبح في محيطها ونطلقها على الآخر للتواصل والاتصال
لم أحب أسمي يوما، شعرت به قديما شائعا من جهة، وله ثقل تاريخي   يرزح تحت وطأته أقوام ونساء من جهة أخرى.
الاسم الذي ورثته عن أختي أطال الله عمرها، فأبي الذي رزق بأول بناته في الغربة سمتها الجدة والأم فاطمة، وحين أرسل أول مكتوب كتب فيه لأمه "كوني أمينة عليهم" ولأن قراء المكاتيب في ذلك الوقت كانوا شبه أميين تأول الرجل في المعنى للجدة/الأم (لعله يريد تسمية الطفلة أمينة أو آمنة) فنُفّذت وصية الغريب، وغير أسم الطفلة الأولى وتزحزح الأسم البركة الذي لا يجب أن يخلو منه بيت للفتاة القادمة والأبنة الثالثة التي هي أنا.
تمنيت دوما أن يكون أسمي (أمل) لا أعرف لماذا!. الحروف الثلاثة ربما أو المعنى العظيم الموازي للحياة، أم الفتاة التي كانت تشبهني والتي تحمل الكثير مني شكلا وعائلة وكانت المعلمات يخطئن فينا كانت السبب الأهم؟ ربما أيضا.
فعليا كنت أحسدها.
فهي تملك اسما جميلا نادرا وكنت أشعر أنه يناسب طبيعتي الصامتة وغيابي الكثير وتأملاتي الداخلية أكثر منها.
بينما كان اسمي مستهلكا كعلكة على كل لسان ولا يناسب غربتي التي تطمح للتنصل من كل متعالقات الزمان والمكان.
ربما ما يمكن أن يحسب لاسم فاطمة وصالحني معه قليلا؛ كثرة أسماء الدلع منها (فطوم/ فطيم/ فطام. فطامة/ فطميه/ فطيميه/فطومة، وبطة وغيرها كثير)
(بطة) كان دلع المعلمات المصريات وهو مازاد الطين بله في كرهي لأسمي لأنه يشعرني بالرجرجة في المشي. أنا التي لم تكن يوما سمينة.  كما لم أحب اسم الدلع الشائع (فطوم) والذي يتردد كثيرا على الألسن حتى من بعض الثقيلات التي تتجاوز  الكلافة مباشرة بداعي التحبب البغيض.
بينما كان دلع أبي (فطام) وهو يرجعه غالبا لجدته البعيدة (العجوز فطام) و(فطيم) اسم دلع الرجل الذي أوجع القلب والذاكرة، وفطومة وفطمطم، دلع أخواتي من دواعي تقبل الاسم قليلا.
أما "تومة" فهو دلع جديد أخذني خارج حدود الاسم الشائع تماما.
هل يتشابه حاملو الأسماء، وبالتالي فصفات الفواطم واحدة،  أم أن الأسماء وعاء نملؤه بنا، فتصبح الأسماء تشبهنا؟ نمنحها بعدا خاصا بنا فتصبح كل فاطمة خاصة، وبين كل فاطمة وفاطمة فرق.  لماذا لا نغير أسماءنا حين نكون قادرين على ذلك، أو لماذا لايترك تسمية الأبناء حتى يكونوا قادرين على ذلك.
لا أعرف!!
ولكن ربما تأخر الوقت لتغيير أسمي الآن .