التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

غياب المرأة الناقدة والمفكرة

فاطمة الشيدي
مجلة الجديد
1_9_2019 

في البدء  علينا أن ننتبه إلى أن التفكير النقدي الحقيقي والأصيل والذي يطرق مناطق حساسة في الوعي الإنساني، أو يتناول النص بأدوات جادة ومتجددة نحتا وتحليلا قليل جدا في عالمنا العربي بل ربما نادر  أيضا، وأن الكثير مما هو موجود على الساحة النقدية العربية ليس أكثر من محاولات لدغدغة مفاصل النص أو الوقوف على ضفاف المعنى أو محاكاة لنظريات غربية قائمة أصبحت اليوم قديمة نسبيا، والقليل منها _أي تلك المحاولات_ يصل مع الزمن والاجتهاد لمرحلة من النضج.
وإذا كان هذا هو الحال لدى الجميع فليس غريبا ندرة وجود المرأة الناقدة، فالمرأة في عالمنا العربي أسيرة اللاوعي الجمعي بخصوصية الأدوار بين الذكور والإناث، وانحياز المرأة للشعر والسرد وقد أنتجت في ذلك نتاجات غزيرة لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل، في حين اختص الرجل بالتفكير النقدي واجتهد فيه ما وسعه الاجتهاد وبرزت بعض الأسماء وإن كانت قليلة جدا بنتاجات مميزة.
إلا أن أمر  كهذا لا يمكن التعامل معه بشكل مطلق؛ فالاشتغال بمسائل الفكر والإبداع يعتمد في غالبيته على توافر الظروف الحاضنة للعملية الإبداعية كالمؤسسات البحثية والأكاديمية. ولذا تجد أغلب المشتغلين بالنقد والفكر هم من الأكاديميين والباحثين والمشتغلين بحقول المعرفة والإبداع. إلا أن هذا أيضا هذا ليس معيارا نهائيا للظهور والبروز الفكري، فهذه الاشتغالات تكون غالبا عادية وتنتج نتاجات سائدة، أما المائز والمختلف فيكون نتيجة المواهب الإبداعية بطفراتها التاريخية، فهذه هي التي تنتج التميز الثقافي وترسّخ بعض الأسماء في الذاكرة الإنسانية الخالدة وهي _أي الطفرات الإبداعية_  ليست مستمرة أو وفيرة من جهة، وليست حكرا على الذكور دون الإناث من جهة أخرى.
ولكن تلك الطفرات التي تكون ضمنها المرأة بطبيعة الحال تحتاج أيضا للظروف المهيئة للفعل النقدي لأنه فعل يحتاج إعدادا طويلا وتراكما معرفيا غزيرا وتكريسا مستمرا للذات في خدمة الموضوع/المعرفة، وبالتالي يحتاج تفرغا تاما أو شبه تام للإلمام المعرفي والاستمرار  فيه، وهذا ما يشكل صعوبة على المرأة العربية المحاصرة بأدوار لا تعد ولاتحصى ينبثق بعضها من بعض وليس لديها الحرية الكاملة لاختيار طريقها الخاص وطريقتها الوجودية في الحياة.
فالمرأة التي مورس على وعيها الفرداني كل ضروب العنصرية والتمييز التاريخي أصبحت _إلا من رحم ربي_ مقتنعة في اللاوعي بعدم قدرتها، أو عدم صلاحيتها لبعض الأدوار، وحتى لو حدث أن خرجت إحداهن على ذاتها الأنثوية بصناعتها المجتمعية فسيتلقفها عدم الإيمان بما تفعل، من قبل الجمه الذكوري، وستهمش نتاجاتها الفكرية فقط لأنها أنثى. 
إن جبروت الوعي واللاوعي المجتمعي لا يقبل بظهور مفكّرة تخالف سنة التكوين الجمعي والكينونة الفطرية وهي تفوق الذكور كما يعتقد، فكيف يسمح لها بالتفوق على صناع الفكر وفحولته منهم.
ثم إن حدث ورفعت المرأة سيفها، وقررت دخول المعترب (الحرب الدونكيشوتية)، فكم تراها ستصمد أمام كل تلك الطواحين، وماهي النتائج التي سيمكنها أن تنتجها وهي مشغولة بخوض المعارك، وتبرير وجودها الفكري ومواجهة كل أولئك المعترضين وتفنيد آرائهم، وغير ذلك منا يستنفد الوقت والجهد. 
ومن المؤسف والصادم أنه حتى اليوم لا يوجد تأسيس راسخ تبني عليه المفكرة والناقدة العربية الجديدة مشروعها الفكري، ولذا عليها أن تبدأ دائما من من الصفر لتشكّل حلقة من البدايات المستمرة وغير المتصلة، وبالتالي فالتراكم المعرفي التأسيسي للمرأة العربية المفكّرة والناقدة هو تراكم هش وضئيل ولا يعوّل عليه في إكمال البناء وصناعة الصورة المكتملة.
إن مشروع المرأة العربية الفكري توّجه إليه السنان والرماح من كل سلطة في عالمنا الآسن بدءا من سلطة الدين الذي مافتأ يحيّد دورها الفكري ويحصرها بين علامتي تنصيص فطرية أنثوية حيوانية جدا، ومرورا بالسلطة السياسية والاجتماعية الذكوريتين اللتين استفادت من نظرة السلطة الأولى في ترسيخ ذكوريتها عبر تكريس دور المرأة كما قررته سلطة الدين الذكورية.
بل والأمر في تراجع وانهيار مستمرين فما بنته المرأة عبر حروب ومعارك ضارية وما حصدته من إنجازات ونجاحات واستحقاقات إنسانية كالمساواة والحرية نجده اليوم في تراجع مستمر وتراخ يشمل كل شيء، كما نجد تراجع الحراك المدني والسلطة الثقافية ورموزهما من الناشطين والحقوقيين والكتاب والمثقفين عن دعم المرأة والدفع بها للأمام وتأييدها في مشاريعها الفكرية والتنويرية.
بل أن بعض الرموز يقفون منها موقف الخصم تحركهم التربية الذكورية الاجتماعية في نظرتهم القاصرة للمرأة تحجيما وتقليلا.
وبعد كل هذا لاعجب أن تراجع مشروعها الفكري والإبداعي خاصة ضمن ماخلفته الثورات العربية من تراجع المرأة العربية إنسانيا وحقوقيا، ولاعجب أن تقل نتاجاتها الإبداعية (القليلة أصلا أو المحكومة بمشاريع محددة جدا) مع الوقت والزمن الذي كان يفترض أن تزداد فيه وتتعمق.
أخيرا إن تفكيك الحالة ليس بالأمر الهين، فلا يمكننا أن نلقي التهم جزافا، وأن نرجع تراجع الاشتغال النسوي بالنقد الثقافي والفكري لأسباب محددة وواضحة، ولا أن نعزي قلة نتاجاتات المرأة النقدية الفكرية لجهة واحدة أو نسقطها على فالامر معقد ومتداخل ومرتبك ومربك في نفس الوقت،  فهو جمعي وفرداني، ونسوي وذكوري  في ذات الآن. إنه في الحقيقة يتطلب مواجهة قصوى مع التراث والتربية والوعي الجمعي الذكوري، مواجهة تحتاج شجاعة كبرى _ تفتقدها الكثير من النساء العربيات او غير جاهزات لها_ لتحدي ذلك التفكير الجمعي ومواجهته والتصدي له بأعمال رصينة وجادة تحفر في عمقه وتنفضه من داخل منظومته التاريخية بجهد فكري صادق وصادم كما فعلت فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي وغيرهما، ثم مواجهة كل احتمالات الناتجة عن ردود الفعل الناجمة عن عقلية جمعية راسخة في الفعل ورافضة لأي تغيير،  فرغم ما حظيتا به من تقدير إلا أنهما لقيتا  من النقد والشهير والتسفيه والمقاومة ما تعجز عن تحمله الكثير من نساء المنطقة وربما أي امرأة أخرى، لتتساءل هل يستحق الأمر هذه التضحية والمواجهة العاصفة فعلا.
أخيرا علينا أن نعترف أن المنجز الثقافي الفكري والنقدي الحقيقي للأسف يتراجع بشدة مقارنة بالمنجز السردي مثلا وكل النتاجات الفكرية كما الكثير من نتاجات الرجل "إعادة تدوير" وليس هناك نتاجات فارقة فعلا، وربما يعود الأمر في شقه العام للرأسمالية التي سلّعت كل شيء، وللقرية الكونية التي سهلت المعرفة وأسبغت عليها صفة الجاهزية في مقابل فكرة العمق والتحدي، وهنا تحضر هناك فكرة "موت النقد" أو "موت الناقد"، أما في الشق العام  فالأمر يعود لتراجع كل ماحولنا في كل سياقاته الثقافية والسياسية والاجتماعية من جهة، وليس لنا من عزاء سوى الأمل في طفرة ثقافية عربية تشمل كل شيء وتبعث الهمة والعزيمة في الروح العربية لتراوح منطقة الظل وتذهب نحو الوهج الإنساني والمعرفي بثبات وعزيمة.