التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي
31 يوليو 2019 
مقامات 


الفيلم الأرجنتيني The son (إذ وهبتنا النتفليكس الفرصة للتعرف على ثقافة العالم خارج ثغاء السينما الأمريكية) يقدم لنا درسا في بطلان الأحكام الجاهزة وفساد التعميمات المطلقة حيث لا يمكن أن تكون حالة عامة.
فالفنان  الذي تزوج من عالمة أحياء نرويجية، يواجه مشكلة بعد أن أنجبا طفلا. إذ تحتجز الأم ذلك الطفل بعيدا عن الحياة والبشر لعقدة نفسية. بل تستبدله بآخر لتحرم والده منه.
الجميع يقف مع المرأة ضد الفنان في كل الافتراءات  التي تلفقها وتودي به للسجن. تقول محاميته ( إنها عالمة نرويجية وأنت فنان بوهيمي فمن سيصدقك ويكذبها!!!) 
حتى قتلته وغابت الحقيقة لفترة قبل أن تكتشف الصديقة/المحامية الحقيقة وصدق ما كان يسعى لإثباته.
ولكأن الفيلم الأرجنتيني يدس فكرة مادية الغرب وفجاجة الرؤية العلمية التي أصبح يحتكم إليها حتى في علاقاته الخاصة والحميمة من جهة، وتعاليه وغطرسته وعجرفته باسمها، ولاستغلال الآخر (غير الشبيه) أينما وجد. منتصرا (أي الفيلم) لقيمة الفن والجمال وروح الإنسان.


28  يوليو 2019

اختراع العزلة .. أستمر في قراءة السير المحببة لروحي. فالواقع كثيرا ما يكون أكثر غرائبية وجمال من الخيال.. هذه المرة "اختراع العزلة" الكاتب "بول أوستر"  الذي مات والده فجأة وكان على موعد لزيارته لإلقاء نظرة على البيت العائلي الكبير الذي باعه الأب أخير قبل تسليمه للمشتري.
يدخل الأبن البيت فتتداعى كل الأشياء في رأسه ويخرج الماضي جليا. وتتجلى تفاصيل حياته أو حياة والده. فيشعر أنه يرغب في الكتابة عنه. في استحضاره في اللغة بأن يصبح هو صاحب اللعبة هو الأب ربما.
يستحضر الأب أو صورته من ذاكرته وطفولته، ومن البيت بكل ردهاته وتعالقاته بين الأب والابن، ومن الصور وألبومات الذكريات.
لكن ذلك الاستحضار لن يكون تمجيديا أو نوستالجيا أبدا، كما هو الحال غالبا؛ بل هو استحضار انتقامي عنيف. إنه يستحضره ليحاسبه، ليعنفه ربما، أو حتى ليجلده.
لذا وعبر تحليل دقيق وقاس لشخصية الأب يقوم الكاتب بتمرير شريط ذكريات والده مع أمه ومعه ومع أخته ومع البيت وخارجه. يرسم صورة داخلية دقيقة لحياة الأب التي ليست مثاليةبل وليست طبيعية أيضا.
الأب الغريب الأطوار في علاقاته مع زوجته وأطفاله ومع الأصدقاء والعشيقات. التقليدي في ملابسه وهيئته. البخيل في مصاريفه . أسير العادات الحياتية والتصرفات المكرورة. 
ثم يذهب الكاتب بعيدا فيسترجع ماضي والده وأسرته اليهودية التي وصلت أمريكا بسبب الحرب العالمية ليكتشف أن  جدته قد قتلت جده، ونجت من العقوبة، وأنها تحكمت في أطفالها مما أفرز شخصيات غير سوية .
ثم وفي انتقال سردي غير سلس ينتقل الكاتب ليسرد عزلته هو مع نفسه وبداياته مع اللغة ومع العزلة ضمن محيط الأب ومن ثم مع زوجته  وابنه الصغير دانيال.
إنه يسرد عزلة الأب الذي كان في البدء الأب، ثم هو ذاته بوصفه أبا وكاتبا.
إنها ليست سيرة ذاتية، فلا شخوص كثيرة تتداخل فيها إلا عبر الأب إنها سيرة  عزلة الأب والأب الجديد الذي هو الكاتب نفسه.
هذه العزلة التي احتاط لها الكاتب بكلمة (اختراع) إنها ليست عزلة حقيقية بالضرورة لكنها فكرة نصية يلملم فيها الكاتب مخترعه النفسي ضمن مخترعه اللغوي. يعيد اختراع العزلة ضمن ضوابط وشروط الزمان والأمكنة واللغة.
وبالتالي فهو يحتاج متلقٍ يستطيع تقبل فكرة الاختراع (الكذب اللغوي) لعزلة كائنين متحدين يتناوبان الظهور عبر اللغة في نص يتردد فيه الزمن في الزمن ارتداديا واستباقيا حيث يكتب في الحاضر بعد أن يؤتى به من الماضي، ويطل الزمن الماضي كحاضن للعزلة. والحاضر كاختراع لها.
"اختراع العزلة" سيرة صادمة لما اعتدنا عليه من تقديس الأب في ثقافتنا العربية، بلغة أدبية عذبة ووعي لغوي وفلسفي، إلا أنه في الجزء الثاني (كتب الذاكرة) تصبح مملة بعض الشيء، فلا خيط سردي يجمعها بل مجرد تداعيات نفسية .


1_7_2019

ماتزال السير تدهشني وأجدها أكثر الكتب الجديرة بالقراءة إنها التاريخ مسرودا، والحياة مكتوبة، وهي الرواية صادقة وواقعية فهي المقولة المتعارف عليها "أن حياة كل إنسان رواية مكتملة". نعم فالسيرة الذاتية كتابة من لحم ودم تحتلك، وتأخذك لصفحة من الحياة. لشخصية بزمنها وأمكنتها وتاريخها وظروفها الموضوعية وغير الموضوعية. وفي كتاب عالم الأمس لستيفان زفايغ ستجد كل هذا؛ المكان والزمان والإنسان والكاتب. ستجد أوروبا بجمالها واتساعها وحضارتها وتاريخها المجيد قبل الحرب، وجنونها وخزيها واضطهاداتها للبشر في الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بينهما. وستجد روح الإنسان الحرة المحبة للجمال والفن والموسيقا والأدب والراغبة في السلام والمعذبة في الحرب. كما ستجد الكاتب المتحقق والمتحد مع اللغة في عمل مستمر وكتابة دائمة، وكيف واجه الحرب الذي حرمته لذة الانتشار. ستجد مآسي الحرب وجبروت رحاها التي تطحن كل شيء. حيث يقدم زفايغ كل شيء عن فيينا بلاده الحبيبة وعن جمالها وثقافتها العظيمة. وعنه رحلته في المكان وبداياته مع التعليم والتعلم في المدارس والجامعة، ثم يسرد سيرة الكاتب مع الكتابة والنشر والنجاحات الكبيرة التي حققها فيها والأصدقاء من الكتاب والموسيقيين والفنانيين والنحاتين في كل أوروبا. ويمكننا القول أن هذه السيرة"عالم الأمس" تعقد مقارنة فارقة في فصولها الأولى وفصولها الأخيرة بين روعة أوروبا وجمالها وأمانها وارتهانها للنظام والقانون وحقوق الإنسان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبين انحطاطها وتخليها عن كل ذلك منذ عام ١٩١٤ حيث اندلعت الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية، وانعكاس ذلك على حياة الكاتب الشخصية حيث عاش جماليات الشهرة وعنفوان المجد في الفترة الأولى، وذل اللجوء والتشرد وضياع كل مجد في الفترة الثانية والتي أنهاها منتحرا هو وزوجته بعد أن حاول الحياة بالسفر لأمريكا والأرجنتين والبرازيل ولكنه لم يستطع رغم كل الجمال والأمان الذي وجده هناك، فكما كتب في رسالة لأصدقائه أن البدايات تحتاج طاقة ومحاولات حياة لا يستطيها وهو في الستين من عمره وقد شعر بالخسارة الكاملة لبلده الجميل الذي عشقه فيينا ولمجده الشخصي وللحضارة التي كان ينتمي لها ويعتز بها. قارئ هذه السيرة يشعر أنهت سيرة خارجية أكثر منها سيرة داخلية فهي سيرة تاريخية سياسية صيغت بلغة رصينة جافة تقريبا خالية من الشعرية والعاطفة حتى في الوصف المأساوي للحرب والفقد. كما أنها سيرة زمانية مكانية متتابعة في الزمن وليس هناك تردد استباقي أو ارتجاعي في الزمن. وهي تدور في أوروبا فقط كمكان واسع بكل دوله، إلا في النهاية تخرج عنها لأمريكا والأرجنتين والبرازيل في رحلات الكاتب العملية. كما أنها سيرة ذاتية خارجية تقريبا، فهو لايقارب كثيرا حياته العاطفية والشخصية حتى أنك لا تعرف من أسرته سوى أمه وأبيه وعرضا تعرف أن له أخ وهو بعيد عن فيينا أيضا في الفصل الأخير قبل موت والدته، كما لاتعرف من أحب ومتى تزوج وهل له أطفال إلا في الفصل الأخير وعرضا أيضا وهو يخبرنا أنه كان ينوي الزواج للمرة الثانية حين قُصفت لندن في الحرب العالمية الثانية. وكل من تم ذكرهم في السيرة لا يجترحون روح السرد أووالشخصية الساردة بل يتحركون في البعيد والخارجي من التعالق مع السارد والمسرود. كما أن طول النص وتشعب المسرود وتمثلاته الخارجية فقط، وعدم جودة الطباعة وضغط النص لتوفير الصفحات في طبعته عن دار المدى لا يجعلك تتعالق معه بشغف أو تقبل عليه برغبة حارة بل تتردد في ذلك، وتطول فترة القراءة أكثر مما ينبغي. ورغم كل ذلك لا يمكنك إلا أن تقر بقيمة العمل، فالسيرة تقدم للقارئ الكثير من التأريخ للمكان في الفترة المسرودة. وتعرفك كاتبا كبيرا عاش وأنتج الكثير ولم تلتفت له الثقافة العربية بترجمة كتاباته إلا متأخرا جدا، ربما لأنه يهودي، رغم أنه لم يكن يهوديا عنصريا ومتحيزا لعرقه ودينه. ولم يكن من الصهاينة بل كان من أنصار السلام وانتحر اعتراضا على الظلم والقهر الذي يقرره مجموعة من البشر، ويسري على العامة ممن لا يرغبون إلا بالسلام والأمن. الظلم الذي يسلب الإنسان أمانه واستقراره في أي مكان في العالم وليس في أوروبا فقط كما نستطيع أن نعمم من منظور سيرته التي تنذر بخطر الحرب وقبح الظلم والشر في كل زمان ومكان.