التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

محمد الحارثي بين الذكرى والوفاء


فاطمة الشيدي
٢٧_٥_٢٠١٩
الوفاء هو أكثر وأجمل ما يحتاجه الإنسان بالمطلق، والكاتب بالأخص في رحلته الوجودية وفي ذكراه بعد الغياب. الكاتب الذي يبذل قلبه ودمه في سبيل ما يكتب، الكاتب الذي يقدّم حياته شهادة أولى، وشاهدة أخيرة على عبوره لهذه الحياة وكتابتها بكل مسراتها وأوجاعها.
 ومنذ زمن نجد في عمان ما يثلج الصدر من صور الوفاء لمبدعين كبار على هذه الأرض، وآخرين عبروا هذه الحياة، كان أحدثها إحياء ذكرى رحيل محمد الحارثي التي توافق ٢٧ مايو. ففي مقهى هوم لاند كان الوفاء سيد الموقف حيث اجتمع الأصدقاء والقراء في أمسية أحيت ذكرى عبوره الخاص والمختلف والصاخب قليلا ربما في النص الأكبر/الحياة، والنص الأصغر/اللغة. كانت الأمسية تجسيدا لمعنى الوفاء، وفاء الأصدقاء/القراء الذين لم ينسوا ولن ينسوا كما اتضح من كلماتهم التي هطلت حبا وحنانا ووجعا. إنه الوفاء المؤجج بالصدق والمكتنز به. الصدق الذي هو شعلة الكتابة، وروحها الخالصة المخلصة، الصدق الذي يجعل للكتابة معنى ولرحلة العبور أكثر من معنى في قلب كل من يتقاطع معك في الحياة وفي النص. الصدق الذي يخرجك من الزائف إلى الحقيقي، ومن ضوضاء العام إلى الداخل حيث الكتابة بالدم تماما. حين تحب بصدق، وتحيا بصدق، وتكتب بصدق. الصدق الذي يمنعك من الممالأة والتزلف والنفاق، ويحكمك بالعميق والحقيقي مهما كان حادا وطاعنا، تماما كما كان محمد الحارثي كما يعرفه أصدقاؤه في النصين معا.
إن الصدق هو أجمل ما يمكن أن يصف تجربة الحارثي الحياتية والإنسانية فلقد عاش كما يريد وكما يحب فقط، مهما كان المقابل باهضا، والثمن غاليا، فلم ينافق الحارثي سياسيا ولا ثقافيا ولا إنسانيا، كان واضحا كطعنة في خياراته الوجودية، محتملا السهام المرتدة للقلب مباشرة ببسالة وشجاعة. ولذا كان الصدق الذي عاش به هو ما خلفه في حياته وفي نصه، وهو أيضا ما تم إحياء ذكراه به، وكان غزيرا في مراسلات سليمان المعمري، وفي حنينيات أحمد الحارثي، وفي افتقادات بشرى خلفان، وفي صوته (محمد الحارثي) المتدفق عبر الأجهزة الرقمية موبخا صديقه الناعبي الذي بدوره كان صادقا وحميما في شهادته عنه. وكان ماثلا في صوره التي جسدت حياته كلها بين عمان والمغرب وتايلند والنيبال وغيرها من بلاد الترحل الطويل والتي عرضت في جهاز العرض، ثم كان عميقا وجارحا في ورقة إبراهيم سعيد التحليلية لمضمون النص الشعري للشاعر المشاغب، وفي تطوافاته المكانية والزمانية راحلا عما لا يعرف، وذاهبا إلى ما لا يعرف أيضا، وذاهلا عما يعرف وزاهدا فيه.
 الصدق الإبداعي والإنساني هو قيمة الكاتب وأهم ضروراته في حياته، وأجمل تركته وصورته الناصعة بعد موته. فالرحمة للغائبين والمجد والخلود للصادقين.