فاطمة الشيدي
٢١ _٥_٢٠١٩
خالي العزيز :
لماذا قررت أن تترجل عن قطار الحياة السريع سريعا، أن تنزل في أقرب محطة للعدم باكرا، سنواتك الخمسون في بداياتها وأطفالك لم يفطموا من رعايتك، ولم يشبعوا من صوتك ورائحتك ولمستك بعد؟ والأبناء لا يشبعون!
هل تعبت من تقلبات الزمن الذي مشى على جسدك سريعا جدا؛ طفلا متعلقا بأخته الأم التي تزوجت بعيدا عن قريته، ففتى وسيما يستقطب إعجاب كل نساء الحي وهو يقود دراجته النارية، فيافعا يعمل، ويكمل تعليمه في الأمارات ثم يعود لأمه عُمان يكمل مشوار الحياة عسكريا بها.
أم تعبت من الأفكار الكبرى التي داهمت وعيك باكرا؛ فكنت ماركسيا عنيدا في أمكنة يرعبها العدل وتسرف في صناعة القهر والظلم، تلك الأفكار التي سربتها لوعيي المبكر وأنا أراك بين جرائدك وكتبك التي أرعبتني ذات يوم وأنت تتخلى عنها بقرار حاسم (لن أقرأ بعد الآن يكفي ما أفسدته فيّ باكرا ونغّصت علي الحياة)؛ فصمتُ احتراما لقرارك واقتناعا بما قلت، رغم أنني حتى اليوم أجبن من أتخذ قرارك هذا، فهذه متعتي الوحيدة أمام كل التعب والزمن.
أم تعب قلبك من الحب لامرأتين لم تحل ثانيتهما محل الأولى أبدا رغم كون الثانية قديسة سماوية، ولعائلة كانت صغيرة من أب بروح رب، وأم بشقاوة طفلة رعيتهما كأطفالك حتى لوحوا للغياب، وأختين أكبرهما أم وأصغرهما ابنة، وأخ أهديته جزءا من جسدك باكرا ليظل ذلك الجزء يعيش فيه بعد غيابك. ثم تمددت تلك العائلة وصارت ممتلئة بالصغار، ومنهم أطفالك الذين ظلوا يتقافزون حولك حتى النفس الأخير، وهم مايزالون بحاجة ليدك المتشققة من التعب والزراعة والأمل.
هل تعبت من الخوف على مصير الغد _الذي أصبح ماضيا الآن_ وقد أرهقك ذلك الخوف حتى كنت تلهث خلف القبض على فكرة الأمان بأي شيء قصرا.
هل تعبت من عزلتك التي ربيتها فور خروجك المبكر من الوظيفة وقد تعب قلبك من الثرثرة فأخترت الصمت ومصاحبة الأرض والشجر والحيوانات وتربية الصغار.
لماذا هذا الغياب المبكر ياخال؟!!! هل حننت لصدر أمك التي وسدَته التراب فلحقتها، أم خذلك قلبك المرهق من الحياة والبشر فقرر التوقف بلا أسباب منطقية وبلا تلويحة وداع حتى لأقرب أحبابك فسقطت في لذة العدم لتنعم بالصمت الأبدي والفراغ النبيل.
ياخال؛
لا أفهم سبب استعجالك وسر غيابك المبكر والمفاجئ، ولكنني حزينة على ذلك الغياب بوجع وألم، حزينة كقلب أمي أختك الأم، وكقلب مريم قديستك العظيمة، وكقلب رزينة طفلتك الأخيرة تتعثر في حزنها وسنواتها العشر، وكقلب أروى أمك الصغيرة، وابنتك الأولى، وكقلب كل أطفالك وأهلك التي تشظت لهذا الصدمة الحادة بهذا الغياب المفاجئ.
لروحك السكينة والسلام أينما كنت، ولا عزاء لنا في غيابك سوى ما تركت في ذاكرتنا من تفاصيل لا يستطيع الزمن أن يغيّبها أخا وصديقا وأبا صغيرا. وأننا جميعا على هذا الدرب في رحلتنا القصيرة .. وداعا خالي العزيز ناصر محمد.
