التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

بحة الناي

بحة الناي. رواية. دار الانتشار العربي.  2019


قبل أن أدخل إلى البيت وقفت خارجه أنظر للمكان، مشيت عدة خطوات في الحارة القديمة التي تغيرت كثيرا، ولم تتغير داخلي أبدا، شاهدت بعض الناس الذين لا أعرفهم يمشون في الشارع، وبعض الأطفال يلعبون أمام البيوت، كما كنا أنا ومريم وأطفال الحارة نلعب. ياااه كم هو مؤلم أن تتأمل المكان في مرايا الزمن، المكان الذي كأنني ما غادرته يوما، وقد كان كل شيء فيه يعرفني تماما؛ البحر، والسماء، والبيوت بشنانشيلها الخاصة، وطرازها المعماري الفريد، وحجارتها البيضاء، وطوبها القديم، والبشر الذين يسكنون ذاكرتي فقط والذين لاشك قد تغيروا الآن كثيرا؛ الأطفال ببساطتهم وشغبهم اللذيذ وكأنهم أطفال الجميع، والنساء بملابسهن التقليدية المزركشة والمتعددة الألوان كمهرجان ربيعي لا يأفل، وبرائحة الزعفران والورس في شعورهن، ولون المحلبية على مفارقهن، وضحكهن ومرحهن، وتعاملهن البسيط مع الجميع وكأنهن أمهات الجميع وأخوات الجميع.
تذكرت جدتي شيخة، ونساء حارتنا الطيبات، ورائحة الطبخات العمانية الأصيلة، الخبيصة المصنوعة بالسمن البلدي، و(البابلوه) أكلة السمك المشهورة في السواحل والتي أتقنتها جدتي، وكانت أكلتنا المفضلة أنا ومريم، و(العرسيّة) و(الهريس)، والحلوى العمانية المشهورة في الأعياد والمناسبات، و(قبولي) اللحم أو الكبسة التي لم أذق مثلها لاحقا أبدا، والقهوة العمانية التي تصل رائحتها للروح تماما فتنعشها.
سوق مطرح القديم، أو سوق الظلام كما يسميه العمانيون، زقاقه المتعرجة، وحوانيته المتداخلة، ورائحته المتميزة، صوت الباعة ونداءاتهم، وصخب المارة من كل الأجناس والأعمار وهم يقلّبون البضاعة كثيرا، ويشترون قليلا، مفاوضات البيع والشراء المستمرة من الصبح حتى الليل، الصاغة العمانيون ببضاعتهم الفضية النادرة، وطرقات أدواتهم المتكررة وهو يصنعون تحفهم الثمينة من الحلي كالخلاخل والأسوار والعقود، باعة الخناجر والمصار والعصي، وثياب النساء التقليدية المزركشة، واللبان والبخور العماني الذي تفوح رائحته بين فترة وأخرى في حالة تجريب مستمرة من قبل المشترين، ورائحة القهوة المنبعثة من الزقاق والتي يبيعها (الشيبه) الذي لا يتردد زائر في مصافحة فناجينه برنينها العذب والطعم المعتّق بالهيل والزعفران والمحبة.
ياااه كيف مر كل ذلك الزمن؟! لاشك أن الكثيرين من الكبار الذين أثثوا الذاكرة بحكاياتهم ودعواتهم ماتوا كما ماتت جدتي شيخة، وكل الأطفال الذين كانوا هنا قد أصبحوا آباءً، وربما أجدادا أيضا، تذكرت عمران الذي سبقني للداخل دون أن يكلّف نفسه عناء دعوتي أو انتظاري.
كبر الأبناء، وكبر الآباء، فماذا لم نكبر؟ لماذا ما فتئنا نراوح منطقة الظل الأرعن؟ أو هكذا نظن ونتخيل. لأيهما ننحاز الآن؟ للذين كبروا في استراحة التعب التي أخذوها ونحن نربي الوهم، أم للذين كبروا خلسة ونحن مازلنا نركض خلفهم؟
ماذا يريد أن يقول لنا الزمن، هذا المراوغ الذي يتسلل بخفة بين جنبات أرواحنا، ويضع بصماته على جلودنا وأعمارنا؟ هذا الذي يكبر داخلنا ونتضاءل داخله، هذا الذي لا نراه ويرانا، ويتمدد في جزيئاتنا وأعمارنا، ونتضاءل في شريطه الطولي.
ماذا يفعل بفرحنا الكثير، وحزننا الجارح، لماذا يصفّي كل شيء من نكهته ودمه، لماذا يسرق كل الأشياء الثقيلة التي حملناها من طوفان نوح، بذات خوفه ونواحه؟ لماذا يعرّينا من أصباغنا وحجارتنا الخارجية، ويتركنا نتخبط بهشاشة على جدرانه وحذافيره الجارحة؟
لماذا يأكل على موائدنا ونجوع على موائده! لماذا يراكم لنا الخبرات بالوعي الثقيل حتى لا نقدر على حملها فنسقط، ثم نعاود القيامة والعبث، ونظل نحمله كصخرة سيزيف ثقيلا، ويحملنا بخفة كريشة طائر لعوب، يكتشف سخف اللعبة وعبثية الطيران حين يسقط من علٍ، وتنهش الريح ريشه ودمه، ويتقاسم الفضاء والأرض جسده الصغير !
لماذا يضعنا على شفرتي الذاكرة أو الحلم! وماذا إذا لم نملك الوقت الذي يصنع الذاكرة!؟ أو الزمن الذي يقتضيه الحلم ليتبلور؟! وهل تصنع الذاكرة إلا من رفات الأحلام! الأحلام التي ماهي إلا تمظهرات الذاكرة التي تتشكل بدءا فرحا طازجا، ولا حقا خسارات متعددة !
كنت أنظر لكل شيء باستغراب، فلقد أفلت الزمن تلك الأشياء الصغيرة التي كنا نحتفي بها، أصبحت البَراحات بُرحا، وأصبحت المساحات جدرانا مشيّدة، وأصبحت قلوبنا وحيدة في مواجهة الصمت والقلق. فلأي شيء ننحاز الآن للذاكرة أم للحلم!
الذاكرة البعيدة التي ربيناها على مهل وأمل كأم تربي صغيرها، حتى كبر وطعنها بغيابه، أو تلك التي ربتنا بسبخاتها واتساعاتها وأشجارها ومائها ودروبها المغبرّة بالفرح القادم الذي كنا ننتظره ونؤمن أنه سيجيئ يوما، ولكنه حين جاء لم يكن يشبهنا، كان يشبه نفسه فقط.
لم ندوّن لهاثنا في الذاكرة الشحيحة كعين كبير أضجرته الوحدة، ولم ننسج خطواتنا في أركانها التي تنطفئ الآن رويدا رويدا. كنا ننتظر الحلم. ولكن الحلم تغيّر الآن كثيرا.
الحلم متغيّر ومنسلخ وجبان ومتلوّن أبدا عكس الذاكرة، فالذاكرة أم رؤوم تحمل كل شيء في قلبها كفقد أو خيانة، بينما الحلم كرجل لا يعنى إلا بغاياته الخاصة ورغباته المؤقتة، وحين تمر عجلات الزمن بالقرب من جسده، يخلع سترته ويلقي بها جانبا ويتناول أخرى.
الذاكرة ثقيلة، وخفيف هو الحلم، موجعة هي الذاكرة باتساعها وجبروت سلطانها، بانطفاءاتها المتسارعة مع الوقت، ومفرح هو الحلم بيقظته وقفزاته وتغيراته، ولكن لكل منا أحلام كثيرة، ولنا ذاكرة واحدة فقط، كما تتغير الأحلام بين الفينة والأخرى تطول وتقصر، لكن الذاكرة تظل حارسة أرواحنا وماضينا وحاضرنا، حارسة التاريخ، تأخذنا للمستقبل بثقل، بينما يأخذنا الحلم بخفة متسارعة. وكلما مرّ الوقت، وكلما كبر الزمن داخلنا كبرت الذاكرة وصغر الحلم.
بعد كل ذلك الوجع والتذكّر المرير دخلت إلى البيت لأهرب مني ومن ذاكرتي الثقيلة، كان عمران يجلس في الصالة التي تغيرت كثيرا، جلست بالقرب منه، محاولا التودد له، أمسكت بيده، وكنت أتمنى لو أستطيع أن أظل ممسكا بها العمر كله. وحاولت أن أفتح حوارا بسيطا وأبويا معا :



تعليقات