فاطمة الشيدي
٢٥ ديسمبر ٢٠١٨
ماذا نريد من الكون ومن الحياة ومن الناس؟!!! ماذا نريد نحن أصحاب الرحلة المؤقتة مهما امتدت في الزمن، نحن المتورطون بالهشاشة والألم أبدا، نحن أبناء الحيرة والعذاب والنهاية الحتمية التي لا خيار لنا فيها كما لم يكن لنا خيار في البدايات وتشكّلنا عبرها لونا وجنسا وعائلة واسما وملامحا. ماذا نريد نحن الساعون الطامعون، الحزانى الفرحون، السفلة أصحاب الفضيلة، القتلة المقتولون، الأغبياء الأذكياء. ماذا نريد ونحن نضرب بأرجلنا في الأرض بعنف وتسلّط، ونحرك أيدينا في الهواء كمراوح لا تتوقف، نبتلع كل شيء في جوفنا كمحيط، ونلتذ بالانكباب على تحقيق أحلام واهية ولا ننتبه إلا والرحلة في مداها الأخير . وهناك ينتابنا الرعب ونحن نرى أنفسنا عراة من الوهم والسعي والأحلام نتأرجح بين ضعفين طفولتنا وشيخوختنا، كبداية ونهاية لم نستمتع كثيرا بالقوة بينهما. نتأمل شجرة العمر ليلة ميلاد كل عام، الزمن هو شجرتنا العظيمة التي علقنا عليها أرواحنا وأجسادنا، أحلامنا وأوهامنا، انكساراتنا وزهونا ومضت مخضرة زمنا ثم ما تلبث أن تذبل ثم تجف. ككل شيء وكل أوراق الحياة. الحياة النص الأكبر، والشجرة الأكبر؛ الشجرة الفارعة واللحظة الفارغة. فنعود لأنفسنا فندرك الحقيقة أننا أضعف مما نتصور، وأننا ما فتئنا نركض خلف شبح الحياة المقيت لنحظى بلحظة من "اللذة" و"السعادة" اللتين لا نعرف لأي منهما تعريفا واضحا. نأكل ونشبع ولكننا نجوع دائما، ونرتوى فنعطش مجددا، نتعب ونمرض ثم نقوم أقوى، ونستمر في رحلتنا من ضعف لقوة ومن قوة لضعف، ومن سخط لرضى لسخط، هكذا نراوح حالاتنا ذاتها، ونشعر بالمشاعر ذاتها، ونمضي في طريق اللاعودة، لندرك أخيرا أن كل تلك المناورات العنيفة هي محاولات لدرء الهشاشة والضعف الجميل في أعمارنا وأيامنا، الضعف والهشاشة اللذين هما أعمق وأصدق ما فينا، وهناك نهدأ وندرك أنهما حقيقة إنسانيتنا المثلى، وأننا نحتاج إلى ذلك الضعف وتلك الهشاشة لنتصل مع الله ومع أنفسنا ومع الكون ومع الآخر فنتخلى عن حذرنا، وعن الريبة والخوف ونذعن لنداءات الروح وللحب بكل أشكاله، ونعترف به ونتحد معه فهو قادر على أن يمنحنا السلام فيما تبقى وفي النهاية أيضا.
هكذا تداعت روحي في تحليقها بعد أن شاهدت فيلم "أرواحنا في الليل" المأخوذ عن رواية "كينت هاروف" حول الروح حين تحتاج للروح بعد أن يكبر الجسد وتخفت الرغبة. وعن الإنسان في مراحله الأضعف وحاجته الأقوى للحب. ثم محاولة التكفير عن خطايا الشباب التي تلاحق الإنسان مهما ظن أنه تخلص منها.
الفيلم إنساني جدا وهو من بطولة روبرت ريدفورد وجين فوندا في عمر الثمانين في ٢٠١٧، وذلك ما يضيف بعدا آخر على جمالية الفيلم.
