التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي


 25/9/2018




الإنسان ابن الطبيعة، وشقيق الكائنات بكل بساطتها وجمالها، ولذا يمكن أن يقترب منها ويتقارب معها، ويقيم معها علاقة رفيعة إن رغب في ذلك، وكلما رهفت روح الكائن وشفت كان قادرا على أن يتصل مع الوجود الآخر بكل تجلياته، فالكائن المتصل بروحه هو الأقوى والأقدر على الاتحاد مع الكون وكائناته، والتواصل مع الطبيعة والحياة، وهو الأجمل والأنبل فلن يخذله حدسه، ولن يخذل الجمال والحب في الكون، فهو جزء منه، وهو ابن الطبيعة وشقيق الكائنات، ولذا فما يفعله ينبع من تلك الروح المتحدة بالروح الكبرى للكون، روح الطبيعة التي تشع في داخله، وتقف معه في كل ما يواجهه من مصاعب، وتهبه يدها للارتقاء والذهاب نحو النجاة. الطبيعة الأم التي تسير وفق قوانين الرب وتبارك المخلصين الصادقين والأوفياء، تبارك الذين يمضون في هذه الحياة بقلوبهم ويتحدون معها بأرواحهم بلا كراهية ولا جبروت ولا ظلم ولا أنانية، وتسندهم في الشدائد والمحن، وتهيء لهم سبل الخلاص. فيتحد الكون بكله معهم، فيصبح متكأ لخذلانهمد ويدا تدفعهم ليحققون أحلامهم.
الذين يمضون بقلوبهم وأرواحهم في دروب الحياة الصعبة هم الأقوى وهو وحدهم القادرون على الخلاص والنجاة وتحقيق المعجزات الكونية لأنهم الأصدق والأكثر اتحادا مع روح الكون الطيبة وكائناتها الشقيقة.
يؤكد فيلم AlPha هذه الفلسفات الوجودية الكونية، عبر هذا هذا الحوار بين الأب والأم في رحلة ذهاب الولد الصغير الأولى للصيد..
_"أخشى أن لا يعود لأنه حين يقاتل لا يقاتل برمحه بل يقاتل بقلبه.
_هو أقوى مما تظنين بل أكثر حتى مما يظن هو عن نفسه
ويتحقق رأي الأب فالابن يمضي في مشوار مميت وقاتل في درب النجاة بعد أن يصاحب ذئبة ويعود بها لقبيلته
وينتهي الفيلم بعبارة شعرية/فلسفية "قد نتفاجأ من مشوارنا في الحياة وممن يرافقنا في ذلك المشوار، ولكننا لن نعرف حقيقة ذلك إلا في المشوار الأصعب".
فكم من البشر يربون أرواحهم لتصبح ناصعة وشفيفة وقادرة على الاتحاد مع روح الكون وقلب الطبيعة الأم ليمضوا بعدها في مشوار هم الوجودي الأصعب مصحوبين بالجمال والسلام الداخلي متعالقين مع الوجود والموجودات بمحبة.



10/9/2018
الحلم هو محرك الإنسان للنجاح وتحقيق الذات، فهو الذي يدفعه في الزمن داخليا وخارجيا ليصنع معجزاته الشخصية والتي ليس عليها أن تكون كبيرة وخاصة كما ليس عليها أن تكون بطولية أكثر مما يحتمل ويطيق.
الجمال في الحلم أن يكون خاصا وحميما لكل كائن. إنه كالسعادة تماما لكل منا سعادته وحلمه بلا تنميط ولا تعميم.
ولكن ماذا يحدث حين نسعى خلف حلم أكبر منا ونمضي له بكلنا بلا ممكنات وبلا إمكانيات؟! يصبح الأمر جنونا وانتحارا مسبقا سيما إذا كان هذا الحلم زائدا عن الحياة والحب، ولا يحتاجه الإنسان ليكون سعيدا، فهو سعيد أصلا وبدونه، وبالتالي فهو مكمل للسعادة وليس أساسا لها،  ومع هذا فالكثير يفعلون ذلك دون أن تتاح لهم فرصة لاحقة حتى للندم.
الكثير من البشر يلهثون وراء مالا يطيقون، وإن كان البعض يجبن عن ملاحقة حلم قد يكون معادلا شرطيا للحياة، فهناك من يلاحق السراب، ويمضي خلف الوهم بلا غاية سوى إرضاء ذاته الواهمة والتنعم في جنون العدم.
إن إدراك جمالية الحلم وأهميته وقدرتنا على تحقيقه وموازنة الحياة معه هو ما يجعل الحياة أجمل والسعادة أكمل.
ولكن للأسف بطل فيلم The Mercy لم يفعل ذلك بل ذهب في مغامرة مجنونة حول وهم عدمي تماما وبقارب شراعي غير جاهز تماما وبدون خبرة في الإبحار قرر أن يخوض مغامرة تحدي للإبحار حول العالم في ستة أشهر فقط، بالطبع لم يسعفه المركب ولا الحال ولذا كان الانتحار هو الحل بعد أن فقد قدرته على التركيز، فاقدا بذلك حياته وقبلها أسرته وعمله وقد كانت كافية ليحيا بسعادة لولا وهم التفوق الذي سيطر عليه كما يسيطر على الكثير من البشر فيذهبون في طريق لا رجعة منها ولا قدرة لهم على تحمل نتائج المضي فيها.
الفيلم يجعلك تخرج من القاعة حزينا خاصة وأنت تعرف أنه عن قصة حقيقية. كما يجعلك تدرك فكرة أن الطريق التي لا توفر لك خيارات العودة منها لا ينبغي لك المضي فيها.




2018/9/5 

تعاني الثقافة العربية اليوم من أزمة قراءة الشعر والفلسفة في مقابل مقروئية الرواية. ولو تأملنا الفكرة عن كثب نجد  القارئ المعاصر يخسر الكثير في عدوله عن قراءة الشعر والفلسفة والسيرة الذاتية التي هي جميعا رحلة داخلية روحية وفكرية  تهب القارئ الكثير من الجمال والحكمة، وتفتح أمامه آفاقا أرحب من المعرفة لأنها مخاضات روحية وتأملات فكرية حادة وجادة.
بينما الرواية رحلة خارجية في المجتمع وانعكاس للواقع الذي يعيشه بكل تفاصيله. فما الحاجة لتتبع حكاية منه! وربما عليه أن يدع ذلك لأبناء الزمن القادم ليعرفوا شيئا عن المكان والإنسان كتاريخ.
أو ربما من الأجدى حين يقرر قراءة الرواية  أن ينتخب لوعيه روايات بعيدة في الجغرافيا أو التاريخ ليعرف ويتعلم عبرها.
ومن الروايات التاريخية التي يقف لها القارئ إجلالا رواية "ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور" الرواية التاريخية المتسائلة والتي لاتقدم محاكمات بقدر ماتقدم قلقا وجوديا وأسئلة غير جاهزة. الرواية التي تحاكي الشعر في الروح والفلسفة، في الإرباك الرواية التي تأتي من مناطق زمنية وجغرافية  بعيدة جدا عن روايات النقل الاجتماعي والتباكي العاطفي فتحفزك على قراءتها برغبة وذهاب مطلق خلفها.
ثلاثية غرناطة تحفر الوعي وتربك القناعات والمسلمات وتضع بصمتها في الذاكرة للأبد عبر ثلاثة أجيال تشهد سقوط غرناطة والبيازين، وتحكّم "القشتاليين" في المكان وتمسيحه بفرض ديانتهم بكل عنف وقسوة وفي الإنسان في سلبه حريته العقدية والفكرية.
فمن أبي جعفر الذي ينسخ الكتب ويجلدها وزوجته وزوجة ابنه المتوفى أم حسن وسليمة تبدأ رحلة سقوط غرناطة وتفشي الظلم حتى يموت حسرة بعد حرق المصاحف والكتب وتهجير الناس وتحويلهم عن دينهم جبرا، ثم يأتي جيل حسن وزوجته مريمه و سليمة التي أغرمت بالكتب وتعلمت الطب ثم تزوجت سعدا الشاب الذي آواه أبو جعفر وجعله يعمل مع في دكانه، وتستمر حالة الموت والتهجير فينظم سعد للمقاتلين بينما تحرق سليمة لاتهامها بالسحر ويموت حسن في صمت، وتظل سليمة وحفيدها الأصغر علي وهو الجيل الثالث فتموت على يديه وهي مهجّرة من بيتها، فيهاجر علي للجبال بعد أن قتل جنديا وسرق حصانه وبعد رحلة من الخذلان والتشريد يقرر المحتل ترحيلهم للمغرب، ولكن علي في آخر لحظة يقرر العودة لغرناطة ليموت فيها هو أيضا وقد صار شيخا.
تقدم الرواية الكثير من الأسئلة حول الرب والدين والكثير من الحقائق التاريخية حول القهر والظلم للإنسان وتعري الكذب التاريخي للإنسان في كل زمان ومكان. ولذا ستخرج منها بأسئلة أكثر من الإجابات وهذه هي قيمة العمل الأدب الرصين.



5- 9 -2018
 يقول: آرنيستو ساباتو
"أعتقد أنني أنتمي إلى سلالةٍ تتلاشى
أؤمن بالمقاهي
أؤمن بالفن
أؤمن بكرامة الفرد، أؤمن بالحرية"
وأظنني مثله، أؤمن بقيم الجمال ويوجعني كل شيء؛ الحب والكذب والأرواح الباهتة، يوجعني السلام الذي تتوق له الروح ولكنه أبعد من قاماتنا وقياماتنا المؤقتة، ففي هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه شبه أموات إما أن تتملق أو تحيا متذمرا في حيواتك الخاصة. إما أن تكذب أو تهرب. إما أن تدخل منظومة البؤس أو تصبح غريبا! فلا مناطق وسطى ولاحقيقية صالحة للحياة لتمنحك حضورك الحي والحقيقي وتمنحك السلام الداخلي والتصالح الخارجي.
حتى العزلة لا نملك خياراتها كاملة، فالعزلة في هذه المجتمعات خيار باهظ الثمن فيها، والحصار أكبر من العزلة، فهو يمتد من أصابعك حتى مخيلتك، مما تأكل حتى ما تلبس، من أسرتك حتى عملك، والخيارات تضيييق كل يوم!
ومع هذا تظل المحاولات شرفنا الوحيد لهدفنا الكبير بمجتمعات عميقة تقبل التعددية، وتحترم الاختلاف، وتعلي شأن الفردانية، خارج حالة القطيع الجمعي. المحاولات التي تتمثل في القراءة والسفر ومشاهدة الأفلام وغيرها من الخيارات الوجودية المتاحة أحيانا، والتي قد تزيد أوجاعك غالبا خاصة عندما تستشعر تفاهة العالم وانحدار الإنسانية.
فلذا إذا كنت ممن يحب الكتب والسفر والقهوة السينما، عليك أن تخصص وقتا محددا لكل منها، لتحظى بكتاب/ فيلم كل أسبوع. ومع هذا سيحدث أن تصدم مثلي، فأفلام هذا الشهر للأسف كانت كالملح الذي أشعلت الجراح.
The Catcher Was a Spy ففيلم  كان يقول بفجاجة كيف يقتل الإنسان بالتجارب، بالمفاعلات النووية، وبالأسلحة، وبكل ما يمكن أن يسمى بالعلم دون أدنى اعتبار لروحه وكينونته،  كما يقتل بالسياسة بقرار أهوج لأحدهم بالحرب بأي لون وشكل.
هذه الفكرة التي تمثل رخص الإنسان،   وتعلي قيمة الكذب المتلوّن في كل الأشكال، والأحجام عبر التاريخ والعصور، لتستعاد عبر فيلم يمثل صفحة من تاريخ الحرب العالمية حيث دمار العالم وموت الإنسان، فتستحضر كل ذلك الموت المجاني وقبح  الإنسان وغطرسته للوصول للنصر بكل الطرق والممكنات المتاحة بما فيها قتل الإنسان.
يركز الفيلم على الصراع على صناعة القنبلة الذرية بين الألمان والأمريكان ومحاولة قتل العالم الألماني (اليهودي) الذي يمكن أن يسهم في صناعة تلك القنبلة وهو العالم          عبر جاسوس ذي قدرات عالية جدا. تخرج من الفيلم وأنت أشد يقينا بقذارة السياسة التي لا تستثني أحدا، فهي الشر الأكبر عبر التاريخ.
أما فيلم  2 Equalizer   فلن يقول لك فقط عن رخص الإنسان، وعن الشر المتأصل في الكون والبشر، بل سيأخذك لفكرة أشد رعبا، فلم يعد الأشرار هم أولئك الذين يقطر الدم من أنيابهم الطويلة والذين يسيرون بثياب غريبة وأظافر طويلة متخفين عن الناس. بل أصبحوا  يسيرون بيننا بملابس أنيقة وغالية وربطات عنق وأحذية لامعة وروائح عطور باذخة. وقد يكونون في مواقع تقدم خدمات للبشر وهدفها حمايتهم والدفاع عنهم، وربما كانوا أقرب لنا مما نتوقع أصدقاء أو زملاء ولأسباب يتحولون لأشرار بمبررات بليغة فلا أحد يعدم التبريرات.  ولكن ستخرج بفكرة موازية وهي أنه بالرغم أنه لايمكن أن يختفي الشر من العالم فالأشرار في كل مكان وبكل لون وبمبررات جيدة أحيانا فالخير موجود  والأخيار أيضا وعلينا أن نؤمن بذلك بل علينا أن نحاول موازنة كفة العالم بكل إمكانياتنا كي لا ينتصر الشر .ممثلي المفضل denzel washington كان يقول هذا وأكثر قليلا بلغة القوة التي يفهمها العالم فقط. وأحيانا يستعذبها المشاهد أيضا في فيلمه الجديد ضمن سلسلة الموازن كما يبدو .
أما فيلم   CRAZY RICH ASIANS فهو يرسخ القرف أيضا عبر العقدة القديمة الفتى الثري والمحبوبة الفقيرة حيث لا يكفي الحب ولا الجمال ولا المكانة العلمية المرموقة لتقنع الأم المتسلطة _والتي تكون أحيانا أكثر ذكورية وأكثر امتثالا لشروط المجتمع الذكوري من الذكور _  كزوجة لأبنها الوسيم والمدلل. ولكن الحب ينتصر في الأفلام والروايات بينما لا يحدث ذلك في الواقع. هذا ناهيك عن تجسيد الثراء الباذخ الذي يوازيه بالضرورة فقر مدقع في مكان ما.
أما فيلم REPRISAL   فقد كان الأكثر قرفا حيث البطولة الزائفة لرجل يعمل في بنك يعيش مع أسرته بسلام ولكن هجوما مسلحا على المصرف الذي يعمل فيه يكاد يودي بعمله فيقرر تعقب اللص الذي ينتقم من العالم (العين بالعين والسن بالسن) اللص شديد الذكاء الناقم على المجتمع والوطن الذي لم نعرف سبب نقمته وغضبه، والذي يقتل في نهاية الفيلم وينتصر الخير بسذاجة.
إن ما نعيشه اليوم من تهافت الجميع على الانتاج يقلل الجودة ويضعف الخيارات الجمالية ويوسع دائرة الرداءة في جميع مجالات الإبداع من الكتب حتى الأفلام. كما يجعلنا نسعى خلف القليل الجيد من كل شيء.