التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

في بلاد تشارلز ديكنز

فاطمة الشيدي




فاطمة الشيدي
 يوليو ٢٠١٨
رؤى ثقافية
في بلاد تشارلز ديكينز 

 في انجلترا نوزع خطواتنا في الدروب علها تزهر وردا أو شيئا من الذكريات.
البلاد الباردة التي لا ينتبه لك أهلها كثيرا وأنت تذرع شوارعها المرصوفة بأيد متشققة من فقراء العالم الثالث، الشوارع الواسعة والمطلة على مبان شاهقة وجمال أخاذ والتي تأخذك عبرها لساحات واسعة  تنفث روحك فيها اختناقات عالمك الضيق الذي يخشى الاتساع والتجمعات والساحات.  
(١) ليدز 5- 7
في ليدز أولى محطاتنا في انجلترا نوزع خطواتنا في الدروب علها تزهر وردا أو شيئا من الذكريات. البلاد الباردة التي لا ينتبه لك أهلها كثيرا وأنت تذرع شوارعها المرصوفة بأيد متشققة من فقراء العالم الثالث، الشوارع الواسعة والمطلة على مبان شاهقة وجمال أخّاذ والتي تأخذك عبرها لساحات واسعة  تنفث روحك فيها اختناقات عالمك الضيق الذي يخشى الاتساع والتجمعات والساحات.  ثم تمضي فيها نحو جامعة ليدز العريقة بمبانيها الضخمة والكثيرة، وتصل لحديقة "هايد بارك ليدز" لتجد البشر يعيشون على حقيقتهم يأكلون ويشربون ويلعبون وينامون ويحبون  ببساطة نفتقدها نحن أبناء المجتمعات المعقدة بفعل العيب والحرام والرياء الجارح، ثم تذهب معها نحو مول المدينة الكبير لتجد العالم كله هناك.  
البلاد المتنوعة في سحنات قاطنيها بقدر ما استعمرت وأذلت من البشر. البلاد التي يعيش إنسانها الجديد بلا ذاكرة بل يركض خلف قوت يومه عاريا إلا من الخوف من حبال الرأسمالية، في حين تبتسم لك عجوز تتحرك ببطء قاتل وهي تحمل أكياسها لليلة قد تموت فيها بلا يد تمسّد جسدها المتغضن قبل أن تصعد روحها للسماء.
كما يتبادل عشيقان قبلة نيئة على زاوية رصيف مكتظ ولا يلتفت لهما سوى رجل على كرسي متحرك وهو يتحسس رجولته الآفلة. بينما يتناثر المتشردون والمتسولون على نواصي الشوارع ونواصي الطرقات  يطلبون مساعدات بلا إلحاح أو أذى، أولئك الذين أكلت المدنيّة عقولهم وقلوبهم وأسلمتهم للوحدة والشراب ومغيبات العقل.  الحالة التي لم يخطر ببالك أن تجدها في بلاد الحريات والإنسانية، ولكنك تدرك أنها تجل من تجليات الإنسان في العلانية أو في الخفاء. 
الحرية هي ما تحسدهم عليه إضافة للجو الجميل الذي هربت إليه من الجحيم المستعر، الحرية التي تخلق التعددية والاختلاف في كل شيء تقريبا من اللباس حتى السحنات واللغات والأشكال والأحجام. الحرية التي تجعلك تتحرر من ربقة الآخر  (حكومة/مجتمع/دين) ولكن ضمن سلطة القانون وصرامته. الحرية التي تهبك إنسانيتك كاملة، وخياراتك الوجودية غير منقوصة. فقط أنت من تقرر كل ما يتعلق بك بوعيك وجسدك وروحك.
لا ترف في  الحياة في الغرب بل قد تكون قاسية أكثر مما نحتمل نحن أبناء الحكومات الراعية. ولا مثالية كما ندعي نحن سدنة الرب بل كثيرا ما تطحن الرأسمالية الإنسان تحت عجلاتها وتفرغه من مضمونه الروحي والإنساني، ولكنها الخيارات الإنسانية وفروض الحرية واعتيادات المكان المتشكّل وفق الديمقراطية والبرغماتية معا.
المرأة بحريتها الجسدية والروحية تستحق الغيرة، وحضور كبار السن الواهن في صلب الحياة يثير التقدير والاحترام. والنظام والوعي وتجليات الجمال العمراني والإنساني تجعلك تتأمل ..وتتأمل .. وتصمت.

(2) 9_7
نسافر لمدينة البحر (اسكاربره) بالقطار، وللقطارات في دمي حنين لا ينضب  -لا أعرف مصدره أنا ابنة الصحراء التي تمدنت بصمت وبلا أزيز محركات القطارات- ولذا فكل رحلة عبر القطارات هي استدعاء ضمنى لمزيج من المشاعر المختلطة داخلي بين الفرح والحزن والخوف والألم. 
نمضي في الرحلة حيث يذرع القطار السهوب والسهول والمخيلة، ويذرع اللوحات الخضراء بحقولها وأبقارها وشياهها وطواحين دون كيشوت، وتذرع معه الوجوه المتغضنة والنضرة غبار المسافة نحو وطن أو غياب، نحو بيت أو عمل. 
العجائز بشعورهن المصففة بعناية يحتضن المسافة، ويلقين تحت عجلات القطار ركام السنوات، والعشاق يغتنمون شهوة الوقت وحنين السفر لقبل تنبت تلقائيا كالعشب أو تنهمر كالمطر. والأطفال بإزعاجاتهم اللذيذة وضجيجهم العذب الذي يتطاير كالفراش في المكان المتحرك والزمن السائل. والكلاب أصدقاء الرحلة المجهولة، بينما الغرباء يدارون غربتهم في حقائبهم الكبيرة وهواتفهم الغالية. 
هكذا كانت الرحلة إلى سكاربرا، الذهاب إلى البحر إلى (مطرح)  بريطانيا كما وجدتها، ذات الجبال الشاهقة والحاضنة للمكان، النوارس التي تحوم حولنا تحرس أفراحنا وترقي المكان من عبورنا الطارئ والمؤقت. البحر العظيم الذي يرعى المكان بعنفوان الكبير ويحنو على ضيوفه بحناناته الوافرة، يوزع الازرقاق والبهاء والبرد في صيف المكان كما يفعل في شتاءاتنا القارصة. 
تسلمنا الرحلة للأرصفة التي تتقاسم ضفتيها اليابسة حيث المحلات التجارية والسياحية، والبحر حيث الشواطئ التي تعج بصخب الأطفال ولهفة الكبار المتجددة وكأنهم يستعيدون الزمن من مغالقه البعيدة، والتجمعات الأسرية التي تبعد قليلا فكرة تشظى العلاقات الأسرية في الغرب المادي وإن كانت تجليات الفردية أكثر وضوحا، والكلاب التي تشارك الإنسان حيثياته الحياتية بكل مفرداتها الصغيرة والكبيرة وتضاحك الحمامات والنوارس وكأنها نسيت غريزة الافتراس مع الزمن. 
الأكشاك (المحلات الصغيرة) المبعثرة على الشاطئ تقدم وجباتها السريعة والمشروبات الباردة والمثلجات لينعم الإنسان بلذائذ المكان وجمالياته الأخّاذه.
كل شيء في اسكاربره برعاية البحر والسماء لذا فهو أزرق ويهب الأرواح أجنحة فيصبح لزاما عليها أن تحلّق.

3. يورك 12-7
يأخذنا القطار هذه المرة للمدينة العتيقة يورك التي بناها غجر أوروبا ثم الرومان فأصبحت بمبانيها القديمة وشوارعها الضيقة قبلة للسياح الباحثين عن متعة القديم وتاريخية المكان.
سور المدينة وقلعتها شاهدا مكان على روح الإنسان وتجليات عبوره، بينما النهر يحرس المدينة ويغنّي لها أغنيات الماء والعشق، ويهدي العابرين قصائد الفرح الرطب.
الكنائس بأجراسها تصلي لرب الإنسان وتغمر روحه بالسكينة، بينما تفتح الحدائق الصغيرة بأشجارها السامقة وعشبها الطري قلبها للأطفال والقرّاء وعشاق الطبيعة وتأخذهم في أحضانها تماما كما تفعل الشوارع والمقاهي والمطاعم والحوانيت القديمة والمحلات الحديثة التي تلوح بمناديلها المعطرة وشالاتها المزركشة للعابرين لتغريهم بالدلوف لجمالها المجيد. فتمشي وتمشي وتخزن روائح المكان وسحنته في روحك .

(4)
في الريف الإنجليزي  16-7

Ilkley  المدينة/الريف التي تذهب بك الخطوات فيها لعناق اللون الأخضر، فما أن تترك العمران قليلا بعد جلسة على مقهى المحطة مع قهوتك الحنون، حتى تسلمك لأرصفة المكان العتيق حيث البشر يعبرون المكان في روتينهم اليومي ذهابا وإيابا وتسوقا وأكلا وشربا، والأمهات يجرجرن عربات الصغار بشغف، بينما يقتعد كبار السن الزوايا ويجلسون (إذ يتعبون)  على الكراسي المهيأة لذلك.
ثم يفتح لك الريف أحضانه، يصبح كل شيء في وداعة الاخضرار، الزهور التي تقدم شهادة إبداع الصانع المصمم القدير، بينما تقيم الأشجار حوارات دافئة وعميقة مع الغيوم، وتتراقص النوارس بين يدي ماء النهر الذي يحتضنها بأبوية كونية.
المكان (المنتزه)  الذي يأخذ بألباب البشر ويجدون عبر المماشي المهيأة فرصة للمشي والتريض والترويح عن النفس مع العائلة أو الأصدقاء.
تنفتح روحك على مصراعيها في الريف فيتسرب الفرح والجمال إلى أبعد نقطة منها، وتشعر بالسلام والمحبة للكون فتطلق من صدرك زفيرا يطرد كل عوادم الكون من روحك تتبعه بشهيق يسحب نفسا نقيا ممتلئا بالجمال تخزنه للمسافات والزمن والقحط.
وتظل تخزن كل شيء في روحك التي تتسع كأنها الكون، فتتشكل داخلك حدائق خضراء مثمرة عنبا وتفاحا، وتسيل داخلك أنهار عذبة بنوارس ويمامات وبجعات واوزّات بيضاء، وتنتشر فوق رأسك غيوم البهاء فتشرق روحك بالضحك حتى يبللك المطر، لتجد نفسك تركض مع قلبك الأزرق وبمضغة  روحك نحو المحطة مجددا وقد امتلأت تماما باللون الأخضر من شعرك حتى أظافر قدميك.
فتعود مساء لتجد أن روحك أصبحت خضراء،  وذاكرتك خضراء وكل مافيها أخضر ابتسامات النساء، لمعات عيون الأطفال، وتشعر أن ثمة ضحكات خضراء تتبعك وتمشي معك تحت المطر الذي لوّحت به المدينة، وتخرج من عين سائق القطار، ترى الأرصفة خضراء، والمناظر من نوافذ القطار خضراء، وقلبك أخضر أخضر أخضر.

(5) نوتنغهام 19/21_7
نوتنغهام مدينة الناس، مدينة الحياة، لاتشعر أنك ضيف عليها، فهي  تدعوك مباشرة للمشي على أرصفتها الحقيقية وشاطئها المصنوع للعناية بالإنسان التي يساوي صوتا انتخابيا وضريبة تسهم في الدخل، وبالتالي فهو قيمة يجب الاعتناء به.  ومهما كانت هذه النظرة النفعية ولكنها تعود بالنفع عليه.
شوارع المدينة التي تعج بالسيارات والبشر والترامات تدفعك للسرعة أكثر من التأمل، الجامعة التي تقع في قلب المدينة تسهم في خلق تنوع إنساني في السحنات والأشكال.
البهجة التي أشاعتها الساحة التي حولت لمنتزه يعج بالحركة والناس لوجود بعض الألعاب والنافورات تسربت للنفوس فأصبح السرور باديا على الوجوه.
مول المدينة أيضا يعج بالبشر والحديقة الكبيرة والكثير من الفنادق المتناثره على جسد المدينة العجوز ولكنها ماتزال في عنفوان حيويتها وقوتها لتحوّل تاريخها لحالة جذب أكثر.
السيّاح الذين يعبرون المدينة  بخفة يستمتعون بحيوية الحالة ولهفة الحياة. الحياة التي تتجدد هناك بينما تبقى آسنة في أماكن أخرى.

(6) لندن 23\26_7
لا تغريني العواصم كثيرا لتعاليها على روح الإنسان ولكثرة البشر فيها وتحولهم لآلات أو مد زاحف. وهذا كان حالي مع لندن الذي زاد نهارها الحار الطين بلة. رغم أنها فعليا مبهرة بفخامتها وعنفوان وضخامة جمالها التاريخي والحديث. 
كان سكننا في قلب المدينة على التيمز قريبا من جسر ويست منستر ومن ساعة بج بن وعين لندن وهي أشهر معالم لندن العريقة التي انهمر السياح كالمطر عليها مثيرا ولكنه أجمل الرحلة واختصرها كثيرا. فقررت أن أهرب بروحي للنهر الذي احتضنني بمائه الذي لم يغير جماله حجم الحشود المتكدسة على ضفتي قلبه. بينما عانقت الأماكن السياحية بسرعة من باب دفع العتب لنفسي التواقة للجديد.
ثم أخذتنا الجسور للسماء، والشوارع للناس الذين غابوا في وجوه السواح وهم يغيرون على كل شيء، وتلتهم أضواء كاميراتهم المكان بخوف من الزمن ورغبة في تحنيط اللحظة.
شارع اوكسفورد، وشارع ادجوير أو شاعر العرب كما يسميه العرب، وهو الشارع الذي يقدم أبشع صورة للعرب فعليا وهي الصخب والفوضى وحب الطعام والتهافت على الجنس عبر المطاعم ومقاهي الشيشة المنتشرة والمواخير التي تنادي الراغبين بينما يعبره أب عربي يمسك يد أطفاله، وأم تجر عربة طفلها الرضيع دون أن تسهم في تغيير الصورة الكلية للشارع.
عبرنا متجر هارودز بخفة وسرعة خوفا من أن تصيبنا عدوى الترف والبذخ الذي يصبغ الوجوه التي تتهافت عليه بين فرجة وشراء.
ثم توسدت خطواتنا الساحات وهدأت في اتساعها المحبب مثل  بيكاديللي،   وليستر سكوير، وتايمز سكوير ، وترفالاغر سكوير أو الطرف الأغر كما يسميه العرب أيضا، كما عبرنا نحو صديقنا ومضيفنا تشارلزديكنز وفي بيته الذي تحول لمتحف يحكي قصة عبوره لهذه الدنيا كنا نتعلم فن العبور الجارح وقيمة الكاتب في ضمير الأمم التي تقدر الثقافة وتعي قيمة الإنسان.
ثم انطلقنا للمحطة حيث ودعنا لندن ونححن لم نتعلق بها، ولم نشبع منها بسبب الصيف الحار وكثرة السيّاح الذين يهربون للمدينة العتيقة طلبا للجمال الفخم، والجمالية التي تتحد فيها العراقة والحداثة.

(7) بلاكبول 30_7
مدينة البحر والسياحة، وهي ثاني مدينة سياحية في انجلترا ولذا تجدها توفر للسائح كل الممكنات التي يذهب بحثا عنها في العالم رغبة في امتاع الجسد فقط، محلات الألعاب والمقاهي والحانات  فتشعر بروحك التي جاءت للبحر غريبة في كل ذلك الصخب والخارج البعيد.
ومع هذا يضحك لك البحر ويحضن حضورك باتجاهاته الزرقاء، وعذوبته المالحة، وتسر لك المدينة بأسرارها الكثيرة عن الغرباء الذين يعبرون قلبها وصمتها ويتروكون آثار عبورهم على أرصفتها ومقاهيها وحاناتها وزقاقها الحجرية، وربما سقطت منهم دمعة ذكرى أو فرحة خفية في مكان ما منها وشكلت غيمة تحرس جمالها القديم.
ودعنا بلاك بول بشواطئها المتجددة بحداثة فنية تليق بمكانتها السياحية وسواحها الكثر ليأخذنا القطار نحو لديز مدينة الهدوء والحدائق والمطر التي سكنت فيها أجسادنا وأرواحنا لنودعها هي الأخرى ونلملم أيامنا المتبقية قبل أن نسلم الخطا للإياب في رحلة طويلة عبر القطار للمطار وعبر المطار للديار.