التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي
10 -12- 2018  
رؤى ثقافية

يقول غاستون باشلار "لاشيء يتأتّى من ذاته، ولا شيء يُمنح هكذا، بل كل شيء يُبنى"
هكذا أفكر وأنا أعقد تلك المقارنات المجحفة بين الشرق والغرب، تلك المقارنات التي لاتخلو من وعي تام بما صنعه الغرب لدمار الشرق  وإبقائه في منطقة الجهل والفقر والتخلف الحضاري والإنساني حاصرا إياه في الميثلوجيا والأوهام.
ولكن هذا لا يجعلنا نمضي مع عقدة المؤامرة متناسين دور الإنسان (حكومات وشعوبا) في ذلك، فالإنسان الذي استسلم للجهل واندمغ فيه وعاشه وعايشه حتى أصبح منتميا له ومدافعا عنه وراسخا فيه كعادات بالية وتقاليد عمياء.
لقد احتجز الإنسان ذاته في الجهل كما انبرى يواجه كل من يحاول الخروج من ربقة الجهل بكل ما يستطيع من قوة السياسة والمجتمع والدين، فحرم التفكير وحارب المفكرين وغلت يد العلماء عن التجديد والبحث.
لذا فلا عجب أن تظل مجتمعاتنا باهتة أسيرة القديم ويظل الإنسان بعيدا عن كل قيم التجديد والتغيير والتطور إلا في بعض أشكاله المادية تحديدا.
ولا عجب أن تظل مشكلاتنا الإنسانية من عنصرية وظلم المرأة وتحجيم دورها، وقهر الأطفال وتنميط التعليم وحجب الحريات ماثلة بقوة ومتحكمة في الإنسان.
وحين قرأت في أحد شوارع ليدز عبارها كتبها أحدهم هذه العبارة (محبة الرب أوسع من كراهية الإنسان" تغلغلت العبارة في روحي أنا التي تؤمن بالرب الجميل القريب والكثير ، رب المحبة وليس رب الكراهية، رب الرحمة وليس رب العقاب. 
لذا مضيت أتساءل  هل هم صادقون أم نحن كاذبون، هل هم أجمل أم نحن أقبح هل بخلاء أم نحن مسرفون؟ 
وإلا لم كلما ذهبنا للغرب نشعر أننا مرتاحون في كل شيء، ملابسنا، عبورنا وحدتنا خصوصيتنا، أحلامنا بل وحتى إيماننا!  
لماذا نشعر أننا أكثر انسجاما مع ذواتنا، وأننا لسنا خائفين من تقييم عابر أو صفة طارئة يلصقها بنا أحد. 
نحن الكائنات الكونية التي قررت من زمن بعيد  أن تكون  واسعة ومتعددة بعيدة عن كل تحزب أو تخندق خارج الإنسانية، الذين صنعنا أنفسنا وبنيناها بهدوء الوعي، وجماليات الثقافة والتعددية والاتساع، وعمق الإنسان داخلنا. 
لماذا نجد الله في الداخل والخارج أكثر جمالا وقربا منا! 
الله بلا أوصياء، بلا حواجز بلا فتاوي جاهزة وقديمة لا تتغير. 
كما نجد الإنسان بكل تجلياته، المتعلم والبسيط المتسول والمتشرد والجاهل قريبا من حقيقته ومنا بلا تصنع ولا رياء، هذا ناهيك عن جمال المدن والحياة وسهولة التنقل.
لماذا تحزنا المقارنة بين مدننا التي بلا أرصفة، وكأنها تكره المشي، وتُكرِه الناس على تلك الكراهية لتحول بينهم وبين والناس وبينهم وبين المكان، وبينهم وبين آدميتهم.
 المشي الذي يجعلك تتحسس آدميتك وانتماءك للأرض. 
تتساءل أين الأرصفة في مدننا جديدة النشأة والتخطيط؟ لم لم تهتم حكوماتنا في دول الخليج الغنية بها، لم لم تهتم بالإنسان وحاجاته؟
وأين القطارات التي  يتعدهك السفر عبرها بحين مدوّخ للروح والقلب وتدفعك للتأمل وقراءة المكان.
لم لايوجد في بلداننا الخليجية قطارات، لم ونحن بلدان النفط التي أستفاد منه الغرب في نهضته الجديدة واغتنى اللصوص وسراق الشعوب من تلك الثروات الطائلة.
لم لم تفكر الحكومات في توطيد صلات الشعوب عبر شبكة مواصلات تسهّل السفر على مواطنيها في الدول الست، تتطور بعدها لتشمل الدول العربية كصناعة مواصلاتية مادية تأتي بالدخل وتشجع السياحة والتقارب الإنساني بين شعوب المنطقة؟
يكبر السؤال ولا إجابات منطقية وفقط علينا أن نهتم بأرواحنا وندللها في الداخل والخارج ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فليس التغيير خارج الكتابة سوى حلم كبير، لذا سأظل أحب الله الأجمل صانع الكون بتجلياته العظيمة التي تجعلك تتأمل كل دقائقه كل لحظة، وتقول "سبحان الله"، الله بلا أوصياء السياسة والدين  والمجتمع، كما سأظل أحب السفر والتيه عبر المدن شرقا وغربا، والمشي والأرصفة. وأحب القطارات بشكل حنيني ضمني جارح وعميق، وأحلم بيوم أسافر فيه بالقطار عبر مدننا العمانية، ودولنا العربية وبيدي كتاب وكوب قهوة كبير لأصل بفرح، وأصلّي لرب التغيير والتحولات الكبرى.