فاطمة الشيدي
26\ 8\2018
26\ 8\2018
نكتب للزمن، للذين سيعبرون نصوصنا بدهشة الغرباء، لأولئك الذين سيأتون بعدنا وربما عرفوا معنى أن تكتب الكارثة وأنت تحياها، وقد يتفهمون معنى أن تكتب عن الموت من داخله وعن الحياة من خارجها وعن الإنسان وأنت تحاول أن تستأنس حيونته.
أولئك الجدد المختلفون ربما تفهموا ملح الجراح البعيدة وكآبة الماضي الذي هو نحن. ربما استوعبوا أن يكتب جيل القلم والرصاص على شاشات زلقة أحلامهم النزقة ورغائبهم الميتة وأفكارهم الشوهاء. فتتبخر في أروقة الضوء كقصاصات من عدم.
ربما وقفوا قليلا عند حروفنا المريضة بالكآبات المقيمة والسلام الطارئ فاستعانوا على فهمنا بكتب التاريخ والمخطوطات العتيقة.
واستعاذوا بالحب من كراهيتنا، وبالخير من شرور الوقت الذي وجدنا فيه.
نكتب للزمن لأقلام ستنظر لنا من بعيد، وستتحسس وهجنا المنطفئ واشتعالاتنا الميتة بالقليل من الإكبار الذي يليق بالموتى.
نكتب للزمن. لزمن لن نعرف كيف سيكون، وكم ستتغير فيه الأبجديات والأصوات. فلربما نظروا إلينا كديناصورات منقرضة يحملون لها وفاء النهايات المتربصة والحنين القديم والخوف من الابتلاء.
نكتب لزمن آخر أخضر من أزمنتنا القاحلة زمن تمطر فيه السماء شعرا أخضر. زمن تكون فيه عيون القراء زرقاء وشاشات الهواتف زرقاء وأصابع الأطفال زرقاء. وحدها كتب الشعر خضراء إذ ينبت العشب على حوافها كقلوب الأمهات تماما. ولذا فسيكون ثمة قراء للشعر، ودور نشر وثمة أصدقاء لأحزان الشعراء.
نكتب لزمن آخر يكون فيه الإنسان تجاوز ترهات الخرافات وأحلام الموتى واعتنى بواقعه وبأحلامه هو.
نكتب لزمن يكون الجمال فيه معيارا واضحا لا يختلف عليه ولا يحتاج أصابع معقوفة تدلل القبح ليحاذي الجمال، ولا تنبح أصوات فيظن البعض أنها تغني، ولا يقبض الصغار على مفاصل الأبواب كي يمررون زيفا رخيصا فيصفق لهم من هم أصغر منهم فيصبح التصفيق موضة والتقدير عليلا.
نكتب لزمن الموت حيث جلال الغياب ولغة الصمت القاطعة وهذا معنى أن تكتب الكارثة.
فاطمة الشيدي
20 -8- 2018
رؤى ثقافية
الشعوبية كما يعرف الجميع هي حركة ثقافية/سياسية ظهرت على يد بعض الفرس الذين عاشوا في كنف الدولة الإسلامية كأبي نواس وبشار بن برد وغيرهم.
وقامت على التقليل من قيمة العرب وإعلاء قيمة الفرس علما وحضارة وثقافة وتأثيرا في الحضارة الإسلامية، وقد دفعت تلك العنصرية الشعوبية بعض علماء العرب وكتابهم للنيل من الفرس أيضا، وتصيّد مثالبهم مثلما فعل الجاحظ في كتابه البخلاء بالحط من شأن الفرس وإلصاق صفة البخل بهم.
وفي هذا العصر تظهر لنا شعوبية جديدة بين العرب الذين أصبحوا شعوبا عديدة، وبالتالي فهي شعوبية دويلاتية ومجزأة.
فمع كل حالة جمعية مسابقاتية تحديدا، ثقافية كجائزة البوكر أو غيرها من الجوائز، أو رياضية ككأس العالم أو غيرها تطفو على السطح حالة من الشعوبية العربية المقيتة؛ حيث يبدأ كل (شعب) في إظهار مناقب شعبه وبلده وتعدادها مستعينا بالتاريخ والزمن، وإظهار مثالب الشعوب العربية الأخرى لتصبح في أسفل سافلين.
وقامت على التقليل من قيمة العرب وإعلاء قيمة الفرس علما وحضارة وثقافة وتأثيرا في الحضارة الإسلامية، وقد دفعت تلك العنصرية الشعوبية بعض علماء العرب وكتابهم للنيل من الفرس أيضا، وتصيّد مثالبهم مثلما فعل الجاحظ في كتابه البخلاء بالحط من شأن الفرس وإلصاق صفة البخل بهم.
وفي هذا العصر تظهر لنا شعوبية جديدة بين العرب الذين أصبحوا شعوبا عديدة، وبالتالي فهي شعوبية دويلاتية ومجزأة.
فمع كل حالة جمعية مسابقاتية تحديدا، ثقافية كجائزة البوكر أو غيرها من الجوائز، أو رياضية ككأس العالم أو غيرها تطفو على السطح حالة من الشعوبية العربية المقيتة؛ حيث يبدأ كل (شعب) في إظهار مناقب شعبه وبلده وتعدادها مستعينا بالتاريخ والزمن، وإظهار مثالب الشعوب العربية الأخرى لتصبح في أسفل سافلين.
ولعل منطقة الخليج العربي تحظى بأكثر القدح كدول تقدّم على أنها طارئة، وليست من مركزيات الثقافة العربية الراسخة، بل وقد يمتد الغي بالبعض ليجعل منها سببا لكل الشرور في المنطقة؛ متذرعين بالنفط والتكوينات السياسية الجديدة، وما يتبعها من سياسات وساسة شكلت مصدر قلق أو قلاقل للمنطقة. متجاهلين المكان والزمان واللغة والتاريخ والإنسان التي كانت المنطقة ضمنه خارج النفط والسياسات الجديدة.
وهذه الشعوبية الجديدة أو الشوفينية العصرية تفضح الأمراض العربية الراكدة في قعر المجتمعات التي لم تختبر ثقافتها ضمن التعددية وضمن الحضارة الإنسانية المتجددة والمتغيرة. وتتجاهل الإنسان تماما، فالإنسان العادي والرياضي والمثقف لا شأن له بالسياسة فهو يجاهد (كجميع أبناء المنطقة) من أجل لقمة العيش، ومن أجل بناء الذات والوطن، مدركا تماما أن السياسات مؤقته وزائلة وأن البقاء للإنسان والأرض.
إن حالة التردي الحضاري التي تعيشها المنطقة وتنطلق من جهل وفقر؛ أثرت على الإنسان بحيث أصبح مصابا بلوثة النقد غير الموضوعي، منطلقا مما يعانيه من نقص لتقبيح العالم، ويعمم أحكامه بلا وعي ولا مسئولية ثقافية وفكرية.
إن الإنسان العربي الذي أصبح محللا لكل شيء، ولكل حال ، ومفتيا في كل مسألة يحتاج إعادة برمجة لوعية الإنساني والثقافي في اتجاه احترام الآخر، وتقدير الإنسان، والتقليل من حجم الثرثرة غير الموضوعية في كل اتجاه.
ولكن وللأسف لا يوجد من يقوم بهذا الدور. فالإعلام العربي أكبر مصدر للسخافات والهرطقات ولكل من يمارسها بصفات مختلفة وألقاب عديدة.
بل وقد تشجع بعض المؤسسات الثقافية هذه الترهات وربما وهبتها بعدا علميا.
إننا بحاجة فعليا لذوي الوعي والعقول الراجحة ليتصدروا المشهد الثقافي ومقاربة مشكلاتنا المعاصرة وتثقيف المجتمع وتقليل حجم الأفواه المفتوحة للكلام بلا وعي ولا مسئولية.
فاطمة الشيدي
15- 8- 2018
رؤى ثقافية
يقول كافكا "الحياة حرب، حرب مع نفسك، وحرب مع ظروفك، وحرب مع الحمقى الذين خلقوا هذه الظروف".
إن هذه المقولة تصلح كمدخل لفكرة الفردانية في مقابل الحالة الجمعية التي نعيشها، ونتحمل تبعاتها المفروضة علينا في مجتمعات القبلية القطيعية التي وجدنا أنفسنا فيها بالولادة والوراثة.
ولذا علينا أن نخوض هذه الحرب وبشكل مفرد متسلحين بقناعاتنا وأفكارنا ووعينا المتشكل عبر التأمل والقراءة والتفكير والتمحيص والمماحكة الدائمة.
إن المجتمعات العربية التي تقوم على فكرة التشكلات الجمعية وتلغي ذاتية الفرد وفردانيته تضعك في مأزق وجودي مع ما تعانيه من اضطرابات سياسية وثقافية واجتماعية نابعة من الجهل والفقر الذي تربيه الحكومات العربية تربية جادة، مجتهدة ليظل الإنسان فقيرا وجاهلا، ويعيش أسيرا للفقر فلا يجد ما يصرفه على وعيه كالسفر والكتب، وللجهل مهما بلغ من التعليم الجامد والأحادي والمباشر، وبالتالي يلجأ الفرد للأمان الاجتماعي عبر التشكلات الجمعية والدين المؤسسي.
فيظل الكائن ملغي الذات أمام الجمع الذي يدفعه مع أمواجه المتلاطمة بلا وعي ولا تفكير نحو ثوابته الباليه وعاداته المتوارثة.
إن المجتمع المتشكّل بنمطية ماضوية متحدة برواسخ أيدلوجية وميثلوجية يفرض عليك أن تحيا العام والخارجي في نمطية قاتلة، فعليك أن لا تشذ عن النمط الجمعي في شكلك الخارجي، وفي حياتك ومعيشتك وأفكارك، بل وقد يصل الأمر حتى لأحلامك.
وعليك أن تلبس وتأكل وتعيش كما يعيشون، وتحلم كما يحلمون بنمطية مملة تبدأ بالشهادة وتنتهي بالزواج بتبعياته من أطفال وحياة اجتماعية والبيت والسيارة بل وفي نفس الوقت المتعارف عليه من قبل الجميع كي لا تستطيع أن تدخر أحلاما خاصة بك، ولا تقدم ولا تأخر في تحقيقها.
إن الفردانية في التفكير واختيار نمط الحياة التي تناسبك والخروج القاطع والقطعي على النمط القطيعي في الحياة هو الحل في مجتمعاتنا التي تراوح مكانها للأسف متذ آلاف السنين وربما تتراجع إنسانيا وثقافيا.
حيث الحكومات تربي الفرد ليكون كما تريد، فينشأ جمعيا عاما يسير مع التيار ويلتذ بالحالة الكائنة وينغمس فيها غير راغب في تغييرها لأنه لا يدرك غيرها ويخاف من سواها بل وقد ينتمي إليها ويفخر بها ويتحد معها.
ولذا يولد المتشددون، والجهلة والمطبلون كل يوم، في حين ينحسر المثقفون للداخل حيث الذات أوللخارج لأمكنة أخرى لأنهم غير منتمين للحالة وغير قادرين على تغييرها بقلتهم وافكارهم التي لا يتقبلها المجتمع ولا يكترث لها لأنها تهدد أمانه وتزعزع كيانه الثابت في عنفوان القديم ولذة السائد.
وهنا تصبح الفردانية هي الحلم بتكون قاعدة من المنفردين المتفردين الذين يتكاثرون في شرانقهم فيحاصرون القبح الجمعي، ويصنعون مجتمعات فردانية التشكل والحضور والوعي عبر الإيمان بالجمال والفنون والحرية الشخصية بعيدا عن العبور الجمعي، والقطيعية الاجتماعية.
فاطمة الشيدي
10 /8/٢٠١٨
10 /8/٢٠١٨
رؤى ثقافية
منذ فترة أدركت أن النصوص الجيدة لا مكان لها في مواقع التواصل الاجتماعي، فهي (أي مواقع التواصل) وسائل تعارف وإعلان وتزجية وقت لا أكثر، أو وسائل تدوين لفكرة عابرة في أحسن الأحوال، فالكل يكتب ويدّون، والكل مشغول بذاته أو بأصدقائه ولا مجال للتدقيق في نص حقيقي .
لست هنا لنقد الفكرة فقط، بل أيضا التفنيد المنطقي لهاد فغالبا الجميع يدخل هذه المواقع عبر الهاتف فلا الوقت ولا الجهاز يساعدان على قراءة مادة دسمة؛ ولذا فنحن نخاطب قارئا يمر على سيل من النصوص والأخبار على عجل، وقد يصادفه نص جيد فيقرأه وربما أرجأ القراءة حتى العودة للنص، ثم وجده غير حاضر وقد أخذه المد بعيدا . كما أن مستخدمي وسائل التواصل (الأصدقاء) ليسوا جميعا من الكتاب بل من جميع شرائح المجتمع الثقافي والفني في أحسن الأحوال. وهنا فنحن نخاطب قارئا متعدد الاهتمامات.
ولكن ليس الأمر شرا كله فالإعلان والتعريف بالمنتج الثقافي والمبدع البعيد في كل المجالات والفنون وبث خبر ساخن أو فكرة عاجلة أو نشر رابط لمقال أو نص مما يحمد لوسائل التواصل للتعريف بالكثير مما نجهل ولنشر الوعي. أما الجانب السيء فهو كثير ولا يمكننا التحكم فيه إلا قليلا عبر تحديد نوعية المتلقي في الصفحة.
إن تداخل مستوى الكتابة في مواقع التواصل بين العابر والهش وذلك الذي يروم العمق والقيمة. يطرح النصوص في مكان واحد ويقدمها ضمن مستوى واحد وهذا خطأ كبير، ورغم ضرورة عدم تعالي الكاتب على القارئ أو المتلقي إلا أن الكاتب النوعي لا يجد متلقيا عميقا في هذه المواقع، فالمتلقي يعبر ويعبّر بمحبة عن محبة عابرة وصداقة خارج الزمان والمكان.
إن عزوف المتلقي عن النص الذي يروم القيمة الجمالية في تمثلاتها الواعية وحضورها النوعي، أو عبوره الزائف له.
لا يرجع للمتلقي فقط بل لطبيعة المكان وسرعة القراءة، فالمتلقي صنو العملية الإبداعية لا يجد مكانه أيضا في تلك المواقع المزدحمة بالنصوص كل لحظة والتي تجلده لغويا بلا هوادة. إن المتلقي الحقيقي هو ذلك الذي يقف على بعد مواز أو مماثل للنص، ويدرك المسافة التي عليه أن يقطعها للإحاطة بالمعنى. أما القارئ في مواقع التواصل فهو القارئ العابر أو الملوّح للنص من بعيد، ولذا فهو خارج عملية التلقي ولا يمكنه مناظرة النص والوقوف في مستوى الكاتب ليشكل قيمة مضافة للنص.
ومهما اجتهدت في اختيار أصدقاء صفحتك في محولة لتكوين مجتمع ثقافي تماما، باختيار أصدقاء من ذوي الوعي والفن والثقافة فقط. إلا أنك تدهش كيف ييتم التفاعل مع صورة أكثر بكثير من أي نص مهما كان عميقا وثريا.
نعم الجميع قد يقرأ بعض النصوص الجميلة حين يكون الوقت مناسبا للقراءةد وأحيانا يقرر العودة للنص وقد يفعل أو لا يفعل لا نشغالات ما أو نسيانه.
كما أن الجميع يتوق أحيانا لنشر نص ما أيضا رغبة في المشاركة التفاعلية التي تتميز بها هذه المواقع إلا أنه يدرك مع الوقت ندرة القرّاء. وقد يضع صورة تحت النص ليصل لأكبر عدد من الجمهور واللايكات.
5 -8 - 2018
المثقف الحر يؤمن إيمانا راسخا بحق الجميع في الحياة وفي حرية الرأي مهما كان هذا الرأي.
كما يجرِّم كل من يصادر أحد هذين الحقين بأي طريقة وفي كل زمان ومكان.
فالحياة والحرية حق لكل إنسان مهما اختلفنا معه أو مع فكره.
أما إذا دفع المرء حياته ثمنا لحريته أو لرأيه فإنه يتحول إلى رمز خالد يستحق التقديس مهما كان فكره.
في حين يتحول كل صاحب سلطة لدكتاتور وطاغية بمجرد أن يسلب حق إنسان في الحياة أو في الحرية.
لا فرق في ذلك بين أحد.
وكل من يدين صاحب رأي أو يبرر سجنه أو قتله فإنه يستحق ذات المصير يوما ما، كما يستحق وقوف فئة ما مع سلبه حقه في الحرية أو في الحياة.
فالأفكار الكبرى والثوابت الراسخة لا تتجزأ.
5 -8 - 2018
المثقف الحر يؤمن إيمانا راسخا بحق الجميع في الحياة وفي حرية الرأي مهما كان هذا الرأي.
كما يجرِّم كل من يصادر أحد هذين الحقين بأي طريقة وفي كل زمان ومكان.
فالحياة والحرية حق لكل إنسان مهما اختلفنا معه أو مع فكره.
أما إذا دفع المرء حياته ثمنا لحريته أو لرأيه فإنه يتحول إلى رمز خالد يستحق التقديس مهما كان فكره.
في حين يتحول كل صاحب سلطة لدكتاتور وطاغية بمجرد أن يسلب حق إنسان في الحياة أو في الحرية.
لا فرق في ذلك بين أحد.
وكل من يدين صاحب رأي أو يبرر سجنه أو قتله فإنه يستحق ذات المصير يوما ما، كما يستحق وقوف فئة ما مع سلبه حقه في الحرية أو في الحياة.
فالأفكار الكبرى والثوابت الراسخة لا تتجزأ.

