التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

صحار وزمن خارج الزمن

فاطمة الشيدي
3 يوليو 2010
جريدة عمان - شرفات


كانت الدعوة الكريمة من وزارة التراث والثقافة لتحكيم نصوص الملتقى السادس عشر-بعد اعتذرت عن الملتقى السابق لأسباب واعتبارات زمانية ومكانية- فرصة سانحة للدخول في غمار العمل الثقافي الجمعي، الذي عادة أتهرب منه لاعتبارات شخصية، لكنها صحار البحر، والقرب والمصير، لذا كانت الفكرة الأكثر مقبولية داخلي أنني لو شعرت بأي ضيق فالبيت قريب، لأهرب إليه، ولن أكون مضطرة لاحتمال ما لا تقوى الروح على احتماله.
سهل أن تقرأ نصوصا وترتبها، وتختار الأفضل من وجهة نظرك وذائقتك، نعم إنه عمل جميل ومحبب لنفس الكاتب؛ لو كان الأمر يخصه وحده، وقد لا يخلو من نرجسية عند البعض ليعتبر نفسه الأكثر فهما ووعيا وتذوقا، وأنه بحكم شعريته ودراسته و و و هو الأكثر معرفة ببواطن النص، وأسرار المعنى إذا وضع على محك التجربة للحكم والتحكيم في نصوص الآخرين، ولكن الأمر من الصعوبة بمكان إذا وضعت نفسك موضع الناص، أو كان من وضع في موضع الحكم والمفاضلة ذا روح منفتحة على الكثير والجديد، ويعتقد أن لكل نص جمالية، ولكل كاتب بصمة، ولكل روح شرفة تحسن أن تطل من خلالها.
النسخة الورقية بصمتها، وانقيادها التام لروحك وذائقتك؛ تهبك هذا المتسع للحكم والتقييم، ولكن مع اشتراك أكثر من شخص في التحكيم تكون قد وُضعتَ أمام محك أصعب، وهو الوقوف في منطقة مناسبة بين ذائقتين، وتجربتين لست أفضلهما على كل حال، ويصبح فعل الاختيار مشترك، لأنك تصبح في حالة تسوية مع ذائقتك من جهة، ومع ذائقة الآخر من جهة أخرى، ولأن رضاء الناس مهما قدمت من مبررات حقيقية وصادقة غاية لا تدرك.
على الورق أنت تحاكم كلمات، وتتعامل مع حالة رصف للغة، وتفتش عن طرق البناء والتخييل والعاطفة بحيادية خاصة، وبآليات فنية فقط، فأنت قد لا ترى حتى أسماء أصحاب هذه النصوص لتنظر إليك بعنف وأن تقصيها، أو بحب وأنت تدنيها من روحك وذائقتك، وإن وجدتها فهي مبهمة، ولا تعني لك شيئا، وربما تتذكر حينها فيروز وهو تقول (الأسامي كلام ..شو خص الكلام؟ .. عينيا هيه أسامينا).
إلا أن الأمر لا يخلو من صعوبة تكون أحيانا لدرجة موجعة؛ لأنك تعرف أن الكثيرين ينتظرون منك هذه النتيجة التي تكون أشبه بوسام شعرية، أو إجازة أكاديمية للظهور والعبور كشاعر – طبعا من وجهة نظر آخرين لست من بينهم، لأنني أعتقد جازمة أن الجائزة لا تخلق شاعرا، وأن الشاعر لا ينتظر جائزة- ولكنها مع هذا حالة فرح حقيقية، يتذكرها الإنسان حتى آخر لحظة في عمره، وتكون هذه اللحظة حبيسة قلمك أنت، وقفصك الصدري لتطلقها كعصفور عذب في روح البعض، وتمنع منها البعض الآخر .. ما أتعس الفكرة!
لكن مع كل ما للحكم على نص ورقي، أو ليس له من أهمية، فإن الأمر لا يعني أكثر من نص، تماما كما تقرأ نصا في كتاب، أو جريدة وتحكم على مستواه بكونه جيدا، أو متوسط أو ضعيف، دون أخذ تبعيات الجائزة في الاعتبار، خاصة كمحكم لا يعرف حتى قيمة هذه الجائزة حتى آخر لحظة، فوظيفته تنحصر في تحديد الأجمل والأفضل من وجهة نظره التي تثق بها الجهة المنظمة فقط.
ولكن أن تجد نفسك فجأة أمام نصوص من لحم ودم، نصوص تمشي على الأرض بقديمين وبروح وعقل ووعي، نصوص تشبهك وتعرفك وتتكلم معك، تجلس في القاعة التي تجلس أنت فيها، وتأكل في المطعم التي تأكل أنت به، وعليك أنت أن تفاضل بينها، خمسة عشر نصا حيا، حقيقيا، قريبا، محبا، ودودا، شاعرا، طيبا، حنونا.. ياللوجع!
فجأة قفزت "فاطمة" على موائد الروح، وبدأت تضيّق عينيها كما تعودت أن تفعل عندما تحاكمني، تساءلت داخلي، من هذه؟ أنا أعرفها، إنها تشبهني، ولكنها ليست أنا! إنها أكثر قوة وشراسة وغرورا، وأكثر حياء وارتباكا وخوفا، أكثر في كل كثير، وأقل في كل قليل، كانت لا تزال تقرفص عند مدخل روحي مضيّقة عينيها، وزامة شفتيها، وتأمرني بالتذكر، وتجلدني بضرورة التركيز، عليّ إذن أن أتذكر هذه الفتاة، هكذا فهمت، بدأت ذاكرتي توجعني، وبدأت أتألم وأشعر بصداع يمكن أن يصل لدرجة الغثيان، كما يحدث عندما لا أستطيع أن أتذكر شيئا مهما، نعم إنها هي/أنا، تلك الفتاة التي شاركت في هذا الملتقى في نفس المكان، في عام 1997، تلك التي كانت قبل ثلاثة عشر عاما مغرورة بكلماتها، واثقة في مداها الشعري، مؤمنة بذاتها وشعريتها، رغم أنها كانت مرتبكة بخطاها على هذا الوجود المصيري وهو الكتابة وتحديدا الشعر.
ماذا تريد مني هذه النسخة القديمة التي تجاوزت قليلا ثقتها المبالغ فيها، وغرورها المتصاعد بحرقة، كما تجاوزت صمتها الأرعن وارتباكاتها الحميمة، ماذا تريد مني الآن؟
ابتسمتْ حين تذكرتها، ورحلت مباشرة، فبدأت أستعيد بعض خيوط ذاكرتي - التي بدأت تتشبث في القمر، وتذهب في نزهات خرافية في مراعي وهضاب لا قبل لي بها- تذكرت أنها شاركت في هذا الملتقي في صحار في عام 1997، وحصلت على المركز الثاني عن قصيدتها "قلب في الصارية"- تلك التي أعياني تذكرها حين سألتني: هدى الجهوري عنها، حتى عدت للديوان الأول، والخطوة الأولى التي نشر في ذات العام- كنت أتساءل ماذا جاء بها؟ ولماذا الآن في ذات المكان والحدث لولا تلك السنوات الكثيرة؟
فهمت أنها تريد أن تقدم لي رسالة، تذكري كيف كنت؟ نعم تذكرت! ذات الارتباك في العبور، ذات الأمل في الفوز والنتيجة، ذات العنفوان والاعتداد الذي ألمحه في هؤلاء الشباب، "من هؤلاء ليقيموا نصوصنا؟" هكذا يتساءلون بقوة تبررها المرحلة العمرية والاندفاع الشعري والشعوري.
بدأ الملتقى وكنت -كالعادة السيئة- اذهب للبعيد والقصي من الأشياء، والكائنات وأضمر فكرة الهروب للبيت كل ليلة، حضرت بلا أغراض إلا من ورقة وقلم لن تسمح لي بالسكنى بينهم، إلا أن الطريق الذي بات يرعبني بعد أن اختطف الكثير من الأحباب؛ جعل فكرة المكوث هي الأعقل (العقل الذي قليلا ما نرضخ له)، سيما أن الدرب ليس قصيرا بين مجان، والسور.
*السبت: كان بداية الفعاليات، النصوص تصفعنا بجمالها تارة، أو ببداياتها المرتبكة تارة أخرى، تجعلنا نذهب في الغيبوبة الجمالية، أو نفيق لنقول كان يحتاج للقليل من التصليح هنا وهنا، إنسانيا أيضا كان الوضع مرتبكا قليلا، سلامات جافة، وتعارفات سطحية، وكأن الأمر كان أشبه بحالة جس لدرجة عمق وحرارة ماء الكون الجديد، للولوج داخله أو الوقوف عن سطحه.
*الأحد: انتهت "المسابقة" وتخلّص الجميع، المشاركون ولجان التحكيم، من عبأ الهالة التي تفرض نفسها على الوضع، بدأت الصورة تتضح نحن في مجتمع ثقافي خالص، فرصة رائعة وسانحة، وقليلا ما تتكرر في عمر الإنسان ليجد نفسه أمام هذا الجمع من المشتغلين على هذا الهم الجمعي المعرفي.
بدأت الفعاليات الأهم تنساب بدفء وحميمية، أمسيات كثيرة ومتنوعة في الشعر الفصيح والنبطي، والقصة، والنقد، أمسيات قرئت فيها أجمل النصوص بلا تشنج ولا ارتباك، نصوص وقفت متآخية بين المشاركين، وشعراء متحققين وخارج عمر المشاركة في الملتقى (أوراق نقدية للشاعرين عبدالله المعمري، وخميس قلم)، وحوارات هامشية، كلام في الشعر والنقد والفلسفة والإلهيات، والفكر النسوي، حوارات طيبة وحميمة، حوارات على الطعام وفي البهو الفندق، وفي القاعة الرئيسة، حوارات تجعلك تدلف لروح الآخر ، تتعرفه ويتعرفك، حوارات تقدم لك الفائدة أكثر من أي فعالية أخرى، وتهبك أصدقاء وفرح وأجنحة.
*الإثنين: التي أحب، كسرت كل التوقعات من الدهشة، ورقة نقدية للشاعر سماء عيسى، وأمسية شعرية لشعراء الباطنة، وكنت منهم بحكم المكان والزمان. وأمسية شعرية ونقدية رائعة للشاعر عدنان الصائغ الذي كان بصحبة الشاعر عبد الرزاق الربيعي، والذي امتدت خارج رسمية المنصة حتى أكلت الكثير من الليل، ولازالت الأسئلة حية تتدفق، والشعر عذبا ينساب.
*الثلاثاء: كانت لقراءة الإضاءات التي وجهتها لجنة التحكيم حول النصوص المشاركة، ثم انتقل الحضور لمشاهدة مسرحية "دهليز الهلاك" في الكلية التطبيقية، كانت المسرحية -رغم رسالتها المباشرة عن الحوادث، ورغم بعض الارتباك في النص- تقول لنا المسرح في عمان بخير، أداء مميز لدرجة أنه حرك الخوف داخلنا، شباب واعد يمتلك الأدوات ويحتاج الدعم والدربة.
الأربعاء: وجاء يوم الختام بمقدمة جميلة لهدى الجهوري، ليُعلَن بعدها أسماء الفائزين، كانت القلوب تدق على وقع صوت الإعلامي المميز بدر الشيباني الذي تفنن بأسلوبه الخاص في تقديم هذا الملتقى، كما امتد في مشاغبة القلق في أرواحهم حتى التوتر.
أعلنت النتائج، وظهرت المراكز التي أتاحت فيما بعد حالة من النميمة، وعدم الرضا على لجان التحكيم، ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
في تلك اللحظة تشعر أنك خارج الدائرة تماما، لقد أزحت عن كاهلك عناء الرسمنة وحمل العمل، أنت الآن خفيف مثلهم تماما، أنت أنت فقط، يحق للجميع انتقادك، يحق للجميع إبداء الاعتراض على ما فعلت، نعم يحق لهم! لأن الزوايا الضوئية لا تتوحد في عين الكائنات.
حزمت أمتعتي الروحية، والحقائبية، ودخلت المطعم ليكون الغداء الأخير، قبل أن أقذف بجسدي في صديقتي الحنونة لأتوحد مع جسدها الأبيض وعجلاتها السوداء، لأذرع بها الشارع الطويل بين "كراون بلازا" و"السور" - مع انعراجة طفلية بسيطة بينهما تشفع للروح وللغياب- وبدأت كعادتي معها في الثرثرة، لأخبرها عن الفرح الكثير الذي حصلت عليه، عن الأسماء التي أورقت في قلبي، وترصعت ظلالها في روحي، كالشاعر هلال العامري، الذي يشع شعرية وبهاء، والأستاذ الدكتور محمد الهادي الطرابلسي وجمالية الحكمة والصمت في كلامه، ود.محمد الشحات الذي كان يقترب من المشاركين بود معلم بحكم كونه أكاديميا، وعن شاي عبدالله المعمري، وضحكة سهى الرقيشي، وصمت حمد الغيثي، عن روح الدعابة لدى محمد بن سيف الرحبي، وعن شغب هلال البادي، وعاصم الشيدي، وسليمان المعمري، عن روحانية جابر الرواحي التي تشع من وجهه وأنت تجده يحمل "كاميرته" أينما توجهت ليباغتك بصورة لم تتحسب لها، عن قلب الأم الذي تحمله رحاب هندي مع قفشاتها الصحفية وهي تجوب مع طفلتها رؤى زوايا المكان، عن الشعر الذي يتأبطه عقيل اللواتي، وعن الروح الشعرية الطفلة التي تعكسها روح محمد القاسمي، وعن القراءة الخاصة والعميقة التي يتطلبها هلال السعيدي، ونوف السعيدي (وهما ليسا أخوين) لتقرأ العمق الذي لا تهبه لك الوجوه الملفّعة بالود فقط، وعن صوفية جمال الملأ، عن هدوء وصمت فيصل الفارسي، عن شميسة النعماني، وفاطمة الكعبي، وخليل الجابري وعلي الأنصاري، وجوهرة الشرياني، ومنتظر الموسوي، وسليمان الجهوري، وطفول ولينا و…و….و….و…وغيرهم من الأرواح النضرة بالمحبة التي دمغت أسماءها كوشم مؤبد في ذاكرتك، وعن الجنود المجهولين الذين نظموا كل هذا الجمال بمحبة، كنت أقفل عائدة محملة بكل ذلك الفرح الحميم، لأزرع على الشارع بذور ابتسامات ومحبة، أدرك أنها ستنمو وسيقرؤها جميع العابرين، كتلك التي نمت في قلبي للأبد. فكان الملتقى الأدبي بين 97 و2010 بضعة أعوام من الشغف لم تذبل!