التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي
20-6-2018 

 ماذا يعني أن تحب؟
يعني أن تتخلى عن أجزاء منك لمن تحب، أجزاء من روحك وراحتك وزمنك وجسدك. 
أن تحمله في قلبك وعقلك وجسدك أينما ذهبت، أن تشعر باليتم والفقد في غيابه البسيط، أن تدور حوله كما تدور الكواكب حول الشمس.  
أن تشعر بالفرح كلما لمحته من بعيد أو قريب، كلما لمست يده صدفة أو بقصد، أن تغيب عنه بنية العودة إليه فقط، ولكنك تتفاجأ أنه داخلك بين ضلوعك وأنك الغائب فيه أبدا. يعني أن تحلم أن يتضاعف وقتك لتكون معه، وتشتاق لكل التفاصيل بين يديه. 
يعني أن تتشكل كل يوم جديدا به ومعه وله. 
أن تضع رأسك آخر الليل على الوسادة وأنت _مهما كان التعب_ تشعر بالرضى والأمان والسكينة، والسلام يتغلغل في عمق روحك وقد تستحضر لحظة ضحك قصوى له لترتق بها الأرق، أو تكايد بها النعاس. يعني أن تحب شكل يديه ونظرته وقامته ولون عينيه وصوته وضحكته وحزنه وتردده وطريقته في المشي والأكل والكلام والصمت. 
أن تحبه ماشيا وواقفا، قادما وذاهبا، قريبا وبعيدا، نائما ومستيقظا، ذاهلا وحاضرا. 
يعني أن تعرفه كما لا يعرفه غيرك، ولا تعرف سواه.  أن تحتفظ برائحته في رئتيك تتنفسها حين يقل الهواء، وحين تتغير الروائح، وتستحضر يديه حين ينكسر عزمك، وتتعثر خطواتك، وحين يخذلك الارتقاء، فيصبح كل شيء هيّنا. 
أن تفقد الطموح خارجه، وتفتقد الأمان إلا معه، الأمان هذه الكلمة المراوغة، إلا من ثقة عمياء في يده التي لن تخذلك مهما اشتعل الرعب، وكثرت العصي، وتعالى ضجيج الأشياء الفارغة، وتدحرجت المصالح اللزجة، وتصاعد الكذب والنفاق. وحدها تلك اليد الأقرب، اليد التي وهبتها لك يد الرب تظل عكازك في الوهن، وثقتك في العدم. 
أن تحب يعني أن تعطي بلا مقابل وأن تجد دون أن تطلب. أن تحيا بذلك الحنان المتدفق مع كل نظرة وضحكة، وغمرة، ولهفة. 
أن يسكنك القلب الذي تزيد دقاته كما تزيد دقات قلبك كلما التفتا في القريب والبعيد، الأصابع التي تدرك أنك بحرها ومرساها. 
أن تحب يعني أن تكسر توقعاتك لأن لا سقف للحب، أن تلتذ بالقليل لأنه كثير داخلك، أن تغفر الزلات لأنها شيء من الحب، وتجبر الشقوق في الحياة  بضمادات الحب. 
أن تستعيد ثقتك بالرب وبالحب وبالجمال الإنساني والكوني لأنك تحيا في ظل دليل حي على ذلك. 
أن تستيقظ كل يوم بحب، وتنام بحب، وتتحرك بحب وتتعب بحب، وتغضب بحب، وتعيش وتعمل وتأكل وتشرب وتتنفس بحب.  
 أن تحب يعني أن تستغني بمن تحب عن كل شيء إلا عن الحب. 



1-6-2018
في مكان عام أنظر للطفلة ذات الخمس سنوات يلبسها والدها العشريني -بلحيته الطويلة وثوبه القصير مختصرا الدين في تلك الشكلانية- عباءة وغطاء رأس أسود .أشعر بالوجع في روحي تماما، ويجلدني الانكسار والخوف في عينيها. أردد في نفسي هذا أبشع أنواع القمع فأي قانون يحمي الأطفال من قمع مؤدلج كهذا؟! إنه قمع باسم الرب وبسلطة الأب!
وفي مكتب لتخليص المعاملات ترفض المرأة المتدينة أداء وظيفتها التي تكسب منها رزقها، وتقدم عبرها خدمات مهمة للعملاء؛ وذلك بذريعة دخول وقت الصلاة.  لتذهب لأداء الصلاة فور سماع المؤذن متغافلة عن فكرة أن لكل صلاة وقتا ممتدا، وأن العمل عبادة وأن الله  سيحاسبها على العمل أيضا، فالعبادة بينها وبين ربها، ولكن العمل يقدم خدمات للمجتمع وتأخيره يلحق ضررا بالناس. 
وفي منتصف كل رمضان (تقريبا)  تتصاعد حدة الجدل حول الشرعية الإسلامية لعادة "القرنقشوه"، وهي عادة اجتماعية عريقة وممتدة في المجتمعات الخليجية جميعا، ولها جذور في ثقافة المجتمع وتكوينه الإنساني ولحمته الاجتماعية؛ حيث يخرج الأطفال للاحتفال بليلة المنتصف من شهر رمضان وقبلها ليلة المنتصف من شهر شعبان.
هذه العادة الاجتماعية التي ألفها الناس لما تشيعه من روح الود والمحبة في نفوس الجميع، ولما تثيره من فرح في نفوس الصغار والكبار بالاستعداد لهذا اليوم بالهدايا، وبخروج الأطفال للحواري القريبة لإثارة الفرح والمرح في روح المكان والإنسان؛ أصبحت موضع جدل شرعي كل عام.
هذه الحوادث وغيرها الكثير تجعلك تتأمل التفكير الديني لدى المجتمع. وإلى أي مدى أصبح شكلانيا وبعيدا عن روح الدين الحقيقي وعن قضاياه الكبرى وقيمه العليا. 
وإلى مدى تجاوز الناس القيم  التي نادى بها الدين، والأخلاق التي رسّخها، واتجهوا نحو أشياء ثانوية وجانبية لا تمت للدين بصلة، ولا تواشج بين روح الإنسان وروح الدين.
وتدفعك لتتساءل عن حضور الاجتهاد الديني في هذا العصر، الاجتهاد الذي عليه أن يصب في عمق الدين، ويتقارب مع حاجة الإنسان، ومشكلاته العصرية، وضروراته المستجدة. 
الدين الذي التبس فيه على البعض فكرة الحجاب بالسواد، وطبقوه على الصغيرة والكبيرة، والذي تحوّل لحالة من العبادة الروتينية،  بعيدا عن الروحانية التي تمتد لكل جوانب الإنسان والكون كما أرادها الرب. 
الدين الذي أصبح له وسطاء يمارسون سلطتهم (التي تفوق سلطته وسلطة الرب أحيانا كثيرة)  وسطاء يصنعون وسطاء، ويحاولون تنميط المجتمع بأفكارهم الشكلانية والأحادية الجاهزة. 
لقدأصبح النقد الديني اليوم ضرورة حتمية، ومطلبا إنسانيا، فهناك الكثير من التراكمات تحتاج للغربلة والتقشير، والكثير من التداخل  السياسي/التاريخي/الاجتماعي والديني.
والكثير من الجهل يقدم باسم الدين، والكثير من الجهلة يتقدمون بوصفهم رجال دين .  وخارج المسلمات الكبرى التي يجب احترامها؛ لا عصمة لرجل دين، ولا حجر على عقل متدبر. فالدين أولا وأخيرا حاجة روحية للإنسان، فالإنسان البسيط في سعيه الحثيث للقمة الخبز، وللحياةالمعقدة يحتاج للدين كقيمة روحية يستند إليها، ورب يثق به، ويعتمد عليه أمام ملمات الدهر، وحوادثه.  ولكنه بالطبع يحتاج دينا يستوعب حياته المعاصرة، ويعالج قضاياه الجديدة، ويبتعد به عن الشكلانية المتوارثة، والأحكام الجاهزة. 
 يحتاج دينا يغذي روحه، ويشفع لوجوده، وينشغل بما يستجد عليه ويعايشه. 
دين يعتمد القيم الكبرى والأخلاق العظمى التى جاء بها الإسلام لترقّي روح الإنسان أولا، وتجدد في البحث عن حلول للمشكلات الوجودية والفكرية المعاصرة ثانيا، وتساعد الإنسان في ردم الهوة التي تتسع داخله بين المادة والروح دائما.