التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

ريم البنا



فاطمة الشيدي
24 مارس 2018
رؤى ثقافية

مساء/صباح الخير ياصديقتي التي أضحت بعيدة الآن
هل تعلمين أنك كنت صديقتي التي أستمد منها الجمال والمقاومة، والحب والشغف والإيمان.
(وكم من الأصدقاء الأحياء والأموات الذين نحبهم ونؤمن بهم ونتعلم منهم ولما نلتق بهم يوما، ولعل بعضهم غادر قبل مجيئنا، وكم من الأصدقاء الذين بيننا لا يقدمون لنا شيئا)
ولكن يهمني الآن أن تعرفي ذلك، لقد شعرت أبدا أننا صديقتان قريبتان ومتشابهتان لحد كبير، وأنك وأنا سنلتقي يوما صدفة في مكان ما، وسنبتسم لبعضنا وقد نتعانق عناق أختين غريبتين.
لم أعرفك شخصيا ياريم، ولكنني عرفتك بما يكفي عبر الحب، والأمل والمقاومة، عبر الأفكار الكبرى والقيم الإنسانية.
لقد كان صوتك زاد صباحاتي في الكثير من الزمن، وكان عزمك كثيرا متكئي في الوهن، وكان فعلك داخلي حراكا إنسانيا لكل فكرة وقضية.
كنت أستمد منك الشجاعة والأمل والعزم كلما ضعفت ومازلت وسأظل.
اليوم وأنا أسمع خبر رحيلك انكسر شيء كبير داخلي، شيء يشبه العدل، ويشبه الحب، ويشبه الأمل أيضا، كنت أحلم أن تكتبي في صفحتك التي أتابعها بحب منذ زمن طويل؛ أنك بخير وأنك ستكملين الحياة، وتهرمين معنا.
كنت أتمنى أن نلتقي، وأن نشرب قهوة معا في مسقط حيث ستأتين لتنثري عبق صوتك، وقصائدك وجمال روحك في مدينتنا الجافة، فتشتعل قليلا بالحب والجمال والمقاومة، أو في حيفا إذ أجيء أنا إليها وإليك، ولمحمود درويش وسميح القاسم ولأمهات فلسطين ونسائها الباسلات، ثم نخرج معا كصديقتين خاصتين بينهما ما بينهما من القرب في الوعي والجمال والحب، تحدثيني عن الأمل وأحدثك عن اليأس، تحدثيني عن حب ذهب مع الريح، وأحدثك عن حب جاء متأخرا، وتريني صور أطفالك الذين أعرفهم كأبناء أخواتي، وسنضحك كثيرا، ونبكي كثيرا أيضا، ستخبريني عن السرطان الذي نخر جسدك الجميل، وسأصمت كثيرا هنا، وأزدرد غصة مع ريقي، ثم أبدأ في سرد عبارات المواساة الميتة، وكليشيهات الصبر والأمل قبل أن ترفعي يدك طويلة الأصابع بحدة وتقولين لي. لا يليق هذا بنا.
دعينا نبكي أولا، ثم نتعانق ونمضي بشكل أقوى وأكثر إنسانية وعنفوانا.
سأضحك وأشرق بصوتي المعتذر، وأتعثّر في دموعي وأنا أدعو لك داخلي. وأنا أستحضر كل النساء اللائي رحلن بهذا المرض التافه الذي يختص بمصدر العطاء والخصب والجمال، ويقتص من الأنوثة لقدرها المسرف في الحب والألم معا.
سأخبرك أنني أدركت أبدا، ومذ جئت لهذا الوجود أن الحياة فعل مقاومة، ولكنك أكثر من جسّد هذا المعنى بوعي في ذاكرتي، وأن لغتك توازي صوتك، أو تزيد عليه، وأن لهجتك الفلسطينية مغرية كصوتك ببحته المثيرة، وأن المفردات تتقافز على لسانك كضباء نافرة مستنفرة بشقاوة وجنون بديع، عذبة كينبوع الدهشة، شهية كالشعر والموسيقا. وأنني أحببت فلسطين بك أكثر .
وقد تغنين لي بصوتك المبحوح الذي أعشق أغنية ما، وقد أقرأ لك نصا شعريا عدميا أو نسويا. ثم نتعانق ونفترق على أمل لقاء جديد.
مازلت أحلم بهذا اللقاء ياريم، وأعرف أنه سيتحقق في مكان ما، وأنني سأغتسل بضوئك يوما كشمس أو قمر أو حلم أو غزالة برية أو نخلة أو موجة. حينها سنتكلم في كل شيء، عن حياتي الميتة هذه، وحياتك الجديدة تلك.
ريم البنا ..أحبك في الغياب

تعليقات