فاطمة الشيدي
10 مارس 2018
10 مارس 2018
شهادة شعرية ألقيت في ندوة "الحداثة في ندوة زاهر الغافري"
إذا كنت منتميا للشعر الكوني المبثوث في كل زاوية وروح من هذا الوجود وليس فقط للشعر المكتوب فلابد أن تصطدم بتجربة زاهر الغافري بقوة ولابد أن تتأملها بصمت ولابد أن تفتنك بدهشة، زاهر الغافري الشاعر الساحر، القادم من مجاهل القصيدة ومن مخادع العشاق، ومن جنون الموتى ومن أحلام المتصعلكين. الشاعر الذي لا يحمل هما أكبر من الشعر ولا رسالة أجمل منه. الشاعر الذي عاش متنقلا مغتربا هائما في براري القصيدة، يفضي للأرصفة بأوهامه ثم ينحني ليلتقط حجرا ليقذف به الغيب والمجهول وهو يضحك.
لا شيء يؤرّق زاهر أكثر من الجمال والحب والخير والسلام، يعبث مع الحياة لتضحك له، يمازحها كطفلته، ويعانقها كحبيبته وينحني أمامها كأم يلثم موضع أقدامها.
لقد جعل زاهر القصيدة صديقة يتقلب معها في الحياة، يعلو ويهبط في متنها الهش وجمالها الباذخ، وحنانها الوفير ووعيها الجارح. كتبها وكتب عنها وكتب لها،؛ كتب فيها عن أحلامه وحبيباته وأصدقائه، وكتب لها كل ما يجرح روح الشاعر من سكاكين وأشواك ودبابيس تمتلئ بها الحياة، ولا يقوى الشاعر المرهف بحساسية الوعي والشعور أمامها سوى الدمع الذي تتلقف روحه القصيدة فتحيله نصوصا بهية ومدادا جارحا.
لقد أنزل زاهر الغافري القصيدة من عليائها، من أبراجها العاجية، إلى الحياة تماما، خفف من رداءاتها الثقيلة ومعاطفها الداكنة، وألبسها ثوبا بيتيا وملابس فضفاضة وشفافة، وجعلها تسير معه في الشارع، بلا كعب عالي ولا ربطة عنق كطفلة متشردة أو حبيبة غجرية، شاحبة بلا كحل ولا أحمر خدود، ولا شفاه مكتنزة ولا عطر.
أجلسها على الأرصفة، وشرب معها القهوة، واحتدم معها في نقاشات حادة وبذيئة بعض الأحيان، ثم ذهب بها في مساءات راقية بالشموع والنبيذ، فراقصها كأميرة خرافية واحتفى بدانتيلاتها المتهادية ذيولا خرافية، وتاه معها في الموسيقا، وتوزعا في اللحن والخبز والحنين والعشق.
ولذا فلا عجب أن أخذها او أخذته عبر المدن والبلاد والأصدقاء والليل والجرائد والمجلات ثم أسكنها بحر عمان مالحة طازجة، عاشقة دافئة، وجلس إلى جوارها يراقب رقصها الأفعواني على الطرقات كالحاوي والثعبان، الذي لا يروم مجدا أكثر من دهشة على وجه عابر سبيل.
كتب زاهر الغافري القصيدة منذ أصابته حكة الشعر في روحه تماما، كتب على كؤوس الشراب، وعلى أغلفة الكتب، وعلى علب السجائر الفارغة، وعلى طاولات المقاهي، وعلى كراسي الطائرات، وعلى ملاءات الفنادق، وعلى ضفائر طفلات اعترضن طريق الشعر بضحكة أكثر شعرية، وعلى فخوذ نساء عابرات، وزنود نادلات، وعلى أغلفة أفلام، وسفطات موسيقا، وعلى مظلات المطر، وأحذية الراقصات، وعلى خدود وردات الحدائق وأجنحة فراشات النور، وفي الصحف والمجلات، ومع هذا لم ينشر سوى ست مجموعات صغيرة.
كتب زاهر الغافري القصيدة على مهل وعلى عجل، وفي كل وقت؛ في الليل والنهار وما بينهما، كتبها بدمه، وبالنبيذ، وبكحل حبيباته، وبعطر أمه، وبصوت والده، وبدموع النساء، وزفرات المقهورين، وبحشرجات الأصدقاء.
كتب بين يدي متشردين وحيارى وباعة كتب على الأرصفة، وباعة قهوة متجولين، كتب عن المرأة والرجل، وعن الاحلام والأوهام، وعن الأشقياء والمجانين والمشردين والمنبوذين.
كتب لأنه لا يملك إلا أن يكتب، ولذا لا يمكن إلا أن نكتب عنه، لنستقرأ الجمال في شعره بأدوات الوعي المتجدد والذي يروم القبض على مفاصل النص، وتحديد تمفصلاته الفنية وأبعاده الوجودية، نقرأ بأرواح تلتمس موضوعية الرؤى وجمالية النص، فيأخذها الشعر فقط، وتذهب فيه شُغفا بقصائد زاهر التي علمتنا قيمة الشعر الحقيقي، وجمال الشاعر الظلي الذي لا يحفل بالأضواء، الشاعر المتهادي كغيمة والبعيد كالحلم، والعابر كالطل والطلل، الشاعر الشاعر، بحقيقته المطلقة والكبيرة والصادقة والراسخة كالزمن والإنسان والشعر.
