حوار منى كريم -
- أولاً
أحب أسألك عن رواية “الطواف حيث الجمر” لأن روايتك نًشرت بعدها ب١٠ سنوات وقدمت شخصية
المرأة الزنجبارية على النقيض؟
-شخصية بطلة رواية الطواف حيث الجمر
الرئيسية "زهرة" ليست زنجبارية بل هي عمانية قحة، هربت إلى زنجبار من
قبضة العائلة وإخفاقات الحب (ابن العم الذي تركها وتزوج هو من زنجبارية) والخوف من
الزواج من الأصغر منه الذي لا يناسبها من جميع النواحي العمرية والفكرية (وهو أمر
متبع في العوائل العمانية في حالة الموت أو التخلي، تُزوج الفتاة لمن هو أصغر
منها. فكان هروبها عبر البحر إلى المجهول تقريبا فالبطلة تظهر عنصرية فجة في
رؤيتها لأهل زنجبار، وكأن الكاتبة تنقل الصورة العمانية عن الآخر لغويا.
- كيف
تقيمين روايتك من على هذه المسافة؟ ردود الفعل وتلقيها؟
جيدة كرواية أولى، حققت عبرها ذاتي الساردة، وتناولت فيها فكرة
ميثلوجية عمانية راسخة في الثقافة العمانية ربما حتى الآن، وحركت بهدوء الكثير من
المسكوت عنه اجتماعيا، كالعنصرية الاجتماعية والثقافية عبر صورة العبيد الذين
كانوا يسرقون من بلادهم ويباعون، وعبر فكرة الدين الشكلاني الخارجي الذي يعيشه المجتمع
ضمن العادات بعيدا جدا عن جوهر العدل والرحمة، وصورة المرأة المكبلة بالأعراف
والتقاليد. ولكني
ربما لم أكن لأكتبها الآن أو في الأقل ليس بتلك الطريقة
- كيف كانت
تجربة كتابة الرواية بالنسبة لشاعرة؟ هل شعرت أن أسلوبك الشعري سيطر على النص؟
كانت تجربة جميلة، أسعى لأن أكررها، ونعم غلبت عليها روح الشعر لغة
وعاطفة، ولكن هذه ميزة وليست عيبا، فغالبا روايات الشعراء أجمل في القراءة وأكثر
عذوبة وصدقا وولعا، وعندما تقرئين لشاعر تجدين الشعر إضافة للمكونات البنيوية
للسرد الروائي، وهذا ما
يعطى الرواية زخما فنيا، وتقبلا جماهيريا.
-
كيف
تفسرين اهتمام الكاتبة العربية بالمواضيع المحرمة في مجتمعاتنا؟ كانت الرواية
النسوية تهتم بما هو أنثوي والآن صارت تنبش في قضايا أخرى مثل العنصرية والطبقة
وغيرها؟
الموضوعات المحرمة أو ما يسمى نقديا بالمسكوت عنه هو جوهر قيمة الأدب
فعليا، فكاتب بلا قضية هو كاتب هش وخارجي، كاتب متمسح بالأدب الذي يتطلب وجعا
داخليا وقضية عميقة.
والمرأة قضية إنسانية قديمة، ومظلوميتها التاريخية تشكّل لها قيمة
إنسانية سيما في مجتمعات لاتزال تنظر إليها بعنصرية ونقص وتحصرها في دوائر ضيقة
وقاتمة. فهي كائن
مضطهد بسبب جنسه وهذا يساوي الاضطهاد والعنصرية بسبب اللون والعرق والدين وغيرها
من أسباب.
وتفكيك هذه العنصريات المشتبكة غالبا يدفعنا لمناقشة فكر الكائن
العنصري المحتجب
في ذاته والمتقوقع في مسلماته والذي يصدر أحكاما إزدرائية لكل من لا يماثله، وبالتالي ففكرة العنصرية متشابكة وربما كلية، وتفكيكها يأتي من
الجذور، وبالتالي تشترك القضايا والفئات التي تعيش هذه العنصرية في تبني قضايا
العنصرية والاضطهاد والظلم.
ولكن دعيني أقول بوضوح أنه ثمة فرق كبير بين الرواية النسائية
والرواية النسوية، ففعليا ليس كل رواية تكتبها امرأة هي رواية نسوية، وليس البعد
النسوي في الفن (بعيدا عن النشأة) شأنا خاصا بالمرأة. فلطالما كان الرجال يناقشون
هذا البعد وهم أكثر من خلخل العنصرية ضد المرأة عبر التاريخ النسوي.
-روايتك
تحدثت عن تجربة أمل ووالدتها مع أشكال التمييز الجنسي والعنصري ليس فقط من قبل الذكور
والقبيلة بل أيضاً من قبل نساء العائلة ولكنك لم تحاولي النبش في تاريخ “العائدين”
وتجربتهم بعد العودة. كيف تعلقين على هذا الخيار؟
العنصرية كما ذكرت سابقا حالة فكرية وثقافة داخلية متزمتة يشترك فيها الرجال والنساء، وأحيانا تكون المرأة أكثر عنفا في تبني العنصرية، وهذا ما أرادت الرواية قوله، أما العائدون فهم يختلفون في الفكرة تماما، فهم مواطنون محترمو الهوية والعمق التاريخي والإنساني عادوا لبلادهم ووطنهم الذي احتضنهم ككل أبنائه الذين هاجروا منه، فثمة من عاد من زنجبار أو من الخليج أو من مصر أو من أمكنة أخرى، وقد كانوا لا يختلفون فيما بينهم من حيث الهجرة في ذلك الوقت، فقد هاجروا جميعا طمعا في الرزق في زمن قست عليهم الحياة والوطن كثيرا فلم يجدوا الكرامة والأمان والسقف واللقمة والتعليم والاستشفاء فهاجروا طلبا لكل ذلك.
العنصرية كما ذكرت سابقا حالة فكرية وثقافة داخلية متزمتة يشترك فيها الرجال والنساء، وأحيانا تكون المرأة أكثر عنفا في تبني العنصرية، وهذا ما أرادت الرواية قوله، أما العائدون فهم يختلفون في الفكرة تماما، فهم مواطنون محترمو الهوية والعمق التاريخي والإنساني عادوا لبلادهم ووطنهم الذي احتضنهم ككل أبنائه الذين هاجروا منه، فثمة من عاد من زنجبار أو من الخليج أو من مصر أو من أمكنة أخرى، وقد كانوا لا يختلفون فيما بينهم من حيث الهجرة في ذلك الوقت، فقد هاجروا جميعا طمعا في الرزق في زمن قست عليهم الحياة والوطن كثيرا فلم يجدوا الكرامة والأمان والسقف واللقمة والتعليم والاستشفاء فهاجروا طلبا لكل ذلك.
ولعل العنصرية التي تلقفت (العائدون من زنجبار تحديدا) كانت عنصرية
اللون وعنصرية اللغة، فأغلب من ذهب هناك اختلطوا مع الآخر الأفريقي وتزوجوا منه
وبالتالي جاء الكثير من الأبناء مختلفو اللون عن أبناء الوطن الأصلي، كما أنهم
اكتسبوا اللغة السواحيلية وبعضهم لم يتكلم العربية أصلا، ولاشك أنهم عانوا وربما لا
زالوا يعانون من ذلك، ولكن فكرة العبودية أبشع بكثير من عنصرية محددة في فكرة
اللون، واللغة وخارج ذلك يتمتعون بكل الحقوق.
وكما تعرفين لا تحتمل الرواية الواحدة الكثير من القضايا وإلا لتحولت
لبحث وخرجت عن روح السرد وجمالياته.
- هل ترين
أن الرواية النسوية العربية ناجحة في جمالياتها كما هي شجاعة في طرحها النقدي؟
لا يمكننا التعميم هنا، فهناك الكثير من الروايات النسوية المراهقة في
لغتها والسطحية في معالجتها للقضية التي تطرحها، ناهيك عن الجماليات النصية
والأسلوبية فهذا يعتمد وإلى حد كبير على وعي الكاتبة ولغتها وثقافتها واشتغالاتها
الفكرية.
إلا أن هناك الكثير من الروايات النسوية التي كتبتها المرأة تعالج
الكثير من القضايا بوعي فكري ومسئولية لغوية، فجاءت الروايات جميلة لغة وأسلوبا،
وعميقة فكرة ومضمونا. فالمرأة هي الحكاءة القديمة حفيدة شهرزاد، التي تمتلك
العاطفة التي تمثل شرارة النص ووهجه، كما أن مظلوميتها التاريخية تفرض عليها ممارسة
الضغط للتغيير بكل الوسائل الممكنة والكتابة أهم تلك الأسلحة.
وبما أن الرواية اليوم هي
الأكثر مقروئية فبلا شك تمثل وسيطا مناسبا للضغط العام باتجاه تضخيم شكل المأساة والقهر الذي
تتعرض له المرأة بشكل مباشر أو غير مباشر من وصاية وكبت ورسم حدود مستقبلها،
والدفع باتجاه التغيير والحرية والمساواة وامتلاك كافة الحقوق الإنسانية المشروعة
عبر القانون، فالنسوية العربية مازال لديها الكثير لتقوله أو لتدحضه بمعنى آخر .
ويقع هذا العبء على المرأة بشكل أكبر وأوضح لأنها المتضرر الأول والمستفيد الأخير.
تعليقات