فاطمة الشيدي
14 فبراير 2017
يا صديقي الأكثر والأقرب:
كنت دائما في قلبي، أحملك فيه من زمن الطفولة، من زمن الحب، من زمن الخسارات والأوهام.
كنت قريبا كالروح وكالدم، وكالأفكار واللغة والأحلام والذكريات التي تجمعنا وكنت بعيدا كوجه لم أصادفه، ويد لم أصافحها، ووطن لم أعرفه، وقد تهت بعيدا عنه وهو أقرب لي مما أتصور.
وحين التقينا كنا متشظيين ككوكب انقسم ذات انفجار كوني عظيم وتاه كل نصف في ملكوت بعيد، فكان كل منا يبحث عن نصفه حتى أخذتنا تعرجاتنا للالتحام فكان أكثر من الممكن والمستحيل إذا اجتمعا معا.
الآن يتبرأ الحزن منا حين نضحك معا، ويضمنا معا حين نذهب في الداخل قليلا، هناك حيث أوجعتنا المقادير وأرهقتنا المسافات والزمن.
ليس على قلبينا أن يتقنا الألم بعد الآن، فثمة زاوية للفرح في مكان ما، ثمة كوة للنور، وأغنية تذهب بعيدا باتجاهنا تماما دائما، تنغرز في تلك التراكمات المتراكبة في دواخلنا المرهقة، وعلينا أن نبحث عنها، أن نجدها، أن نفعّل دورها، وأن نفتحها على مصراعيها، أن نجد لقلبينا المثقلين بالهموم زفيرا أكثر، وحبا أكثر ، وأحلاما أكثر وأكثر ، فالأحلام يا صديقي هي ترياق الوجود، وهي سدرة الروح الخالدة وعلينا أن نتفيأ ظلالها معا.
كما علينا أن لا نضغط على الجراح بل أن نغني لها، نغطيها ببعض قلوبنا ونمضي
يا صديقي الأقرب:
منذ عرفتك لا أستيقظ في الصباح إلا على صوتك لأشعر بالأمان، فالوجود رجل عنين بوجه شائن يتربص الأصوات والأحلام والقلوب العاشقة ليقبض على بكارة الأشياء، وعلى الرسل، وأنا سليلة الأنبياء.
مذ عرفتك وحتى نذهب في طريق بعيد؛ لن أخبز خبزا ساخنا، ولن أصنع قهوة متخمرة إلا لك؛ فالعالم مرآة متشظية لا أسعى لإصلاحها. وأنت لا ترفع صوتك بالغناء بل اهمس في أذني، وسأخفض صوت المذياع لنستمع في البيت لنشرة المساء معا. ونتوجع معا للخراب المطبق.
وحين تطلق دراجتك نحو أمكنة أخرى ونحو الكتب والمسافات ضعني حرزا أبديا في وجه التاريخ كي لا تجفل الأيام التي نرتّبها في دواليب العمر فوق ضحكة يتيمة وقلبين مضرجين بالأمل لنطل عليها كل صباح، الصباح صديقك الأبدي وعدوي الأبدي
يا صديقي:
أحبك كصمت لا يقوى على الكلام، وكجرح بحجم عمري قبلك يتناثر فيه الملح
أحبك ككل المتناقضات في هذا الكون العريض، كالفرح والحزن إذا امتزجا وصار لهما لون وطعم ورائحة كالماء.
تعليقات