التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مأزق النقد وغربال الزمن

فاطمة الشيدي
15_5_2017

يعاني النقد اليوم مأزقا حقيقيا متعدد الجوانب والوجوه، فبين تسارع وتيرة النشر الورقي والإلكتروني، وحضور مواقع التواصل بانهمار نصوصها التي تكتب على عجل ودون كثير تمحيص من جهة، وبين تصدي الجميع له ممن لا يملك الثقل المعرفي عبر التخصص او القراءة سيما وأن امتلاك منبرا أو منصة للكتابة أصبح سهلا وميسرا للجميع من جهة أخرى.
لقد أصبح النقد مهنة من لا مهنة له، وأصبح الجميع يمارس ما يسميه بالنقد بلا معرفة ولا دراية ولا اطلاع على أدبياته التاريخية ومناهجه المعرفية التي تتجدد  وتغير مدارسها بين الفينة والأخرى.
كما أن الأغلبية _حتى من بعض المتخصصين للأسف _ مازالوا يضعون النقد ضمن فكرة "يعجبني ولا يعجبني" أو "هذا جيد وهذا غير جيد" مع توضيح السبب برؤية شخصية أحيانا، أو عدم توضيحه في أحايين كثيرة. وهي الحالة العامة التي ماتزال تشكّل خلفية الأغلبية حول النقد ومرجعيته الفنية، على اعتبار أنها تمثل روح النقد الحقيقي، وطبيعته التقييمية، والدور المناط به لفحص جودة النصوص، وكما يعتقد بذلك -للأسف- بعض المشتغلين بحقل النقد أيضا.
وربما يعود هذا الفهم لطبيعة الممارسات النقدية المتجاوزَة زمنيا ومعرفيا في هذا الاتجاه، عودا في الزمن على فكرة النقد القديم وتعريفاته الحدية. 
أما المدراس النقدية الحديثة، والمناهج الجديدة كالأسلوبية والتحليلية وغيرها فقد اشتغلت على القراءة السابرة، متجاوزة فكرة إعطاء حكم جاهز، أو تقديم تقييم حدي من قبل الناقد الذي أصبح قارئا عميقا أكثر منه مقيّما للنصوص، معتمدة بذلك القراءة العميقة منهجا وأداة تحليلية دقيقة للغة النص ومضامينه الفكرية والفنية. القراءة التي لابد أن تنطلق من عقل مبدع ووعي حساس وذخيرة معرفية عميقة بمدارس النقد ومناهجه شرقا وغربا لتذوق النص وتحليله.
إن النقد حالة معرفية أكثر منه حالة تقييمية، وبذلك فوجود تلك العقليات الثابتة في مواضعها المعرفية ومواضعاتها الفكرية وتصدّيها للنقد يمثل مأزقا كبيرا للنقد والفكر وللمشتغلين به، كما يمثل مأزقا للنص ولقيمته الفنية .
ولكن ما يبعث دائما على التفاؤل هو الغربال الزمني الذي يُسقط الغث ويحتفظ بالثمين من الأفكار والأسماء والنتاجات الإبداعية. فالنقد حالة إبداعية سيتعطاها كثر في مستقبل اللغة والزمن وسيظل العميق منه فقط خالدا ومؤثرا في الوعي الجمعي والتراكم المعرفي كما الإبداع تماما، وستسقط كل الحذلقات الصحفية والفذلكات اللغوية الموقعة باسم النقد، والتي لاتتمتع إلا بالهشاشة الفكرية والضعف المنهجي وستذروها الرياح لتذهب في النسيان، حين تخضع لنقد  النقد أو محاكمة التلقي.
.



تعليقات