فاطمة الشيدي
10_12_2017
"أستطيع أن أقول أن مسقط أمي ومدينتي، وأنني أعرفها جيدا، وهي كذلك تعرفني معرفة أم لطفلتها الغريبة، التي تتوه في الزحام، وتشكل عليها الأمكنة، وتحب الأزقة وروائح المدن المعتقة بالتاريخ والعشق أكثر من المدن المتمدّنة بتفاهة مصطنعة، فمسقط مدينة خاصة، هي ليست ثرثارة كالكثير من المدن، وليست وقحة كبعضها، وليست متصنعة كأخريات، وليست شعبية مجنونة أيضا، مسقط مدينة صامتة ولكنها ليست خرساء، هي متحدثة لبقة بجمال، هي متعددة وكثيرة، ولكن لابد من حوار طويل ودافئ معها لتكشف لك عمق روحها ومعطياتها ومكنوناتها الدفينة.
مسقط مدينة دافئة في كل فصول السنة، يمر البرد على قلبها خفيفا فلا يصيب شغفها بالجمال، ولا يجرح عشقها المالح للحياة إلا بقدر الدفء الذي ينبع من تفاصيلها العنيدة واختلافاتها الرؤوم، بين بحر حنون وجبل شامخ واخضرار متقد بالمحبة والجمال أبدا.
تلك التعرجات البعيدة والكثيرة والتي تشبه جروح التاريخ على جسدها الشامخ، ذلك التعالي والشموخ، والتصاعدات الحية والحيية في أروقة الجغرافيا واكتنازات التاريخ.
مسقط مدينة متزنة وثابتة وواثقة تقف باعتداد في منتصف كل شيء ؛ العمر والجمال والحنان، مأخوذة بماضيها التليد وتاريخها العريق، ومشغولة بجغرافيتها المنمنمة بدقة، والمشغولة بعناية يد إلهية أعطتها فأفاضت، وعمران متناسق، استلهمت الماضي وفتحت قلبها للحاضر، فلم تصنع على عجل، ولم تتملص من إرثها الروحي، ورائحة ماضيها الواخزة باتجاهات جديدة وسريعة.
مسقط مدينة الغرباء والعشاق والحزانى والسهارى والمجانين، ترتق شروخهم في روحها الصامتة، وتدثر حزنهم في مساماتها الدافئة، ولكنها لا تفضح جنونهم، ولا تشي بهم في طرقاتها الواضحة، فهي لا تسمح للعابرين أن يشمتوا في عشاقها ومجانينها، تسندهم بيد خفية، وتحميهم بعين راضية، وتهبهم صدرها متكأ ليبكوا على شرفاتها البعيدة، وشوارعها الخلفية، وبيوتها الحجرية الضيقة.
مسقط ليست مدينة السياح، فهي تنفر من عريهم المتبجح، وأضواء كاميراتهم الغريبة المعجبة برفعتها، تهبهم وجها عابسا ، لكنها تبتسم بدفء أم رؤوم للأشقاء وللأصدقاء وللشعراء والغرباء والباحثين عن وطن، تفتح لهم قلبها، وتحتضن جراحهم، تشعرهم بالأمان حتي يستشعروا طعم الوطن والدفء والحنان.
مسقط مدينة الروح، حيث ولدت ذات بدء بعيد، لأذهب عنها مولعة بها لأعود إليها ممسوسة، فتفتح ذراعيها، مسقط سفري الأول وبيتي الأخير، مسقط مديني وأمي."
تعليقات