1.
9 أغسطس 2008/ كتبت هذه المادة يوم رحيل الشاعر في الأردن، ونشرت في جريدة القبس الكويتية، والزمن العمانية
من ذا الذي يستطيع التصدي للكتابة عن محمود درويش؟! أو الشهادة عنه أو عن شعره؟! أو حتى عن تأثير ذلك النص في حياته ونصه؟! ومتى؟! إذ يغيب، ملوّحا بابتسامته الجارحة، ويغادر صامتا كقصيدة لم تكتب بعد..!!
ربما وحدها القصيدة من تملك حق الشهادة له، وحق رثائه!! وأظنها الآن ستقول: قفا نبكِ! قلب محمود درويش..
لن تقول لنبكِ الشعر الذي ارتقى أسمى مراتب الصنعة الشعرية على يديه، ولن تقول لنبك الأرض التي جعلها عشيقة خاصة، وأمّا حنونا، وصدرا يحتفي بالجراح ولا يداويها، وصدّر رائحة الزيتون والصنوبر والقهوة في مسام حروفه ليعشقها كل من يقرأه، وعلّق جراحها ودموع أمهاتها، وجزع أطفالها على شجر النص لتورق ألما بين يدي قراءه، وثورة في أرواحهم.
ولن تقول لنبك القضية التي كرّس حياته ثمنا لها، وأوقف شعره زمنا عليها، ترياقا لنزف شعبه، وصرخة مدوّية ضد المحتل يردد صداها المنفلت من حنجرته كسيل رصاص كل من يعرف معنى تلك القضية، ومن لا يعرفها ربما، إذ جعلها جرحا لا يشاغله سواه، ولن تقول لنبك الإنسان ذاكرة النص الدرويشي الذي كتبه نصا خاصا، ووجعا خاصا، محتفيا بضعفه، وقوته، ونبله وهزائمه ..
لكنها .. ستقول لنبك قلب محمود درويش ..ويحق لها..
يحق لها أن تبكي القلب الذي خان الموت منذ زمن بعيد، عشقا وولها وتعلقا بكل ذرة تراب، ونسي أن الموت لا ينسى..
يحق لها أن تبكي قلب الشاعر!!
فكم كان على ذلك القلب أن يحتمل! الشعر الكارثة الأبهى، أم الوطن الحلم المسروق من عين الشمس، العصي على الاكتحال والتمرغ في مساحاته الحميمية، أم الغدر، أم الوجع الوجودي النبيل..؟؟!!
كم كان على ذلك القلب أن يناضل ليُسمع العالم دقاته في عنفوان قصيدة حرة، وليشم رائحة دمائه المتدفقة بين كل ثورة وأخرى، وبين كل نص ونص.
ذلك القلب المتوحد مع الأرض ومع الوطن، القلب الذي استنبت جناحيه من قلب العاصفة، ومن صوت الرعد، ومن عنفوان الجرح، القلب الذي كان يفرد أجنحته كرخ خرافي بين الشعرية والقضية، القلب الذي كان يقوم كفينيق لا يموت بين كل موت وموت، وبين كل خيانة وأخرى، وبين كل هزيمة وهزيمة، القلب الذي اشتهي الجرح لينزف، واشتهي الموت ليبقى، وقبّل المُدى بلهفة عاشق يعرف أن الطعنات ذاكرة للجرح، وشفاعات للقصيدة الأجمل.
يحق الآن للقصيدة إذ تفقد أروع عشاقها، وأبهى من ألبسها قلبه وطنا، وزيّنها بكل مفاتن المجاز، وحلي الصورة، واستعار من أزمنة الشعر واللغة، ومن غياهب الفكرة والاستعارة، ومن ذرى الأساطير والرمز ما جعلها "قصيدة درويش" أي قصيدة هذا العصر دون منازع، وقبلة للشعراء والأدباء الذين لا يكاد يكون منهم من لم يتأثر بها، وكانت للكثيرين بوصلة الشعر، والأنموذج المحتذى، والنص الأكثر تأثيرا حتى التناص أو التماهي.
"قصيدة درويش" أي أعلى درجات الشعرية، ومعيار الحكم على النص الشعري المعاصر بكل حضوره ولغته .
يحق للقصيدة أن تبكي..!!
ويحق للحزن أن يحزن، وأن يتربع بهيا على ظلال الذاكرة السكرى بالشعر، وبالوطن وبالأرض، بالعجز المفتنّ، وبالأغنيات الحارقة ويردد كما قال درويش يوما " قل للغياب نقصتني، وأنا حضرت لأكملك".
2.
9 أغسطس 2010\ شرفات جريدة عمان
محمود درويش الغائب، المقيم، الراحل، الخالد، الذاهب، الطالع من كل نص ومن كل قصيدة ببهاء منقطع النظير، مغتسلا في بحورها، ومتصاعدا في ممراتها السرية، هكذا وبالجمال الفادح الذي يحمله النص (المستحيل) الذي كتبه، النص الذي لا يتكرر ولن يتكرر، هكذا تتجدد الذكرى الدرويشية في الروح والقلب، الذكرى التي تغافلنا عنها عاما كاملا، وكأننا لم نكن نريد أن نصدق أن هذا قد حدث فعلا، وأن درويش قد غاب عن أرضنا فعلا، وفقدته خارطة الشعر العربي للأبد، فعلا فعلا ..
ومع الذكرى الأولى لرحيله يتجدد الشجن، ويتعاظم الإحساس بحجم الفقد البيْن، وتتجدد حالة استحضار شعر محمود درويش، والرغبة في الكتابة عنه!
ويحق لنا اليوم إذ نعيش هذه الذكرى، أن نتذكر كل كلمة كتبها، وكل نص أبدعه، يحق لنا أن نتلذذ بنصوصه كما تتلذذ أم بلثم، وشم رائحة ملابس طفلها الغائب، وأن نتتبع أثره كما يتتبع عاشق عيس محبوبه الساري في حلكة الليل على غفلة، وأن نقرأ نصوصه كأنا ما فعلنا ذلك قط، وهو بيننا، ونحن نطمع منه في صورة أخرى، ومعنى آخر أكثر عذوبة وأمضى دهشة، يحق لنا اليوم أن نتألم بصدق لأنه مضى عام وقلب الشاعر صامت وهادئ في خلوده وذراه، مضى عام وسجائره، وأحزانه لم تشعل ذلك القلب لينجب حريقا جديدا، يحق لنا أن نحزن لأنه مضى عام وقصيدة درويشية جديدة لم تكتب، ولن تكتب بعد الآن!
9 أغسطس 2008/ كتبت هذه المادة يوم رحيل الشاعر في الأردن، ونشرت في جريدة القبس الكويتية، والزمن العمانية
من ذا الذي يستطيع التصدي للكتابة عن محمود درويش؟! أو الشهادة عنه أو عن شعره؟! أو حتى عن تأثير ذلك النص في حياته ونصه؟! ومتى؟! إذ يغيب، ملوّحا بابتسامته الجارحة، ويغادر صامتا كقصيدة لم تكتب بعد..!!
ربما وحدها القصيدة من تملك حق الشهادة له، وحق رثائه!! وأظنها الآن ستقول: قفا نبكِ! قلب محمود درويش..
لن تقول لنبكِ الشعر الذي ارتقى أسمى مراتب الصنعة الشعرية على يديه، ولن تقول لنبك الأرض التي جعلها عشيقة خاصة، وأمّا حنونا، وصدرا يحتفي بالجراح ولا يداويها، وصدّر رائحة الزيتون والصنوبر والقهوة في مسام حروفه ليعشقها كل من يقرأه، وعلّق جراحها ودموع أمهاتها، وجزع أطفالها على شجر النص لتورق ألما بين يدي قراءه، وثورة في أرواحهم.
ولن تقول لنبك القضية التي كرّس حياته ثمنا لها، وأوقف شعره زمنا عليها، ترياقا لنزف شعبه، وصرخة مدوّية ضد المحتل يردد صداها المنفلت من حنجرته كسيل رصاص كل من يعرف معنى تلك القضية، ومن لا يعرفها ربما، إذ جعلها جرحا لا يشاغله سواه، ولن تقول لنبك الإنسان ذاكرة النص الدرويشي الذي كتبه نصا خاصا، ووجعا خاصا، محتفيا بضعفه، وقوته، ونبله وهزائمه ..
لكنها .. ستقول لنبك قلب محمود درويش ..ويحق لها..
يحق لها أن تبكي القلب الذي خان الموت منذ زمن بعيد، عشقا وولها وتعلقا بكل ذرة تراب، ونسي أن الموت لا ينسى..
يحق لها أن تبكي قلب الشاعر!!
فكم كان على ذلك القلب أن يحتمل! الشعر الكارثة الأبهى، أم الوطن الحلم المسروق من عين الشمس، العصي على الاكتحال والتمرغ في مساحاته الحميمية، أم الغدر، أم الوجع الوجودي النبيل..؟؟!!
كم كان على ذلك القلب أن يناضل ليُسمع العالم دقاته في عنفوان قصيدة حرة، وليشم رائحة دمائه المتدفقة بين كل ثورة وأخرى، وبين كل نص ونص.
ذلك القلب المتوحد مع الأرض ومع الوطن، القلب الذي استنبت جناحيه من قلب العاصفة، ومن صوت الرعد، ومن عنفوان الجرح، القلب الذي كان يفرد أجنحته كرخ خرافي بين الشعرية والقضية، القلب الذي كان يقوم كفينيق لا يموت بين كل موت وموت، وبين كل خيانة وأخرى، وبين كل هزيمة وهزيمة، القلب الذي اشتهي الجرح لينزف، واشتهي الموت ليبقى، وقبّل المُدى بلهفة عاشق يعرف أن الطعنات ذاكرة للجرح، وشفاعات للقصيدة الأجمل.
يحق الآن للقصيدة إذ تفقد أروع عشاقها، وأبهى من ألبسها قلبه وطنا، وزيّنها بكل مفاتن المجاز، وحلي الصورة، واستعار من أزمنة الشعر واللغة، ومن غياهب الفكرة والاستعارة، ومن ذرى الأساطير والرمز ما جعلها "قصيدة درويش" أي قصيدة هذا العصر دون منازع، وقبلة للشعراء والأدباء الذين لا يكاد يكون منهم من لم يتأثر بها، وكانت للكثيرين بوصلة الشعر، والأنموذج المحتذى، والنص الأكثر تأثيرا حتى التناص أو التماهي.
"قصيدة درويش" أي أعلى درجات الشعرية، ومعيار الحكم على النص الشعري المعاصر بكل حضوره ولغته .
يحق للقصيدة أن تبكي..!!
ويحق للحزن أن يحزن، وأن يتربع بهيا على ظلال الذاكرة السكرى بالشعر، وبالوطن وبالأرض، بالعجز المفتنّ، وبالأغنيات الحارقة ويردد كما قال درويش يوما " قل للغياب نقصتني، وأنا حضرت لأكملك".
2.
9 أغسطس 2010\ شرفات جريدة عمان
محمود درويش الغائب، المقيم، الراحل، الخالد، الذاهب، الطالع من كل نص ومن كل قصيدة ببهاء منقطع النظير، مغتسلا في بحورها، ومتصاعدا في ممراتها السرية، هكذا وبالجمال الفادح الذي يحمله النص (المستحيل) الذي كتبه، النص الذي لا يتكرر ولن يتكرر، هكذا تتجدد الذكرى الدرويشية في الروح والقلب، الذكرى التي تغافلنا عنها عاما كاملا، وكأننا لم نكن نريد أن نصدق أن هذا قد حدث فعلا، وأن درويش قد غاب عن أرضنا فعلا، وفقدته خارطة الشعر العربي للأبد، فعلا فعلا ..
ومع الذكرى الأولى لرحيله يتجدد الشجن، ويتعاظم الإحساس بحجم الفقد البيْن، وتتجدد حالة استحضار شعر محمود درويش، والرغبة في الكتابة عنه!
ويحق لنا اليوم إذ نعيش هذه الذكرى، أن نتذكر كل كلمة كتبها، وكل نص أبدعه، يحق لنا أن نتلذذ بنصوصه كما تتلذذ أم بلثم، وشم رائحة ملابس طفلها الغائب، وأن نتتبع أثره كما يتتبع عاشق عيس محبوبه الساري في حلكة الليل على غفلة، وأن نقرأ نصوصه كأنا ما فعلنا ذلك قط، وهو بيننا، ونحن نطمع منه في صورة أخرى، ومعنى آخر أكثر عذوبة وأمضى دهشة، يحق لنا اليوم أن نتألم بصدق لأنه مضى عام وقلب الشاعر صامت وهادئ في خلوده وذراه، مضى عام وسجائره، وأحزانه لم تشعل ذلك القلب لينجب حريقا جديدا، يحق لنا أن نحزن لأنه مضى عام وقصيدة درويشية جديدة لم تكتب، ولن تكتب بعد الآن!

تعليقات