التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

وقفة للعام الجديد

فاطمة الشيدي
القدس العربي
Jan 14, 2017


كل عام وفي البرزخ الزمني بين عامين نقف، نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة، كأم على فراش الموت توصي صغيرتها، وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء، تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها بخشونة وألم، عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا، وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة فأشعلت لحظاتها بالفرح، وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر. تحدّثها عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم، والكثير من الحب الذي أضاء قلوب خدّرها الوجع، عن صرخات أقلقتها ونظرات أربكتها ودموع أرهفت لها السمع، عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير، وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب بصعوبة وحشرجة.
تقصّ السنة الذاهبة حكايتها الطويلة، لطفلتها القادمة ربما على سبيل العبرة والعظة، وحين تنفلت يد من يد نتمرأى ـ نحن الكائنات الخائفة من الزمن أبدا ـ صورنا في مرآة منكسرة بينهما، نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام، ونصلّي ليكون القادم أجمل، قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث.
في نهاية كل عام نقف وقفة تأمل، مع الذات والآخر والحياة، نعيد تقييم مسيرتنا الذاتية والإنسانية، ننظر نظرة طويلة للوراء، ماذا فعلنا؟ وماذا كان ينبغي أن نفعل؟ هل نحن راضون عما حققنا من منجزات تخصنا وتهمنا دون غيرنا؟ عن سعادة نبحث عنها؟ هل كنا أبطأ مما يجب؟ أو أقل اجتهادا مما يجب؟ أو أكثر حماسا ونزقا؟ أين الخطأ في النقص الذي تحصّلنا عليه؟ ولماذا الكثير من الآلام لاتزال تنحر الروح؟
نتساءل قبل كل هذا ماذا كنا نريد؟ وهل حصلنا على كل ما نريد؟ هل وضعنا نصب أعيننا أهدافا لتحقيقها؟ وهل حققناها أو حققنا بعضها؟ هل كنا واعين في التعامل مع صحتنا وأجسادنا من خلال الاهتمام بالغذاء والرياضة؟ هل كنا منصفين في التعامل مع أرواحنا بالتأمل والصلاة؟ هل قرأنا ما يجب من الكتب؟ وهل كتبنا ما نشتهي من النصوص؟ هل ترجمنا تلك الأحاسيس التي توخزنا كالإبر أو الشوك فرحا وحزنا ووجعا وندما لنصوص حقيقية عميقة، كانت بمستوى شعورنا الجارح بالحياة، أم أننا هربنا من الكتابة كي لا نتمرأى جروحنا في مرايا النص، لأننا تعبنا من أن نجسد خيباتنا نصوصا شهية يتلمظ فيها القارئ بأوجاعنا!
هل كنا في مستوى النص والفكرة والكتابة والحياة والإنسانية في مواقفنا؟ أم كانت مواقفنا باهتة وشحيحة الضوء كأعشى يراوح مكانه وهو يظن أنه يقطع المسافات؟ هل انتصرنا للإنسان في أعماقنا بكلمة؟ أم خدّرنا أوجاعنا بالجاهز من الكلام والسطحي من المواساة؟ هل حلمنا ما يكفي من الأحلام
هل صرخنا ما يليق بنا من الصرخات في وجه الحياة الفجة، والقلوب السوداء، والضمائر النائمة، واللسن المسنونة، والقيد المتحفز؟
هل قلنا «لا» بشكل نقي يشبه البلور ويشبه إيماناتنا العميقة بالخير والحق والعدالة، للوهن الرابض فينا، وللعادات الوقحة التي تحد من تحررنا، وللماضي الرتيب الذي يحتجزنا في خانته؟ وللفوضى والعبث اللذين يجرانا نحوهما، وللعصابات الكثيرة التي تنتشر حولنا؟ للزيف والكذب والنفاق والخوف الذي يسكن الكثير من النفوس؟
هل نفضنا عنا الكثير من الغبار والشر والحقد والبريق والسعي وراء السطحي من الأشياء، لنصبح أكثر رقيا ونبلا في عبورنا الخاص؟ هل آمنا بالله كما يجب؟ وبأنفسنا كما يجب؟ وبالكتابة كما يجب؟ وبالحياة كما يجب؟ وبالإنسان كما يجب؟
هل لوّحنا للعام المنصرم بخفة ورشاقة لأننا لم نؤجل الكثير من المشاريع الي تكلست على ظهره، وسنحمل القليل منه ومن أحلامنا ومشاريعنا للعام القادم وبنية صادقة لتحقيقها؟ هل غفرنا لأنفسنا وتصالحنا معها؟ هل غيّرنا طريقنا الذي كان يمكن أن يتقاطع مع آخرين، لنشعر بالأمان والهدوء والسكينة بعيدا عنهم، وتركنا لهم بكل أنفة واحترام مساحاتهم الباهتة والقابلة للسقوط والتثني والانحناء كأي عصا رخيصة، أو التلون كأي حرباء كاذبة، أو الظهور كنيزك سيسقط حتما؟
هل تعلمنا كيف نتقبل الآخر كما هو، ونحترمه كما هو؟ وكيف نزرع زهورا صغيرة على شرفات أرواحنا للقادم ستنمو خيرا ومحبة وجمالا؟ هل تشربنا موسيقى العالم لتتخلل عظامنا وترهف أرواحنا وتعيننا على الطيران بدعة وسكينة؟ هل قرأنا الحياة كلوحة متجزأة ومتعددة ومتداخلة الألوان، فيها الكثير من الجمال من الشروق حتى الغروب حتى حنانات صوت عصفور وحيد، وارتباكة نملة أمام يد طفل تقبض عليها؟
هل تعلمنا كيف نقرأ أبجديات الرضا، وكيف نعانق أفق الحياة الممتد، وكيف نتسامى على الألم والقبح والزيف؟ وكيف نستشعر جمال الأمل، وكيف نتذوق على مهل رضاب السماء، ونغني أغنياتها الطيبة، وكيف نحتجز الوجع خلف ابتسامة خضراء، ونقايض كل شيء بكلمة حسناء؟
هل ضحكنا كما ينبغي لكل فرح دغدغ قلب العالم كميلاد طفل، أو تحرر شعب، أو أمل فتح كوة في قلب العالم للحرية والعدل والمساواة؟ وهل بكينا بما يكفي لكل الموت والخراب الذي عمّ العالم؟ هل تعلمنا كيف نعمّد الروح بالحلم كي تستفيض في البهاء؟ وكيف نذرع مسافة الفرح على ضحكة طفل يتيم؟ وكيف نقيم على حدود الأشياء، وهوامش الكون لننتشي بالغربة واحتمالية الغياب؟ وكيف نتدرب على النيئ من الفرح، والهش من الدمع، والطازج من الحنان؟ وكيف نحيا الحياة كقصيدة لن تكتمل؟ هل قرأنا ما يكفي من الكتب، وهل شاهدنا الكثير من الأفلام التي تعد تقييمنا لنا وللحياة والإنسان؟
هكذا نقيّم حضورنا في عام فائت. ثم نشعل شمعة لعام جديد وأحلام كبيرة وكثيرة، نأمل أن نحققها فيه، ونضع أهدافا واضحة ونسعى لتحقيقها بجدية ووعي. ولعل أهم هذه الأهداف؛ التقليل من العالم الافتراضي السارق للوقت، والمغري بفتنة ليست ناضجة ولا جارحة في حقيقتها بما يكفي وإن بدت كذلك، والاقتراب من العالم الأرضي في المكان والإنسان بما يسعف العمق الوجداني والحياة الحقيقية، وزيادة القراءة العميقة، والاستماع للموسيقى الجارحة، ومشاهدة الأكثر من الأفلام والمعارض، والجمال والطبيعة، والكتابة الجادة وتنقيح المخطوطات المتراكمة في الأجهزة قبل الغياب الذي لا ميعاد له.
كما علينا الاعتناء برفع منسوب المحبة للأحباء والأقرباء والأصدقاء بقضاء الوقت بينهم وشفاعة الزمن في أرواحهم الصادقة، وزيادة الاهتمام أكثر بالتفاصيل التي تشعل الروح، وتشغل العقل، وتنفع الجسد؛ كالتأمل والصلاة الروحية، والرياضة والصحة والسفر والعمل الجاد والتحصّل على علم أو معرفة جديدة، أو اكتساب مهارة جديدة دائما. والبعد ما أمكننا عن كل القبح والعاهات والأورام والأوهام التي تمشي على قدمين، والتخلص من كل الأحقاد والتفاهات والصغائر اللاإنسانية، والانحياز التام للجمال والخير، والاتساع الضمني، والتعددية الفكرية والروحية، وتربية الضمير الكوني والإنساني الحي. هذا هو أهم ما على المرء التأكيد عليه كل عام، ومن ثم جدولة الزمن الذي يتسرب من بين أيدينا (كقابض على الماء خانته فروج الأصابع) لتحقيق هذه الأهداف والأمنيات، ولكي نليق بإنسانيتنا ووعينا.
كاتبة عُمانية