فاطمة الشيدي
9 أغسطس 2016
جريدة عمان ملحق شرفات
الزمن هو قضية الإنسان الوجودية الكبرى، الفكرة التي شغلته أبدا ولم يستطع القبض التام على جميع مفاصلها، تلك المسافة التي يعبرها الكائن عبر الممكن والمستحيل من الأحلام والذكريات والأفكار، حرية الروح في مسارات عبورها المؤطّر بالمكاني، والذي تظل تحاوره، وتحاول الانفكاك منه للتحليق في مداها الزمني البعيد الماضي (الذاكرة) ومداها الزمني البعيد المستقبلي (الحلم) بوسائلها الخاصة وأدواتها المتغيرة عبره.
والكتابة هي تاريخ الكائن في الزمن، ذلك التسجيل الراسخ، أو النقش الجارح (بكل الأشكال اللغوية المتاحة) للعبور، ولذا فحين تنهي رواية تشعر بأنك عدت من سفر طويل أو قصير ممتع وملهم، عدت بذاكرة جديدة اتحدت مع ذاكرتك القديمة، واندغم زمنك في زمنها، وتاريخك في تاريخها، وشخصك في شخوصها، تعود ممتلئا بتفاصيلها الزمنية والمكانية، فإذا كانت الرواية من مكان آخر فهما سفران، سفر داخل اللغة، وسفر في المكان الآخر البعيد، توغّل في ثقافة أخرى، فيتحدث ذلك التوحد عبر اتحاد الزمني بالزمني، والمكاني بالمكاني، فإذا كانت الرواية (جنوب الحدود غرب الشمس)لـ«هاروكي موراكامي»؛ فقد عدت من ثلاثة أسفار، فهناك سفر آخر لمكان بلا حدود، وزمن يبدأ فلا يتوقف، إنها الموسيقى.
إن هذه الرواية الممتعة تتخذ من الزمن حليفا لها في رقصتها اللغوية المتصاعدة في اللذة والافتتان، واغتسالاتها الضمنية عبر لجج لا تنتهي من الموسيقى المتصلة الحلقات، المتواصلة الحضور، المتصاعدة اللهفة، اللاهثة التشكّل، المتحكّمة في سير الأحداث، والمحرّكة للشخوص، ولذاكرة السرد وللمكان والزمان معا، الموسيقى التي تتحد مع القديم والجديد، عبر الذاكرة والحلم، فتنفصل وتتصل، وتفصّل كل الأحداث عبر لحن قديم، أو أغنية تشعل الذاكرة، أو قطعة موسيقية تصنع الحدث، فالموسيقى هي روح السرد، ومحرّك الأحداث، بل هي الحدث الأهم للسرد، وهي الباعث الأساس لكل في مفاصل الرواية وآفاقها ومجرياتها وأحداثها.
هذه الرواية التي حيكت ببساطة متناهية، وذكاء لغوي شديد، بحيث لا يسرد المؤلف رواية خارقة، عن شخصية فارقة، ولا حتى يريد تخليد حدث استثنائي، أو معالجة قضية كبيرة؛ بل يبني موراكامي روايته على استحضار شخصية متكررة في الحياة والمجتمع، شخصية بسيطة، تشبهه ربما مؤلفها، وتشبه الكثير من القراء، ليصنع من أحداث حياتها الزمنية المتناهية العادية حكاية لا عادية، ورواية فارقة في التشكيل السردي، والصنعة الفنية.
إنها حكاية الفتى الصغير وحيد والديه «هاجيمي» الذي ولد في يناير 1951، «الأسبوع الأول من الشهر الأول من السنة الأولى في منتصف القرن العشرين. شيء للذكرى، وأظن أن هذا سبب تسمية والديّ لي «هاجيمي» أي البداية باليابانية، غير ذلك كانت ولادة طبيعية مائة بالمائة، كان والدي يعمل في مكتب سمسار بورصة كبير، وأمي ربة بيت عادية. أثناء الحرب جُنّد والدي الذي كان تلميذا وأرسل ليحارب في سنغافورة. بعد الاستسلام، قضى بعض الوقت في مخيم أسرى الحرب، حرق بيت والدتي في غارة جوية لطائرات ب-29. لقد عانى جيل والديَّ كثيرا، من الحرب الطويلة، مع ذلك عندما ولدت ما كان لأحد أن يعرف أن حربا دارت رحاها ههنا. لا أثر لحريق ولا وجود لجيش احتلال» ص5
هاجيمي الذي عاش وتربى وحيدا، وكأي طفل عادي دخل المدرسة في سن السادسة، وهناك تعرّف على الطفلة الوحيدة شيماموتو وأصبحا صديقين فزارها في البيت، لتنقل له ثقافة أسرتها وهي الاستماع للموسيقى، فأخذا يستمعان معا للموسيقى لتبدأ من هنا حكايته الخاصة وروايته المتفردة عبر الحب والموسيقى «في سن السادسة ذهبت إلى المدرسة الابتدائية، حيث كانت هناك طفلة أخرى وحيدة فقط، لذا أذكرها (نعم كانت بنتا) كان عليّ أن أتعرف عليها جيدا، فرُحنا نتكلم عن أمور شتّى، فهمنا بعضنا بعضا، ويمكن القول أنني أحببتها أيضا. كان اسم عائلتها شيماموتو. أصيبت بعد مولدها بوقت قصير بشلل الأطفال، مما جعلها تجر ساقها اليسرى جرا، علاوة على ذلك، انتقلت إلى مدرستنا في نهاية الفصل الخامس. مقارنة بي كانت تتحمل عبئا نفسيا فظيعا وتكافح ضده، غير أن هذا العبء جعلها رابطة الجأش وأصلب عودا بشكل يفوق ما تخيلت لطفلة وحيدة. لم تنتحب قط ولم تتذمر» ص 7
ارتبط هاجيمي بشيماموتو ارتباطا طفليا وإنسانيا خاصا وعميقا «وكلما تكلمنا أكثر اكتشفنا ما يجمعنا: حبنا للكتب والموسيقى، دون أن نغفل القطط. كما كنا نجد صعوبة في التعبير عن مشاعرنا للآخرين» ص10
تعرف هاجيمي على شغفه في بيت شيماموتو، واكتشف نفسه، لتتخذ حياته بعد ذلك مسارات كثيرة ومتفرعة، ولكن كلها تدور حول الموسيقى «كان في بيت شيما موتو جهاز ستيريو جديد في حجرة المعيشة، وكنت أذهب إلى هناك للاستماع للموسيقى… لم يكن في بيتنا أسطوانات ولا جهاز لتشغيلها. لم يهتم والداي بالموسيقى، لذا كنت أستمع للموسيقى عبر مذياع بلاستيكي صغير، روك أند رول الموسيقى المفضلة لدي، لكنني صرت أستمتع بالموسيقى الكلاسيكية التي عند شيما موتو» ص 12
تغلغلت الموسيقى لوجدانه، واقترنت بالحياة الداخلية والخارجية لديه، ومنذ البدايات حتى النهاية سيكون هناك موسيقى في كل مكان يسكنه، وكل مرحلة يعيشها «كنت أجلس وإياها مرة أو مرتين في الأسبوع على الأريكة نشرب الشاي الذي تعده أمها لنا ونقضي بعد الظهر في الاستماع إلى استهلالية روسيني، وريفية بتهوفن، ولحن بيير جينت الأوركسترالي… ومن بين أسطوانات والدها كلها، كان تسجيل لكونشيرتو بيانو «ليست» المفضل لدي» ص13، كانا يتكلمان، ويكبران، وتتفرع أحلامها، وتهدأ نفسيهما، ويذهبان في الزمن عبر الموسيقى التي طوقت روحيهما، وأشعلت فتيل الحب في روحيهما الصغيرتين «في البعيد نات كينيج كول يغني «جنوب الحدود» الأغنية عن المكسيك، لكني لم أعرف آنذاك. لكلمات «جنوب الحدود» وقع مغر. كنت مقتنعا بأن شيئا رائعا يكمن جنوب الحدود. عندما فتحت عيني، كانت شيما موتو لا تزال تحرك أصابعها على تنورتها، شعرت في مكان عميق داخل جسدي بألم حلو رائع». ص18
ولكن الزمن المتحرك باتجاهاته القدرية التي كثيرا ما تجيد صناعة الألم، أحدث هزته الأولى، فانتقل هاجيمي من المدرسة وبالتالي انقطعت علاقته مع شيماموتو، رغم أنه ظل يحلم بها كل الوقت، ومع الألم والحلم والذاكرة مضى في الحياة، ووصل للمرحلة الثانوية بعيدا عنها، لكن ظل شغفه الخاص متجددا «أحببت القراءة والاستماع إلى الموسيقى، فلطالما أحببت الكتب ولقد عزز حبي لها صداقتي مع شيماموتو. بدأت في الذهاب إلى المكتبة العامة والتهام كل كتاب تقع عليه يدي، حين أشرع في قراءة كتاب لا يمكنني تركه. كانت القراءة مثل الإدمان أقرأ وأنا أتناول الطعام، أقرأ في القطار، في الفراش حتى ساعة متأخرة من الليل، أقرأ في المدرسة، حيث كنت أخفي الكتاب حتى يمكنني القراءة أثناء الدرس … كنت قد اشتريت جهاز استيريو قبل فترة، وصرت أقضي كل وقتي في حجرتي أستمع إلى أسطوانات الجاز لم تكن لدي رغبة في الحديث مع أحد حول ما أجنيه من الكتب والموسيقى، شعرت بالسعادة لكوني أنا نفسي وليس أي شخص آخر» ص24
وفي الثانوية تعرف على مع زميله «وصار عندي صديقة… كان اسمها أزومي» ولم تكن جميلة جدا فـ«مع بعض الاستثناءات القليلة لا تثيرني النساء الجميلات عادة… والممثلات الساحرات وعارضات الأزياء لا يثرن اهتمامي، لا أدري لماذا لكن الأمر هكذا. بالنسبة لي كان الحد الفاصل بين العالم الحقيقي وعالم الأحلام دوما ضبابيا، وكلما رفع جمال فاتن رأسه، لم يكن الوجه الجميل كافيا لإثارتي… لم أنجذب دوما لجمال خارجي قابل للقياس، بل شيء أعمق، شيء مطلق» ص47
ولكنها «فترة المراهقة» التي يتخذ فيها الجسد محور كل العلاقات ومبعثها، ولذا كان يحلم بجسد «أزومي» كثيرا ولكنها كانت متحفظة في العلاقات، ولذلك أقام علاقة جسدية مع أول امرأة تعرّف عليها وهي ابنة عمها، وحين كشفت أزومي علاقته بها تركته فظل يشعر بالذنب، وهكذا ظل يتنقل في ذاكرته بين «شيماموتو» و(أزومي) حتى ما بعد المرحلة الجامعية فلم يكن قادرا على إقامة علاقة جديدة في الجامعة وما بعدها، بل وتبع شيماموتو ذات يوم دون أن يعرفها، لأنه شاهد امرأة تعرج في مشيتها.
عمل بعد تخرجه في صناعة الكتب المدرسية، ولم يكن سعيدا البتة، بل كان يشعر أنه يفنى ويحترق في عمله فقط من أجل كسب لقمة العيش، حتى التقى بزوجته يوكيكو وتزوجها لما شعر به من أمان وسكينة في روحها، فساعده والدها في افتتاح بار خاص به، ثم توسع واشترى بارا آخر وشقة لأسرته التي كبرت فقد أنجب طفلتين.
كانت حياته تسير بهدوء لا يخلو من رتابة، ولكن شيما موتو كثيرا ما تطرق ذاكرته، وفي يوم ما عمل لقاءً في مجلة، وكان يحلم بلقاء أصدقاء المدرسة القدامى بما فيهم شيماموتو، والتقى بالكثير من زملاء الدراسة فعلا، حتى حدثت اللحظة الفاصلة فحضرت شيماموتو للبار، والتقيا بعد زمن طويل، بعد أن أصبحت أجمل وأكثر جاذبية، وهناك بدأت علاقة غامضة بينهما، أو ربما تجددت علاقة طفلية جارحة، لكنها كانت قادرة على قلب حياته رأسا على عقب، فلقد تعلّق بها كثيرا، ولمس وجعها، كما لامست روحه ملامسة الحلم البعيد، والمختلف المفتقد.
– «قالت: «جنوب الحدود، غرب الشمس»
– «غرب الشمس»؟
…- سألتها « لكن ماذا يوجد هناك غرب الشمس»
هزت رأسها ثانية: (لا أعرف، ربما لا شيء، أو ربما شيء ما، وبأية حال هو مختلف عن جنوب الحدود) حين بدأ نات كينج كول يغني «تظاهر» راحت شيما موتو كما كانت تفعل منذ زمن طويل تغني معه بصوت منخفض. (تظاهر أنك سعيد عندما تكون حزينا، عمل ذلك ليس صعبا). ص199
ولكن شيماموتو عادت فاختفت بذات الغموض الذي حضرت به، اختفت بعد أن تركت في جسده وروحه فقدا كبيرا وألما فجا، وصدعا في علاقته بأسرته، لم تكن الحياة قادرة على محوه بسهولة، حتى لمح يوما أزومي وقد تحولت لكائن آخر بلا أي تعبير، كائن له ملامح الموتى تماما، وكان يا طالما شعر بالذنب تجاهها لأنه السبب في ذلك، كانت تلك الصورة الموجعة لأزومي، فقط قادرة على إخراجه من جُب المجهول الذي يسمى شيماموتو، وكأن الفقد لا يعالج إلا بفقد، أو لشعوره بأنه حصل على عقابه المستحق على خيانة أزومي. ليعود لبيته وطفلتيه يحلم بيوم جديد سيظل فيه غير قادر على التنبؤ بمصير الكائن، وتغيراته وتقلباته وأنه قد يذهب به الأمر مجدد لذات الحالة، أو لحالة أخرى أكثر رهافة أو أكثر ألما، فلا فرق فهذه هي الحياة.
في منتصف الرواية ستقول لنفسك، ماذا يفعل بنا هذا الكاتب؟! إنه لا يقول شيئا جديدا، إنه فقط يحكي حكاية بسيطة جدا، لرجل عادي جدا، ليس فيلسوفا، ولا كاتبا ولا حتى مجرما كبيرا، ليس مثاليا، ولا رأس مالي كبير أيضا، إنه ببساطة ليس بطلا بل هامشيا لدرجة أنك لا تراه في الحياة إلا إذا تقاطعت معه شخصيا لسبب ما، فلماذا يرغب في تخليده عبر اللغة في رواية كاملة؟! وربما تفكر بجدية في ترك الرواية وعدم إكمالها. ولعل هذا تحديدا ما أراده موراكامي، حيث يريد أن يقدم لنا شريحة إنسانية بسيطة، تحب وتعيش وترتكب الأخطاء البسيطة، تأكل وتشرب وتفقد وتعتذر.
فالفيلسوف الكاتب قال عبر هذه الرواية، وعبر تأملاته الفلسفية العميقة والجارحة الكثير من الأفكار، فلا يُذهِب الماضي سوى الماضي، ونحن نحب الماضي ونتعلق به لأننا لم نختبره، ولذا دائما نحتاج للمصالحة مع الأشياء عن قرب. والموت حالة محتملة كالحياة تماما، فهو جزء منها وغير طارئ عليها، نحن الذين نمشي في الحياة ونحن نحمل عبء أقدارنا الجارفة.
قال كل شيء عن الحب والحياة والزمن والموسيقى، بلغة بسيطة، ولكنها كانت قادرة على حَبك كل التأملات الشعرية بعذوبة تشبه الموسيقى تماما، قادرة على جذبك لزوبعة من الجمال الشهي، والجنون الجميل، لغة كالفكرة العامة للرواية السهلة والبسيطة ولكن الضمني منها كان موغلا وجارحا وعميقا لدرجة أن يدفعك للبكاء أو الرقص أو كلاهما معا.إنها رواية تستحضر رفعة الأفكار التي تنبثق عبر التأملات الجوانية التي تدفعك للتحليق في عوالمها.
والحب هو الفكرة الكبرى للرواية، الحب الأول، والحب الثاني، والحب الحقيقي الذي هو الأخيرغالبا، حب الحياة والأسرة والعمل والوجود الكبير، تستنطق الرواية روحك ووعيك، حضورك وغيابك، نزقك وحكمتك، في حين تستشعر أن ثمة خلفية موسيقية ترافقك في النص من أول صفحة حتى النقطة الأخيرة، لتستمع لهاندل وموزارت وبيتهوفن وآخرين، منذ العنوان حتى آخر قطعة موسيقية في الرواية أو آخر كلمة فيها.
.........................................................
*جنوب الحدود غرب الشمس، هاروكي موراكامي، ت: صلاح صلاح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب.ط2، 2007.
تعليقات