جريدة العرب
20-7-2016
- أسألك عن البدايات.. ما الذي جعلك تتجهين صوب الكتابة الإبداعية والأدبية؟
تحدث البدايات بلا وعي ولا تخطيط غالبا، هكذا كحكة في الأصابع، كلام مزدرد في الحنجرة، رغبة في البوح، محاكاة لكتابة ما، رغبة في قول شيء ما بطريقة مختلفة، كل شيء يجعلك تذهب في اتجاه الكتابة رويدا رويدا حتى تصبح يوما ما كأنها الأهم والأكثر قابلية للتشبث بها والتعبير عن ذاتك فيها. ثم تتدرج في الانغماس الكلي حتى تصبح لاحقا هي الحقيقة الأكثر جدوى، والواقع الأكثر جمالا وبهاء.
- ما سبب تعدد اهتماماتك الفنية والأدبية؟ وفي أي حقل تجدين نفسك أكثر تميزا؟
لا أظنني متعددة جدا، أنا فقط كاتبة تراوح منطقة النص بكل ممكناته الفنية وتصاعداته الموضوعية أو ما يمكن أن يسمى بالتعددية الشكلانية، ولأنني لا أنتمي للأشكال سلفا، بكل معطياتها الجمعية الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية وأسعى جاهدة لتجاوزها أو الخروج عليها، فهذا ما يحدث في النص. ولذا طرقت الكثير منها لأبني عبرها أو عبر ما يناسبني منها ما أريد قوله بطريقة معنائية، بلا تحديد مسبق لشكل البناء، المعنى هو المهم بالنسبة لي، والقبض على الفكرة في تجسيداتها الجوانية وليست البرانية هو الأكثر مصداقية وفنية، ولا أظن أن ثمة شرطية حرفية للتعاطي مع الشكلانية النصية ضمن شكل موحد أو محدد، بل علينا الاهتمام بالروح النصية وفق مع يناسبها من الأشكال.
كما أنني قارئة قبل الكتابة، وبعدها، وبين مفاصلها الجوهرية، أنا قارئة أولا وأخيرا، وأهتم أن أظل كذلك ولذا أقدم أحيانا المقروء النصي عبر نص جديد لأفسره أو أنتخبه لقارئ قادم، أو حتى أعترض عليه بصيغة فنية ما قراءة أو نقدا، فهل هذا ما يسمى التعددية؟ فهو بالنسبة لي فقط أنني أكتب وأقرأ، بلا تمايز ولا تميز ولا سعي واع لذلك.
- برأيك.. إلى أي مدى نجحت القصيدة العربية الجديدة في التطوير من نفسها والانطلاق نحو أفق أكثر رحابة؟
لقد فعلت القصيدة العربية ذلك بقوة، وخرجت على كل الأطر الجاهزة ثقافيا وتاريخيا، القصيدة العربية الجديدة عميقة جدا وجارحة وإنسانية واستفادت من التاريخ والآخر والثقافة التي تنتمي إليها والثقافات الجديدة، استفادت من كل المعطيات الدينية والحضارية والميثلوجية والعصرية بما ذلك الوجع الإنساني، والظلم والقهر وكل التفاصيل، والحالة الرقمية أيضا. هذه القصيدة هي التي تستلذها الذائقة الراقية، ويستعذبها المتلقي، شاعرا وناقدا ومتذوقا، وهي بالطبع ليست كل ما يكتب، أو حتى كل ما ينشر، ولكن هذا يحدث دائما في كل عصر وفي كل الثقافات، إنها الخلاصة الصافية، إنها القليلة الممتلئة وليس الكثيرة الشائعة، ولكنها ناجحة وعميقة.
- كتبتِ الشعر والرواية.. برأيك ما الذي يمنحه الشعر للكتابة السردية؟ هل الكتابات الشعرية تسهم في ترسيخ التجربة السردية بشكل أفضل؟
الشعر فعل ساحر، فعل الجمال والتغيير، وما وجد الشعر في عمل أو إنسان إلا وجعله جميلا وخاصا ونبيلا، وبالتالي فنعم يؤثر الشعر في الرواية، فيمنحها الخلود، ويمنحها الجمال، يمنحها الشغف واللذة يمنحها الفارق الجوهري بين تراتيبية الحكاية وشعريتها، بين سيرها المثقل البطء بالحكي والاحداث، وبين تحليقها العذب، وخفتها الرشيقة، وتناغم سيرها الراقص، وبالتالي يحيلها من سرد طويل ممل إلى عذوبة حقيقية، وهكذا يضيف الشعر عمقا للسرد، ومتعة للمتلقي، وخلودا للعمل.
- كتبت رواية واحدة وعدتِ بعدها إلى كتابة الشعر.. ما الذي دفعك نحو كتابة الرواية؟ وهل تخليتِ عن كتابة الرواية أم أنك ستكتبينها لاحقًا؟
أنا نسبيا متأنية في النشر على الأقل فيما مضى، كما أن كتابة الرواية ليس بالأمر بالهين بالنسبة لي، ويستدعي الكثير من الوقت والكتابة الجادة، والبحث والاشتغال على روح النص ومفرداته وتفاصيله، عكس الشعر الذاتي، أو النص السردي القصير والذي يمكن تشكيله بعد الدفقة الأولى بسهولة ويسر.
كتبت الرواية ذات يوم لأنه كانت لدي حكاية عميقة في رأسي، أوسع من النص والشعر وبها شخوص وحبكة وتفاصيل لن يستوعبها أي شكل آخر غير الرواية، وماتزال لدي حكايات في رأسي أظنها تريد أن تتشكل روايات يوما ما، لا أعرف متي، ولذا أنا لم أتخل عن كتابة الرواية، ولكنني لا أدري متى سترى روايتي الجديدة الضوء.
-في زمن أطلق عليه "زمن الرواية".. ما هي مكانة الشعر في الوقت الراهن؟ ولم شهد تراجعًا برأيك في مواجهة الرواية؟
الشعر منذ البدء فن نخبوي، متعال ورفيع، وليس للعامة، وليس على الجميع فهمه وتذوقه، بل هو لتلك الأرواح الشاعرة، وللمتذوقين لرهافته، والمستشعرين للذته وجماله، وهنا أقصد النص العميق غير المنبري ولا الإعلامي الذي يريد توصيل فكرة ما، فحتى في العصور التي كان فيها الشعر "ديوان العرب"، كان هناك شعر للتأمل والالتذاذ والرقي الفكري خاص بالقلة المتذوقة، وهو الشعر الخالد، وبالطبع كان هناك أيضا شعر مدائحي للتكسب، وشعر إعلامي عام يقوم مقام أجهزة الإعلام اليوم، وهو الأكثر انتشارا والأقل قيمة، وهناك شعر غنائي للتسلية والترنم والترويح عن النفس في الخلوة في السفر وعلى ظهور الدواب.
أما اليوم وقد وُجدت أجهزة الإعلام فالشعر تخلى عن فكرة الإبلاغ نحو روح البلاغة المحضة، كما أن المدائحية أضحت عارا معيبا على الشاعر الحقيقي، مع وجودها طبعا، والغناء أصبح فنا مستقلا له شعراؤه كلماته التي غالبا تأتي من الشعر الشعبي، أو من النصوص السهلة المكتوبة أصلا للغناء، فبالتالي فالشعري الراهن لم يعد يحتمل صفاقة الإبلاغ، وفكرة البث، ولم يعد يحفل بالتكسب، وناء بعيدا عن بساطة الغناء والترنم فأصبح بلاغيا فقط، ولكن المتلقي العام لم يستلذ هذا النوع من الشعر الرفيع، ولم يستوعبه أو يتذوقه، ولذا ظل يبحث عن السهل والممكن من الكلام.
إذن لم تتغير مكانة الشعر، ولكن دوره تغير من الإبلاغ إلى البلاغة، وبالتالي فلم يتراجع ولم يفقد مكانته، ولكنه فقد قاعدته الجماهيرية التي تخلت هي عنه، بعد أن تخلى هو عن تجسيد أحلامها وأفكارها ومعطياتها الهشة والجاهزة والمنبرية بالدفاع عن بعض أفكارها، أو ترديد أحلامها كأغنيات جمعية، فالتراجع كان للمتلقي وليس للشعر، وعاد الشعر ليكون نخبويا كما هي حقيقته وكما يليق به،
ولا ينبغي مقارنته بالحكاية، التي كانت منذ القدم ابنة الجماهير العامة باختلاف ألسنتهم وتجمعاتهم وظروفهم المعيشية، فهي قصص حيواتهم المحكية، ووسيلة تعليمهم، وترفيههم، ومسامراتهم، فهي تنبثق من حيواتهم، وتقوم على تفاصيلهم، وحكاياتهم. فهي تجسد الواقع مطعّما ببعض الكذب والمبالغة والخيال، فلا عجب لمكانتها الحالية التي ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الإنسان والطبيعة والفكرة والخوف والأساطير . لا ينبغي المقارنة بينهما لأن لكل منهما مجال وقراء وعشاق.
-ما رأيك في تصنيفات الأدب ومنها الأدب النسوي والاتهامات التي قد تلحق بالكثيرات من جراء كتابتهن عن عوالم المرأة؟
أولا: الكتابة في انبثاقها الجوهري والحقيقي تنطلق من الذات، وتعبر عن مشاكلها وقضاياها وإحساسها بما ومن حولها، ولذا فلا ضير ولا ضرر أن تكتب المرأة عن قضاياها، لأنها الأكثر إحساسا بها، واستشعارا لقهر المجتمع لها، فهذه لغتها وتلك حياتها. ولكن ليس علينا التعميم بحيث يكون كل ما تكتبه المرأة يدرج ضمن فكرة الأدب النسوي، بل هناك روايات كثيرة كتبتها نساء وأبطالها رجال، وفكرتها بعيدا تماما عن قضايا المرأة، فهذه لا تدخل من باب الأدب النسوي.
ثانيا :هناك تصنيفات عديدة للرواية أو العمل الأدبي؛ فهناك الرواية التاريخية، وهناك الرواية السياسية، والبوليسية، وغيرها من التصنيفات، فلم لا يكون هناك الرواية النسوية، إنها ليست وصمة بل هي تصنيف فكري حسب الموضوع الذي تطرحه الرواية، لذا نعم يمكننا أن نطلق فكرة الرواية النسوية على الروايات التي تهتم بقضية المرأة، وبمحاولة كشف الظلم أو القهر الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا أو في أي مجتمع آخر، أو حتى تكون بطلة الرواية امرأة لها فكر نسوي، تريد بثه لتحريك قضية المرأة باتجاه ما انطلاقا من مظلوميتها الاجتماعية والثقافية والإنسانية القديمة والتاريخية ربما، ولكن بالطبع التعميم هو مشكلة في عالمنا العربي، فليس كل ما تكتبه المرأة أدبا نسويا، بل أحيانا بعض مما يكتبه الرجل يمكن أن يدخل في تصنيف الأدب النسوي، وهكذا فالتقسيم ينبغي أن يكون للفكرة المعالجة، وليست لكاتب النص.
- ما الهواجس التي تحرك قلمك؟ وماذا تنتظرين من الكتابة؟ وما هو الدور الذي يتعين على الكتابة أن تقوم به؟
هذه ثلاثة اسئلة قوية، كل شيء يحرك قلمي، أعصاب الكاتب الحقيقي هو مثل سلك كهربائي سافر جاهز للاشتعال مع أي شرارة، ولذا فكل قضية إنسانية، وكل وجع داخلي، وكل هزيمة وجودية أو قومية، وكل قهر ووجع ودمع يحرك قلمي.
أما ما أنتظره فهو أن يكون لدينا قرّاء، قراء من كل طبقات المجتمع من سياسيين وإعلاميين وعلميين وفنانيين وكتاب، أنتظر أن يكون الكتاب أداة تغيير في مجتمعاتنا النائية عن الثقافة اللاهثة وراء المادة بشكل مخجل، أنتظر أن نرقي ونتغير ونتحرك للحقاق بركب العالم المتحضر الذي أصبح بيننا وبينه بون شاسع جدا بفعل القراءة.
ولذا على الكتابة أن تكون حقيقية وناقدة وعميقة، وليس بروازا أو تشريفا أو مجدا زائفا يسعى إليه البعض، أن تكون هي السلطة الأولى في تغيير الوعي، وفي محاكمة السلطات وفي تغيير الوضع الجمعي. فهذا دور الكتابة، وهذه مهمة الكاتب.
-هل لك طقوس معينة للكتابة تتطلب منك تقمص حالات وجدانية ما لتخرجينها على الورق؟
طقوس كلمة بروتوكولية نوعا ما، وبها هالة من الرسمنة الخارجية، يمكنني أن أقول أن لدي إملاءات داخلية أكثر منها طقوس، فلا يمكنني أن أكتب إلا حين تريد الكلمات أن تسقط على الورقة، وأن تتشكل عبر الكتابة لنص علي الامتثال التام لحضوره ولتدوينه في تلك اللحظة، وإلا غادر وظللت في تعب وإرهاق، خاصة في الشعر والنص.
وفي الحقيقية أنا لا أذهب إلى الكتابة بل هي التي تأتي إلي، تأمرني فأنصاع، لأتحصل على فرح داخلي، وخلاص حقيقي من كل شيء، الكتابة تحررني مني ومن اليومي البليد، ومن الداخل والخارج ومن كل شيء .بالطبع أن أفكر كثيرا في الكتابة، فالكاتب مشغول أبدا بهواجسه وأحلامه وموضوعاته التي يريد أن يخطها الآن أو يوما ما، ولكن مع تلك الإملاءات الغيبية قد أكتب شيئا آخر تماما ما أن تحين لحظة التدوين، الكتابة ليس ترفا وليس شرفا، إنها معاناة حقيقية وإن كانت معاناة لذيذة ومدهشة، ولكنها تظل معاناة وحالة تحكّم قصوى وجذرية للتكون النصي حتى يتخلق بعد مخاض عسير.
-لك عدد من الكتابات النقدية.. ما الذي أضافته دراستك للنقد لتجربتك الإبداعية؟
لدي إصدار نقدي، وعدد من الدراسات والمقالات النقدية والفكرية، وهذا مجال دراستي وعملي ووعي، أما ما أضافته لي الكتابات النقدية فهو كثير، كالضبط والموضوعية والوعي الفني، ومحاكمة النص عبر أدوات فنية عميقة ومتجددة، فتتكوّن لديك القدرة على تقييم النصوص، والاستمتاع بتحليلها، وكشف مخبوءاتها، وبيان مفاصل جمالياتها وضعفها، وكل هذا يعمق لديك تجربة القراءة والوعي بالمقروء. ودقة الملاحظة، وعمق الرؤية، كما يجعلك دائما في حالة حرص على متابعة الجديد نصا ونقدا.
وكل هذا يصب في تجربتك الخاصة فيجعلك أكثر حرصا على نصك، وأكثر شجاعة في الحذف، ورصانة في التشكيل، ويسهم في التخلّص التدريجي من تحليقات الكاتب وتهويمات الكتابة، والحلمية المفرطة التي هي ميزة ولكنها سلاح ذو حدين. فالنقد يضيف الحكمة والاتزان للمشتغل به، عبر قراءة نتاجات الآخر العميقة ورؤيته السابرة، ومحاورته للنص، وبالتالي تتلافى لاحقا الكثير من الهنات والضعف فيما تكتبه، بحيث يكون لنصك تقييم ذاتي أكثر رصانة وموضوعية وقسوة أحيانا.
- وما تقييمك للمشهد النقدي في عمان؟
المشهد الإبداعي في عمان عريق وجزل، ومتنوع الإبداعات، ومتعدد المشارب والتوجهات، وهو حاليا مندفع بقوة الدماء الجديدة، والمحاولات المستمرة من أجيال متلاحقة تكتب جميعها في مشهد واحد، ولكن المشهد النقدي حديث وناشئ خاصة فيما يتعلق بالناقد العماني، ولذا ربما ما يزال أسير البدايات الجديدة بحكم التكوّن المتأخر، وقلة الأقلام المتخصصة، فهو يتحرك ببطء وخجل. ولذا ورغم تعاضد بعض الحراك الداخلي والخارجي لصناعة مشهد نقدي ما، ورغم بروز بعض الأصوات النقدية الشابة إلا أنه مازال يحتاج زمنا من المحاولات والدراسات والاشتغالات الجادة للنهوض والتبلور والتحقق، ليستطيع تقديم صورة نقدية فعلية توازي بشكل ما المشهد الإبداعي أو تستطيع اللحاق به لتقديمه وتقييمه.
-أخيرًا.. ما هي مشاريعك القادمة؟
المشاريع كثيرة، والكاتب مشغول أبدا بفكرة ما، أو مشروع ما، ولذا فلدي الكثير من المشاريع الناقصة، والكتابات غير المكتملة، والكتب شبه الجاهزة التي تطالبني بوضعها بين غلافين، شعرا وسردا ونقدا، ولدي القليل من الوقت، والكثير من المشاغل، والكثير من التريث، والكثير الكثير من الأفكار حول لا جدوى النشر، ولذا أتحرك أبدا بارتباك وثقل بين إغواء النشر، واللاجدوى منه، وسأذهب حتما مع إحداهما ذات لحظة جنون أو يأس.

تعليقات