فاطمة الشيدي
القدس العربي
4-6-201
لم يكن الخلل الذي أصاب حاسوبي إلا بداية الرعب الذي داخلني حول فكرة غياب كل ما كتبت دفعة واحدة، وبداية التفكير في فكرة المحو المتعددة الأوجه، وتداعياتها الكثيرة التي يعيشها الكائن في هذا العصر عبر الحياة الطبيعية أو الكونية الرقمية التي يعيش الجميع تقريبا ضمنها بوعي أو لا وعي، حيث ينفتح العالم بين أيدينا، وتنفجر المعلومات في وجوهنا حتى لا نكاد نستطيع اللحاق بها، أو السيطرة عليها، بل وقد تسيطر علينا هي بكامل إرادتنا.
إنها الكونية الرقمية القائمة على المحو سلفا، والتي أصبح الكائن الهش يعيش عبرها الحياة كل لحظة دون أن ينتبه لذلك أو حتى يحفل به. غياب الوعي المخدّر من جهات عدة، غياب الوقت الذي لم يعد يحسب له حسابا أمام تداعيات الحالة، وشغف مواقع التواصل الاجتماعي الذي تمكّن من الكثيرين منا، غياب القيم الكبرى تدريجيا، غياب الحس الجمالي بالتذوق الرفيع للنص والفن والموسيقى، غياب الخصوصية حيث يكتب الأغلبية تقريبا على الملأ مباشرة. وغياب الحرية حيث يكتب البعض نصه تحت وصاية الرقيب تماما، الرقيب الداخلي الذي تربى بقسوة وخوف ضمن معطيات ضمنية كثيرة، أو الرقيب الخارجي الذي يحضر كتابة النص والكاتب يدرك أو لا يدرك سلطة وجوده، بل وقد يضع تحت كلمةٍ ما (قد لا يقصد الكاتب المضمون الذي ذهب إليه) خطا أحمر، فـهو أي الرقيب معه وبين يديه، يقرأ ما يكتبه ليكتب عنه لاحقا، ليضعه ضمن فكرة المحو والغياب في أي لحظة.
لقد أغرت الكونية الرقمية الجميع، وأفرزت حالات كثيرة بين سلبية وإيجابية، وكلها غالبا مؤقتة، وحاضرة ضمن فكرة الغياب، ما لم تتأصل بوعي ومسؤولية، ومنهم الحالمون بفكرة التغيير الطوباوية، الذين ما فتئوا يرفعون أصواتهم عاليا في وجه الفساد والظلم والقهر، حَمَلة شعلة التنوير الذين نالهم من المحو والخطر الكثير في مقابل فكرة التغيير المحدودة التي ينادون بها أمام جماهير نفعية غالبا أو مسيّسة أو مندفعة بقوة الجهل والتعتيم، فتأتي الثمرة دون التغيير المنشود، ليقول لهم لسان حال الكونية بفصاحة «على من تقرأ زبورك يا داؤود». فتظل فكرة التغيير حائرة بين المثقف المؤمن بالفكرة، والآخر في عتمته التي يدافع عنها بشراسة.
كما أفرزت الكائنات، المتربصة بصفة شخصية أو بصفة وظيفية، ذلك الذي يقبع في صفحتك في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب تنفسك، وأصابعك، وحزنك وغضبك، ملتحفا بأقنعة شتى كهدهد ينتظر أن يأتي إلى سليمانه بخبر يقين، سواء كان هذا السليمان ينتظر هذا الخبر أو لا، وبنظير مادي أو بفخر مكتشف جبان، ليحمّلك وزر الكلمة أكثر مما تطيق، أو تطيق أنت، ليضعك في قيد أوسع من سأم، وأضيق من ضمير الكلمة، في حين تمهد له أنت هذه الطريق، وتهب له صوتك وصورك ويومياتك بسذاجة إنسان يلتذ بالمقابل البسيط، وهو فكرة الصداقة الكونية وعربونها «اللايك» أو «التعليق» الذي يرضي غرور الكائن الاجتماعي بطبعه كما يرى ابن خلدون. الهدهد الذي قد يكون صديقك أو زميلك أو طالبا من طلابك، أو مثقفا كبيرا، أو كاتبا يثير الحنق وهو يتلوّن كحرباء قديمة، ويقفز فوق المعطيات ليحقق لذاته مجدا زائفا، ومكتسبات بالية بلغة مهترئة ووعي زائف.
كما أغرت الكثير من البشر بالصفات والأسماء، فهذا شاعر الشعراء، وهذا حكيم عصره، وهذا المثقف الجهبذ، وكلها مما يبعث القرف، ويثير الغثيان أمام كشف عورات المجتمعات العربية التي لم تعد كل شجر التوت قادرة على إخفائها. كما يضعها على المحك الواضح ضمن فكرة الغياب والمحو الحادث يوما لا محالة، والتي عليك أن تختارها بين محو علني وحضور ضمني جارح وحقيقي وعميق. فالحقيقة أسطع من كل هذه الظواهر النيئة، ومن كل هذه الأضواء المؤقتة، فللحقيقة جذورها الممتدة، وللوعي جباله الراسخة التي تقنع التاريخ وغرباله العتيد بالمكوث في الأرض، ونفي الزبد. ولذا فكل الراسخ من القول والعمل والأسماء في سجلاته الخالدة كان لأصحاب المواقف وللمؤمنين بالأفكار والمنافحين عنها، في حين كان السقوط والإهمال للمتصيدين وللصائدين في المياه العكرة.
لقد أرهقنا هذا المحو الكوني الحاصل اليوم بلا مبرر، وهذه الحيوات المحمّلة بالضجيج والرعب، حتى كدنا ننسى كل شيء، وقد كنا حتى الأمس القريب في براءة الحضور، وجمال الأمل، وروعة السكون الذي يأتي مشفوعا بالتأني، والوقت الفائض، والبطء النبيل، والحس الجمالي، والرؤية المتعمّقة، والخصوصية الفكرية، والحرية الذاتية حيث نكتب أفكارنا وننقحها، قبل أن نطلقها للنشر. كنا نهتم بالتدوين والحفظ، والآن يعتني بنا المحو، كانت صورنا قليلة ومضمّنة ألبومات مرتبة، ونصوصنا نادرة وثمينة وبعيدة عن الأعين حتى تصلح للنشر، ووعينا رصين وحكمنا متأن. أما اليوم فليس للبعض منا الوقت الكافي حتى ليصحح الأخطاء الإملائية أو النحوية أحيانا، فالجميع يكتب مباشرة، يكتب كثيرا، يكتب كل ما يخطر على باله، يكتب كما يتكلم، وكما يفكر أحيانا، بل وقد يجمع البعض هذه الترهات لاحقا لتصبح كتبا.
إننا بحاجة اليوم لإعادة النظر في قيمة الحيوات الرقمية؛ مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، وفي طريقة تعاملنا معها بهدوء وروية ووعي ومسؤولية، لننتج عبرها وعيا جوهريا، وتغييرا جذريا يجلي قيمة الحياة والثقافة والإنسان. فثقافة الإنسان هي بوصلة التغيير الحقيقي الناضج والمسؤول، وعليها أن تكون واضحة ودقيقة، فالثقافة لا تعني التعليم بالضرورة، فنحن ندرك اليوم أن هناك الكثير من المدارس والمعاهد والجامعات التي تخرج أفواجا من حملة الشهادات، ولكننا نعرف جيدا أيضا أن هذا لا يعني خلق مثقف واحد، بل ولا يسهم في صناعة وعي جاد، أو بلورة ثقافة مستنيرة. فالثقافة هي ما يرقى بروح الكائن عبر القراءة والفن العميق والجارح، وعبر النقد الدقيق والواعي للفكرة والحياة والإنسان، النقد غير المتعالي أو الوقح. فهناك الكثير من الانتفاخات في مجتمعاتنا المريضة، والتي لم تسهم سوى في توسيع الفجوة بين المثقف ورجل الشارع، الأخير الذي قد يكون سبق الأول في مضمار الحياة الحقيقية، وفي قيمة العمل الذي يقدمه، في حين ظل (المثقف؟) يدبّج لنا معلقاته على مواقع التواصل التي لن تسهم في تقدّم المجتمعات إلا بمقدار ما يتم عبرها من تغيير وهذا نادر الحدوث للأسف، خاصة ما يتعلق بالنضج الكافي والوعي الجمعي، ولذلك عليه تغيير أدواته دائما، وقراءة معطيات الوعي الجمعي لإحداث التغيير المطلوب، بلا عنتريات وبلا أبراج عاجية.
إننا اليوم بحاجة لتعميق قيمة العمل، ونشر ثقافة الإخلاص كلٌّ في مجاله، ودور المثقف دائما هو ترسيخ مثل هذه القيم والأفكار التي ترقى بالمجتمعات والإنسان عبر الكتابة الجادة، وعبر إضاءة مناطق العتمة بالجمال والوعي وتشجيع القراءة، وإعادة قراءة التاريخ وتحليل الحاضر لصناعة الفرد الناضج أولا، الفرد الذي هو أساس المجتمعات المتحضّرة والذاهبة في التغيير. علينا أن نعمل بهدوء وروية لنحاصر المحو الذي يحكم حلقاته على حيواتنا، ولنصنع الذاكرة الجديدة، الذاكرة العصية على المحو بمقتنياتها الأصيلة، وجوهرها النبيل، التي هي نتاجات المرحلة الدقيقة التي يمر بها وجودنا الإنساني في الزمان والمكان بكل ارتباكاتها وأحلامها.
كاتبة عُمانية
لقد أغرت الكونية الرقمية الجميع، وأفرزت حالات كثيرة بين سلبية وإيجابية، وكلها غالبا مؤقتة، وحاضرة ضمن فكرة الغياب، ما لم تتأصل بوعي ومسؤولية، ومنهم الحالمون بفكرة التغيير الطوباوية، الذين ما فتئوا يرفعون أصواتهم عاليا في وجه الفساد والظلم والقهر، حَمَلة شعلة التنوير الذين نالهم من المحو والخطر الكثير في مقابل فكرة التغيير المحدودة التي ينادون بها أمام جماهير نفعية غالبا أو مسيّسة أو مندفعة بقوة الجهل والتعتيم، فتأتي الثمرة دون التغيير المنشود، ليقول لهم لسان حال الكونية بفصاحة «على من تقرأ زبورك يا داؤود». فتظل فكرة التغيير حائرة بين المثقف المؤمن بالفكرة، والآخر في عتمته التي يدافع عنها بشراسة.
كما أفرزت الكائنات، المتربصة بصفة شخصية أو بصفة وظيفية، ذلك الذي يقبع في صفحتك في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب تنفسك، وأصابعك، وحزنك وغضبك، ملتحفا بأقنعة شتى كهدهد ينتظر أن يأتي إلى سليمانه بخبر يقين، سواء كان هذا السليمان ينتظر هذا الخبر أو لا، وبنظير مادي أو بفخر مكتشف جبان، ليحمّلك وزر الكلمة أكثر مما تطيق، أو تطيق أنت، ليضعك في قيد أوسع من سأم، وأضيق من ضمير الكلمة، في حين تمهد له أنت هذه الطريق، وتهب له صوتك وصورك ويومياتك بسذاجة إنسان يلتذ بالمقابل البسيط، وهو فكرة الصداقة الكونية وعربونها «اللايك» أو «التعليق» الذي يرضي غرور الكائن الاجتماعي بطبعه كما يرى ابن خلدون. الهدهد الذي قد يكون صديقك أو زميلك أو طالبا من طلابك، أو مثقفا كبيرا، أو كاتبا يثير الحنق وهو يتلوّن كحرباء قديمة، ويقفز فوق المعطيات ليحقق لذاته مجدا زائفا، ومكتسبات بالية بلغة مهترئة ووعي زائف.
كما أغرت الكثير من البشر بالصفات والأسماء، فهذا شاعر الشعراء، وهذا حكيم عصره، وهذا المثقف الجهبذ، وكلها مما يبعث القرف، ويثير الغثيان أمام كشف عورات المجتمعات العربية التي لم تعد كل شجر التوت قادرة على إخفائها. كما يضعها على المحك الواضح ضمن فكرة الغياب والمحو الحادث يوما لا محالة، والتي عليك أن تختارها بين محو علني وحضور ضمني جارح وحقيقي وعميق. فالحقيقة أسطع من كل هذه الظواهر النيئة، ومن كل هذه الأضواء المؤقتة، فللحقيقة جذورها الممتدة، وللوعي جباله الراسخة التي تقنع التاريخ وغرباله العتيد بالمكوث في الأرض، ونفي الزبد. ولذا فكل الراسخ من القول والعمل والأسماء في سجلاته الخالدة كان لأصحاب المواقف وللمؤمنين بالأفكار والمنافحين عنها، في حين كان السقوط والإهمال للمتصيدين وللصائدين في المياه العكرة.
لقد أرهقنا هذا المحو الكوني الحاصل اليوم بلا مبرر، وهذه الحيوات المحمّلة بالضجيج والرعب، حتى كدنا ننسى كل شيء، وقد كنا حتى الأمس القريب في براءة الحضور، وجمال الأمل، وروعة السكون الذي يأتي مشفوعا بالتأني، والوقت الفائض، والبطء النبيل، والحس الجمالي، والرؤية المتعمّقة، والخصوصية الفكرية، والحرية الذاتية حيث نكتب أفكارنا وننقحها، قبل أن نطلقها للنشر. كنا نهتم بالتدوين والحفظ، والآن يعتني بنا المحو، كانت صورنا قليلة ومضمّنة ألبومات مرتبة، ونصوصنا نادرة وثمينة وبعيدة عن الأعين حتى تصلح للنشر، ووعينا رصين وحكمنا متأن. أما اليوم فليس للبعض منا الوقت الكافي حتى ليصحح الأخطاء الإملائية أو النحوية أحيانا، فالجميع يكتب مباشرة، يكتب كثيرا، يكتب كل ما يخطر على باله، يكتب كما يتكلم، وكما يفكر أحيانا، بل وقد يجمع البعض هذه الترهات لاحقا لتصبح كتبا.
إننا بحاجة اليوم لإعادة النظر في قيمة الحيوات الرقمية؛ مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، وفي طريقة تعاملنا معها بهدوء وروية ووعي ومسؤولية، لننتج عبرها وعيا جوهريا، وتغييرا جذريا يجلي قيمة الحياة والثقافة والإنسان. فثقافة الإنسان هي بوصلة التغيير الحقيقي الناضج والمسؤول، وعليها أن تكون واضحة ودقيقة، فالثقافة لا تعني التعليم بالضرورة، فنحن ندرك اليوم أن هناك الكثير من المدارس والمعاهد والجامعات التي تخرج أفواجا من حملة الشهادات، ولكننا نعرف جيدا أيضا أن هذا لا يعني خلق مثقف واحد، بل ولا يسهم في صناعة وعي جاد، أو بلورة ثقافة مستنيرة. فالثقافة هي ما يرقى بروح الكائن عبر القراءة والفن العميق والجارح، وعبر النقد الدقيق والواعي للفكرة والحياة والإنسان، النقد غير المتعالي أو الوقح. فهناك الكثير من الانتفاخات في مجتمعاتنا المريضة، والتي لم تسهم سوى في توسيع الفجوة بين المثقف ورجل الشارع، الأخير الذي قد يكون سبق الأول في مضمار الحياة الحقيقية، وفي قيمة العمل الذي يقدمه، في حين ظل (المثقف؟) يدبّج لنا معلقاته على مواقع التواصل التي لن تسهم في تقدّم المجتمعات إلا بمقدار ما يتم عبرها من تغيير وهذا نادر الحدوث للأسف، خاصة ما يتعلق بالنضج الكافي والوعي الجمعي، ولذلك عليه تغيير أدواته دائما، وقراءة معطيات الوعي الجمعي لإحداث التغيير المطلوب، بلا عنتريات وبلا أبراج عاجية.
إننا اليوم بحاجة لتعميق قيمة العمل، ونشر ثقافة الإخلاص كلٌّ في مجاله، ودور المثقف دائما هو ترسيخ مثل هذه القيم والأفكار التي ترقى بالمجتمعات والإنسان عبر الكتابة الجادة، وعبر إضاءة مناطق العتمة بالجمال والوعي وتشجيع القراءة، وإعادة قراءة التاريخ وتحليل الحاضر لصناعة الفرد الناضج أولا، الفرد الذي هو أساس المجتمعات المتحضّرة والذاهبة في التغيير. علينا أن نعمل بهدوء وروية لنحاصر المحو الذي يحكم حلقاته على حيواتنا، ولنصنع الذاكرة الجديدة، الذاكرة العصية على المحو بمقتنياتها الأصيلة، وجوهرها النبيل، التي هي نتاجات المرحلة الدقيقة التي يمر بها وجودنا الإنساني في الزمان والمكان بكل ارتباكاتها وأحلامها.
كاتبة عُمانية
تعليقات