التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

المكان الأول : سور الدفء والحنين

أما الناقدة والكاتبة الدكتورة فاطمة الشيدية فتحدثت عن ذكرياتها بالمكان الأول قائلة :
أجمل وأوجع ماقد تفعل بك الكتابة أن تعيدك لقريتك للحظتك الأولى، وذاكرتك الأولى، لبيتك وقريتك الحنون. “السور” الدافئة بصبخاتها التي تمتد منك إليك، محتضنة الماء والملح بين القلب والرئة تماما.
المدينة الصامتة، الذاهبة في عزلتها، التي لم تغرها الكونية، الطيبة التي تضحك وتخبئ ضحكتها خلف لحافها الأزرق، إذ نشاغبها بكتبنا وكتاباتنا الحداثية التي لا تفهم منها شيئا، ولكنها تفهمنا وتحبنا.
المدينة الضجرة من كل هذه المدنيّة الرعناء، التي تتمنى الآن أن تعود لتجلس بنا تحت سدرة قديمة، كي نحفظ القرآن ويحفظنا. ونخرج في الصباح ركضا وراء الفجر لنباغت العصافير في شجر الليمون، فيفر زرافات في وجوهنا، ونأكل الموز و(الهمبا) دون أن نحفل أن نغسله ونضحك ونضحك،قبل أن نسقط في غيابت الماء.
المدينة التي تتمنى ونتمنى أن تعود لتغسل شعرها في البحر وتنفضه علينا جميعا كامرأة داهمها العشق بجنون، وتلتقط لنا المحار (الدوك وأم عوينه) وتقشّرها لنا بأصابعها الطويلة، ثم تغني لنا أغنية الياسمين والطل، وهي تلملم روائح (الشريش) وترفعه في حكايات السحرة والمغايبة، والبحارة الذين على وشك الوصول بـ(البشمك والتين).
مدينة الماء واللغة والحارات والدروب، هناك حيث تقرفص طفلة رعناء عند مدخل الذاكرة، تأخذ بيدي وتجرني على عجل وبشقاوة عذبة للبحر تماما، هناك حيث سننظر معا للموجة التي ستمنحنا التوحد، هناك حيث ستطلق ضحكتها الخضراء لصوت الغراب، وهو يلتقط الخبز المغمس في اللبن من (ملتها) وسيتبادلان اللقيمات بتنافس الأشقاء والأشقياء.
وحيث سينتظر الناس الضغوة في الصباح ليأخذ كل منهم ما يمكنه للفقر والحاجة، وسيعانق الصيادون أشعة أشعة الشمس ويكتحلون بالضوء القادم من البعيد والذاهب للبعيد، وسيغني الجميع وهو يجمعون مع (الدوك) ما تناثر من الحنين والفقد; ستكون هي والغراب هنالك أيضا!
وحين سيهجم الصيف على مزارع الليمون و”الهمبا” ستأخذها أغنية حامضة للحوض حيث تغتسل الياسمينة كامرأة باذخة الحس في ثراء اللحظة، وبهاء البياض، وستجمعه عجوز في فائض غطاء رأسها الشحيح، لتنثره ليلا على فرش الأطفال ليحلموا بأنهم يقطفون الغيوم، ويلعبون “الغميضة”مع النجوم.
وستتراقص النساء بخفة وهن يعجن التمر بأقدامهن الملساء ليصنعن(المدلوك) للشتاءات المغمورة بالحب.
وستغمز فتاة فتاها وهو يصطنع البطولة ويرقى النخلة بسرعة فائقة، ليرمي لها بتمرة نصف ناضجة كرسالة خفية بأن قلبي يتحرق لهفة للسقوط بين يديك.
في السور ليس على الليل أن يفعل بك أكثر من أن ينتقي لك صوتا عذبا ليحمّل الشتاء على أوتاره، ويرسم تقاسيم الدفء على أجنحة الكلمات، فيما يشبه فراشة تتراقص في الذاكرة على سراج باهت سينطفئ قبل الفجر بساعات طوال، في السور ثمة نقطة يجتمع فيها الزمن بلا فائض إلا في الحكايات التي أصبحت بلا وجوه وبلا أسماء، في السور تتورد الذاكرة كعروس متجلية الحسن أبدا لموعد غرب منذ البدء ولكنها تستعذب الانتظار.
في السور يسقط المستقبل من الحكاية، ويبتلع الماضي الحاضر لحظة بلحظة ليجعله يفنى فيه كعاشق قديم أو صوفي متبتل، فيتحدان كالماء والملح، ليصبح البحر هو الحكاية وهو رائحة الحنين، ولثغة الذاكرة العذبة.

تعليقات