التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

أمي( في عيد الأم)



فاطمة الشيدي
21مارس 2016

أمي:  كيف أنت؟
أما أنا فمازلت أنا، تلك الطفلة الشقية التي تحب الموالح والحوامض، وتكره الحلويات والكائنات اللزجة،  ما زالت تتعثر في المشي والكلام، ويسقط من فمها الكلام، والطعام، فلاتأبه لاتساخ الصمت بثرثراتها الرعناء، أو لاتساخ ملابسها ببقايا الطعام وبقع القهوة الداكنة.
مازالت تلك الطفلة الإنطوائية التي تسكن تحت سريرك الكبير، وتحدث المرايا بالأوهام وحكايات الأشرار ، وتغرورق عيناها بالحزن إذا رأت قطة جائعة، أو عصفورا وحيدا،  الغريبة الوحيدة وسط حشود البشر، الخائفة من شيء لا تعرفه، والحزينة على مالاتدرك.
تلك الباهتة في العتمة، والحالكة في السطوع التي يرعبها الفقد، ويدميها الغياب، ويثقلها الوهم عن مجاراة الديكة في قفزاتهم العالية، وفي خيلائهم الأجوف، تلك المنشقة عن الجموع، الذاهبة للوراء، التي لا تجد لذة في مزاحمة الأيدي في الأخذ والطلب، وفي الضجيج والجلبة.
تلك التي تضحك بلا سبب، وتبكي لأبسط الأسباب، وتحب من أعمق منطقة في روحها، وتكره لزمن قصير، وتغضب لأن شيئا جديدا ينكسر في العالم كل يوم، ولا صورة تعتدل في موازين الكينونة المائلة. لأن الغابة تكبر، والشجر يقل، والقبح يزيد والجمال ينقص، والكراهية تتعالى والحب يتقلص على نفسه.
التي تحب الله والماء أكثر من البشر والطعام.  وتنام أكثر مما تكتب، ولا تعاتب أحدا، إلا بخطوتين للوراء. تلك المرهقة أبدا من صخرة سيزيف، ومن لعنة التفاحة، ومن لدغة الأفعى.
الحالمة بأن تنبت لها أجنحة فتحلق للبعيد، وأن تعيد كتابة قصيدتها الأولى بشكل جديد كل لحظة، وأن تضحك ضحكة صادقة وحيدة قبل أن تموت.
المجنونة التي تلاحق الفراشات حتى تتشقق قدماها، وتطعم النمل حتى يلسعها، وتنظر للمجانين بشغف، وتستعذب الأحزان لأنها حقيقة الروح.
القارئة التي تمضغ الكلمات بين أسنانها، وتسوي المعاني بمهل كما يفعل نحات في صناعة تحفته، وتسترسل في الكتابة كما تمشط ذيل حصان أو شعر صغيرة عذبة.
التي عشقت لاجدوى أبي العلاء من أول نص، وهامت مع وجع سيوران من أول شذرة، وتقمصت جنون فرجينا وولف في عناقها للبحر حد الفناء، وأحبت الموتى أكثر من الأحياء، والتذت بالعدم وغنّت مع الفناء.
آه يا أم ما زالت الكتابة وجعي الطروب، والموسيقا شقائي الحنون
ومازلت أمي
وسأظل أكتب لك
وأحبك


تعليقات