التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

كولاج لـ أناييس نين

فاطمة الشيدي
2 فبراير  2016
ملحق شرفات - جريدة عمان


عند قراءة أي عمل فأنت تستحضر الكثير من المحددات الفكرية والنفسية للخوض في قراءته بعيدا قليلا عن المتعة المعرفية و«اللذة النصية» بتعبير بارت، وحين تقرأ عملا لامرأة تستحضر مباشرة النظرية النسوية. وتحاول أن تستقرئ ممكنات هذا العمل داخل هذه النظرية أو خارجها، بتوظيف ملامح التجنيس النصي، والرؤية الموضوعية للكتابة والكاتبة. ولذا فما أن تقع بين يديك رواية كتبتها امرأة حتى تستحضر تلك المقاربة الموضوعية بين أدب المرأة والأدب النسوي.
ولقد أصبحت الكتابة النسوية مفهوما واسعا، ودالا متسع المدلول، وفي الحقيقة أنه ليس كل ما تكتبه المرأة يدخل ضمن هذا الحيز المفاهيمي «الأدب النسوي»، فهناك مواصفات تواضع المنهج النفسي والتحليلي على منحها ملامح هذا التشكيل الدلالي أو المفاهيمي، فليس كل ما تكتبه المرأة يدخل ضمن الأدب النسوي – ولكنها مع ذلك تقترب منه كثيرا أو قليلا خاصة في أدبنا العربي- فهناك أدب المرأة الذي يعكس صورتها الداخلية كإنسان عام، وتفاصيل حياتها التي تجري بها مجريات الكائن الطبيعي المسالم بلا رفض ولا تمرد، كالحب والحزن والوجع والفرح والذي تشترك فيه الرجل.
و في رواية «كولاج» لـ «أنايس نين» وبعد كل ذلك الكم المبهر من التفاصيل، والقفز فوق الأحداث بلا مقدمات حقيقية في رواية قصيرة أصلا، كنت مشغولة بتتبع صوت المرأة في هذه الرواية، الصوت النسوي، والأنثوي في اتحادهما أو اختلافهما عبر التفاصيل الكثيرة، والأزمنة والأمكنة التي تتحرك ضمنها «رونات» الفنانة، وكنت أبحث جادة عن ملامح النسوية في الرواية، تلك النزعة المتمردة أو الثائرة أو الرافضة لفكرة ما قد تحد من تحرك المرأة الواعي في الحياة والنص معا، وذلك الصوت العالي الذي يريد أن يقول أنا هنا بقوة، والذي يتصدر رواياتنا العربية التي كتبتها أو تكتبها المرأة غالبا، وبعض الروايات الغربية الأقدم من زمننا هذا حين كانت تحتاج لذلك، ولكنني لم أجده، فقد كان صوت رونات مختلفا جدا، ولكنه كان صوتا خافتا، هادئا وعميقا، يسحب أنفاسه بقوة ولكن بهدوء تماما، ويتحرك في المكان والزمان بخفة امرأة، وبجنون فنانة.
ففي «كولاج» تنزع «أنايس نين» نزعة حكائية مختلفة، إنها لا تسرد حكاية واحدة، ولا تعتمد سردا مباشرا، بل تستحضر حكايات كثيرة، وتسرد سردا علائقيا عبر مجموعة من الخيوط تحرص أن تبقيها متصلة لزمن ما، ثم تقطع خيطا ما لتربطه بحكاية أخرى، إنها لعبة السرد التي تشبه «لعبة العرائس» وبطلتها (رونات) الطفلة اليونانية التي استيقظت في النمسا، متشبثة بحكايات التماثيل الكثيرة التي تعتقد أنهم بشر تحت تأثير السحر وسيعودون يوما لسرد حكاياتهم، رونات الطفلة التي كانت تضحك لتخفف انزعاج والدها من كآبة أمها المزمنة، والتي تخلت عن احتراف التمثيل كي لا تسبب له الألم، والتي تعلمت في البيت (الموسيقى والفن واللغات) على يد عمها الأستاذ الجامعي الذي بلا نخاع عظمي، والذي لم يتعلم تعليما نظاميا بل درس معظم دراسته في البيت، رونات التي أحبت اللون واللوحة وقررت أن تصبح فنانة، وحين تعرفت على (بروس) أحبته فرسمته، فأخذها معه في رحلة للمكسيك ولكنه كان يعشق سيارته أكثر من الحب ومن المرأة، ولاحقا انتقلت إلى كاليفورنيا والتقت فيها أيضا ببروس الذي حاول ترميم علاقته بها، التي انقطعت لأنها عرفت من صناديقه أنه غريب الأطوار، فاستمرت في فنها ليغدو غاية حياتها وهدفها الأكبر، فتبدأ حياتها الحقيقية متحدة مع الفن وتتحرك ضمنه مع أن بروس ظل دائما كان قريبا منها.
رونات التي تحب الحيوانات ولذا عشقت رسمها، و«حين كانت طفلة شعرت بأنها ولدت لإنقاذ الحيوانات، واهتمت باسترقاق وعبودية الحيوانات، الحمار الذي يحرك الدواليب لإخراج المياه في مصر، القطعان المسافرة في القطارات، الدجاج المربوطة بأرجله معا، الأرانب التي تطلق عليها النيران في الغابة، الكلاب المقيدة برسن، والقطط المتروكة جائعة على الأرصفة، قامت بعدة محاولات لإنقاذها. قطعت الأسلاك من حول أقدام الدجاج، فانتشرت في كل أرجاء السوق. فتحت كل الأقفاص التي تمكنت من العثور عليها، وتركت الطيور تهيم طائرة . فتحت أبواب الحقول ودعت القطيع طليقا في الخارج، ولم تدرك عدم جدوى مهمتها إلا بعد بلوغها سن الرابعة عشرة، جاوزت القسوة الحدود ولم يعد بمقدورها إخمادها» فحاولت أن تعوّض عن ذلك بالرسم، حاولت أن تجعل الفن هو الحياة المثلى في التعامل مع هذه الحيوانات و«هكذا بدأت رونات في رسم صداقة النساء والحيوانات، امرأة مضيئة مستلقية بسلام بجانب نمر، امرأة ببشرة مشوبة بالزرقة، عائمة على جناح بجعة مفروش، امرأة بعيون مثل عيون قطتها السيامية، امرأة تمسك بسلحفاة بحرية» ص 41
تواصل «أنايس» روايتها عن «رونات» التي تكتبها بصوت السارد العليم، فلا يعلم القارئ هل هما واحدة، أم لا، تكتب عن أصدقائها ومن تلتقي بهم في الشارع، كالحارس الذي عمل حارس إنقاذ على أحد الشواطئ، الذي صادق الفقمات وأطلق عليها أسماء معينة وعاش بالقرب منها في كهف هاجرا بيته وأبناءه، أو رواد المقهى الذي تعمل فيه كمضيفة حين لا تبيع الكثير من اللوحات، فتسرد حكاياتهم بحيادية تامة «أنا نجم، أنا مخرج، أنا مصور، أنا متزوج، أنا عندي ولدين، أنا اكتشفت بئر نفط، أنا شيدت بيتا، أنا كتبت سيناريو فيلم، أنا ربحت أوسكار، أنا اشتريت حصانا، أنا استأجرت مزرعة، أنا بدأت موضة صيد الخنزير البري، أنا عندي معرض رسم، أنا مبحر إلى أكابولكو»
وتتحرك عبر الحكايات التي لا تعبرها خارج حكاياتها الشخصية تماما، التي تحضر بين الفينة والأخرى عرضا فقط، ولا تدخل ذاتها «الرسامة» إلا بخجل حين يسألها أحدهم، فهي تصف ملامح الرحلة والعبور والأحداث، بلا نرجسية خاصة إلا بكونها رسامة «غير أن أي منهم لم يتحل بالقوة الكاملة التي ملكتها رونات عندما قالت (أنا رسامة)، ولد رسمها من الداخل، كما لو كان ابنها تماما، عضويا كجزء من لحمها» .
وكما كانت رونات ترسم الحيوانات، كانت تحكي عن النساء في تلازم ضمني، فالمرأة هي الكائن البطل في روايتها، هي الحكّاءة المبهرة، وهي التي تحرك مجريات السرد، منذ الأم المكتئبة، حتى ليونتاين، التي تغني بمحاذاة البيانو، وابنة فاردا الفنان التجريدي، ونينا الممثلة المجنونة، وليزا التي نقلت المكسيك لبيتها عبر الصور والحيوانات، وأخيرا جوديث ساندز الروائية التي كانت مختفية عن الأنظار، فأخرجها معجب يتعشق ما تكتب ويحفظه عن ظهر قلب.
كتبت أنايس نين حكايات النساء، في مجتمعها عبر رواية ذاتية، أشبه ما تكون بمقطع عرضي مأخوذ من حياتها، كأنها تكتب سيرتها الذاتية عبر فترة زمنية ما وأمكنة متعددة، بكل تداخلاتها وتمازجها الغرائبي الذي تحفل به الحياة، والحياة كما تخبرنا عبر وقائعها أكثر غرائبية من كل الروايات والأفلام، بل الحياة هي المنبع الذي يستقي منه الفن دهشته وغرائبيته، حياة فنانة غير تقليدية، فنانة تحاور الأزمنة والأمكنة والشخوص عبر الحياة نحو اللوحة، لتشتق من جمالها وقبحها مادة للفن، وتقترب من دواخل الإنسان لتصعد به من عالمه الأرضي، إلى عالمها التشكيلي في كولاج لغوي وفني معا.
رواية لا تروم شيئا خارج الفن، كأن تتوسل حقًا، أو تنظّر لفكرة أو تبارك قضية، فكل ما تريده هو سرد الأحداث والشخوص والأمكنة كما هي تماما أو بقليل من الرتوش التي توضح جماليات التحقق ضمن النص، كما يحدث في الفن التعبيري غالبا.
وهكذا يتضح الفرق بين كتابة القضية كالنسوية -التي لها الكثير من المنظرين والمنظرات عبر السرد أو خارجه وليست من اختصاص المرأة، وبالتالي فليس كل ما تكتبه المرأة هو كتابة نسوية – أو الكتابة كفعل حميم ينطلق من وعي الكائن بالجمال والإنسان والطبيعة، وانبثاق الشعور بالأشياء والكائنات والأفكار من الداخل نحو اللغة بشكل يشبه الإنسان ذاته، رجلا كان أو امرأة بلا تحيز إلا ما تفرضه الطبيعة الجنسانية التي تنعكس عبر مكونات الروح والجسد والنظرة للذات والحياة والآخر، وتحكم الكتابة في العميق واللاواعي منها، وهي خارج الجنسانية تختلف من كاتب لآخر، ومن زمن لآخر، ومن مكان لآخر ومن مجتمع لآخر.

ـــــــــــــــ ــ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـــ
أنايس نين، كولاج، ت : صلاح صلاح ، سورية دمشق، ورد للطباعة ولنشر والتوزيع، 2007