القدس العربي
December 19, 2015
احتفل الجمهور العربي قبل فترة بعيد ميلاد فيروز الثمانين، فيروز التي صنعت أسطورتها الفنية عبر التكريس الراسخ والعميق للوعي الجمالي بالفن الحقيقي غير المنحاز إلا للجمال، والمنبثق من رسالة مفادها الإيمان بالفن وقدرته على التغيير، وعلى توحيد صفوف الجبهات جميعها لتصب في مصب واحد هو التغيير والرقي بجوهر الإنسان ووعيه. لقد صنعت فيروز تلك المعجزة بحنجرتها الذهبية، وعبر مستويات اللغة واللحن المتعالية في انتقائها القائم على وعي جمالي لغوي وموسيقي متجذر وأصيل. ولذا استطاعت أن توحد الذائقة المتشتتة حولها في كل شيء تقريبا، لتصبح إجماعا قل نظيرة على أي شيء عربي، في أي زمان ومكان، فكانت رسولة الصباحات وحارسة المساءات ورفيقة الدروب والقهوة والعشاق.
وفي يومها الذي يصادف الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، كان الاحتفاء هذا العام جديرا بالسيدة الأولى في ذاكرة الإنسان العربي ووعيه الجمالي، وإنسانيته التي أسعفها الفن في حين أزهقتها السياسة، ولذا ارتفعت الأصوات بالتهاني والحب والدعاء بطول العمر، ونثرت الورود، وغمرت الأغنيات أرجاء الكون، ليحدث بذلك التوحد الجمعي على ما لم يُجتمع عليه قبلا في الدين أو السياسة أو الثقافة، بل ويحدث هذا والعرب يتناهبهم التشظي والانقسام والخوف، الخوف الذي وحّد العالم اليوم على حضوره المتجلي وترقبه المثير، وغيابه المطمح إليه.
ولا ريب أن المعجزة الفيروزية في الإجماع الجمالي عليها، والتجلي العاشق عبر الجموع، متفردة تماما، مع أنه يحدث أن يقاسمها القليل من الأدب والفنون الأخرى بعض قدرتها على الحضور والتجلي في الوعي الجمعي العربي الذي يستلذ المجاراة والركون إلى بعض الظواهر الفردانية بالتمجيد والتقديس. وكأنه استلذ فكرة الرسل، ويحتاج أبدا ليد تأخذ به نحو الصعود، ولذا كان وما يزال مؤمنا بالتفرد الفردي، في العقل المبدع، والوعي الخلاق الذي يمكن أن يتبعه أو يسير خلفة بلا كثير عناء أو نقد أو مساءلة، وربما حتى بلا استوثاق من عروة الصلة بينه وبين ما يؤمن به.
وخارج نقد الوعي الجمعي، تتحرر الأسئلة عبر اللغة، لماذا نجحت فيروز في صناعة ما لم تستطع الحكومات العربية مجتمعة صنعه، وهو جمع العرب على قيمة جمالية كبرى، أو حتى شخصية ما، وفي زمن تعد صناعة الإجماع الجمعي على أمر ما أمرا مستحيلا أو شبه مستحيل؟
ولعل الأمر لا يحتاج كثيرا من الحيرة، فالإجابات مجمع عليها تقريبا أيضا، فالوعي الجمالي الذي حرره الأدب والفن العميق والحقيقي (كما في حالة فيروز)، وعمد لترسيخه في الوعي الجمعي، هو الممنوع نفسه، الذي ألجمته السلطات السياسية وقزّمته، بل سعت جاهدة لتشويهه عبر خلق تيارات وعي مضادة سطحية وساذجة في تحالف ضمني مع الرأسمالية التافهة والإعلام المصنوع، وهي تيارات القبح بتجلياتها المتعددة كالسطحية والهشاشة والرضوخ والهيمنة والعبودية والانحياز الجلي لتمجيد السلطة السياسية وإعلاء شأنها للتغطية على شناعتها وقبحها.
وبذلك تصدر الوعي السلطوي كوعي مضاد للجمالي، وعليه أن يكون مناوئا له، ليحاول كبت القيم الكبرى واستبدالها بقيم جديدة وطارئة، محكومة باللذائذ والبروتوكولات الجاهزة والقبيحة، والمدائح الكاذبة والتزييف العلني، والتزوير الممجوج. وبذلك تحولت الفنون الرسمية لاستعراضات مبهرجة، محكومة بإظهار السلطة في ثوب المخلص العظيم، ليدين لها الجموع بالتسليم والخضوع، وكل ما عداها يصبح عدوا للسلطة، حقيقيا في الوعي. وبالتالي تزعزع النقد الجاد لمناطق بعيدة، وحل الترويج الجاهز محل الإعلاء من قيمة الحقيقي، وظهر الظل من الأشياء والأصوات واللغات ليتصدر واجهة الجمع الذي مهما اشتدت العتمة يدرك أن كل هذا ليس هو الحقيقي والجمالي.
وهناك انفصل الحقيقي حفاظا على روح الجمال بداخله، وروح الجمال هي الحرية بدءا وآخرا، والاعتناء بالصيغ الحقيقية في الذاكرة للجمالي والعميق والصادق من الفنون، فبالتأكيد لا يمكن نقد السلطة أو ما يمثلها من فن هابط ورخيص في حضور ممثليها بأدوارهم الفوقية، وهي ترفض أن تقدم الحقيقي الخالي من الضجيج المسرحي المناوئ للجمالي.
وهنا حدث ذلك التصدع الداخلي بين الشارع والمثقف، وظل يتسع ليصبح شرخا، فالمثقف غادر ساحة المعركة إلى داخله تماما، لأنه بلا خصم شريف وبلا سلاح، بل هو بلا منصة أو منبر، وليصبح لاحقا بلا جمهور أيضا، وكل ما يحمله هو الرسالة التي يؤمن بها. في حين تصدى للنزال رجال الدين الذين يملكون رسالة واضحة ومنصة وجمهورا مشحونا سلفا عبر الذاكرة، ولم يجدوا الكثير من الجهد ولم يحتاجوا الكثير من الوقت حتى اسسوا لأنفسهم مدارات واضحة وأتباعا يتكاثرون، ومع الوقت تغيرت رسالة الأديان من السلام والمحبة إلى القوة وفرض السيطرة. كما حدث ذلك الصمت المتفق عليه بين السياسي والديني بعدم اقتراب أي منهما من حياض الآخر،
وظل المثقف يناوش السلطتين التي تخشى الوعي الجمالي أبدا. ومع استطالة الديني في قوته واستفحاله في توحشه، بدأ يقرر قتل الجمالي ودحضه من الحياة فسكتت السياسة عن ذلك.
في حين ظل الفردي المثقف يناوش الجمع ويناور السلطة للتحصل على مساحة لترسيخ الوعي الجمال شعرا وسردا ومسرحا وتشكيلا وفنا موسيقيا لأنه يدرك جيدا أن هذا هو الخلاص مهما طال الزمن. وكانت فيروز من ذلك الفردي المثقف المنحاز للوعي الجمالي مهما استطال القبح، وحوصر الجمال. لقد أنجز الفردي صيغته الجمالية بمراهنة داخلية عميقة على الإنسان فقط، فكان حضوره خاصا وصادقا وعميقا وجارحا، في حين كانت السلطات واهنة تحاول كبح جماح ذلك الوعي الجمالي، خوفا على الكرسي ورهابا من الحرية وذهابا في تمجيد الأطر المزيفة.
وظل الوعي الجمعي يتشكل ببطء وحذر ووعي يتزايد مع ظهور الجمال الذي كانت الموسيقى أكثر أشكاله تحررا لأنها ربما أقلها ضررا من وجهة نظر السياسة، وإن كانت يمكن أن تشترى كما حدث كثيرا، بينما ظل الحقيقي الراسخ بعيدا عن المساومات والتكريس السلطوي، منحازا للجمال والفن كقيمة كبرى. وظل الجمع الذاهب مع الوعي رويدا رويدا يحاول خلق أنبيائه، وبناء جسوره الطرية مع الجمال ليتحصن من القبح والعنف الذي يحيط به، محاولا تشكيل أساطيرَ كونية جمالية تهبه القليل من الفرح والأمل والحرية عبر الموسيقا والفن واللغة. وكانت فيروز أبرز هذه الأساطير وأكثرها انتشارا لأنها استطاعت الوصول إلى العام بحذاقة اللغة ورهافة الموسيقا، فافتتن الجمع بها، وأطلق لروحه ووعيه العنان للتشبث بذيولها، فأصبحت لسان الحب والجمال ولغة العشاق، ووحدت بين النخبة والشارع، فكانت صوت المثقف والشاعر والعاشق وبائع الخبز وسيدة البيت بل وحتى روح الطفولة الخضراء.
لقد صنعت فيروز والرحابنة الأسطورة الفنية الخاصة بهم بوعي جمالي عميق عام وكلي، وعي ينحت في أعمق منطقة من روح الإنسان وعقله ليتحد مع الكون والطبيعة والكائنات بلا تحيز لجنس أو لون أو أو دين أو مذهب. فغنت لمكة والجمع يضطرب في مذاهبه وأديانه، وللجنوب مع كل التمذهب والقلاقل، ولكل كائن يتذوق الكلمة واللحن والصوت الأسطوري أينما وجد، وغنت لكل الشعراء من مختلف الأجناس والأعراق وبالبلدان. كما غنت العميق والجاد، إلى السهل والخفيف، ولم تتوقف عند زاوية ما أو مرحلة ما، ولم تركن لشكل أو زمن، بل حين كان عليها أن تمضي مع الجديد مضت مجددة في اللحن والكلمة، ذهبت مشفوعة بحب الفن والإنسان إلى آخر ما يجب عليها لتصبح أسطورة الوعي الجمالي الموسيقي الحقيقي فعلا.
فالمجد لصناع الأساطير الشخصية الذي يبنون كياناتهم الجمالية منحازين للوعي والإنسان فقط، منتصرين للأفق الذي لا يحد وللقيم العميقة التي يساوم عليها، متبرئين من سلطة الشكل التي تحاول السياسة فرضها بالقوة عبر منع كل ما عداها من مساحات أكثر تنوعا وتجديدا، وعبر تكميم الأصوات وخنق الحريات، وتسطيح الوعي الجمالي.
المجد للإبداع الذي يرسخ الوعي، وينتصر للإنسان، وللفن القادر على التغيير وعلى مواجهة القبح، وعلى ترسيخ القيم الإنسانية كالحب والخير والعدالة والحرية. المجد لفيروز، أسطورة الوعي الجمالي العربي الذي جعلت العرب يتوحدون في يوم ميلادها أكثر من كل أساطين السلطة، وأهل المال والدين الذين يحكمون العالم، وينشرون ثقافة الخوف.
كاتبة عُمانية
وفي يومها الذي يصادف الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، كان الاحتفاء هذا العام جديرا بالسيدة الأولى في ذاكرة الإنسان العربي ووعيه الجمالي، وإنسانيته التي أسعفها الفن في حين أزهقتها السياسة، ولذا ارتفعت الأصوات بالتهاني والحب والدعاء بطول العمر، ونثرت الورود، وغمرت الأغنيات أرجاء الكون، ليحدث بذلك التوحد الجمعي على ما لم يُجتمع عليه قبلا في الدين أو السياسة أو الثقافة، بل ويحدث هذا والعرب يتناهبهم التشظي والانقسام والخوف، الخوف الذي وحّد العالم اليوم على حضوره المتجلي وترقبه المثير، وغيابه المطمح إليه.
ولا ريب أن المعجزة الفيروزية في الإجماع الجمالي عليها، والتجلي العاشق عبر الجموع، متفردة تماما، مع أنه يحدث أن يقاسمها القليل من الأدب والفنون الأخرى بعض قدرتها على الحضور والتجلي في الوعي الجمعي العربي الذي يستلذ المجاراة والركون إلى بعض الظواهر الفردانية بالتمجيد والتقديس. وكأنه استلذ فكرة الرسل، ويحتاج أبدا ليد تأخذ به نحو الصعود، ولذا كان وما يزال مؤمنا بالتفرد الفردي، في العقل المبدع، والوعي الخلاق الذي يمكن أن يتبعه أو يسير خلفة بلا كثير عناء أو نقد أو مساءلة، وربما حتى بلا استوثاق من عروة الصلة بينه وبين ما يؤمن به.
وخارج نقد الوعي الجمعي، تتحرر الأسئلة عبر اللغة، لماذا نجحت فيروز في صناعة ما لم تستطع الحكومات العربية مجتمعة صنعه، وهو جمع العرب على قيمة جمالية كبرى، أو حتى شخصية ما، وفي زمن تعد صناعة الإجماع الجمعي على أمر ما أمرا مستحيلا أو شبه مستحيل؟
ولعل الأمر لا يحتاج كثيرا من الحيرة، فالإجابات مجمع عليها تقريبا أيضا، فالوعي الجمالي الذي حرره الأدب والفن العميق والحقيقي (كما في حالة فيروز)، وعمد لترسيخه في الوعي الجمعي، هو الممنوع نفسه، الذي ألجمته السلطات السياسية وقزّمته، بل سعت جاهدة لتشويهه عبر خلق تيارات وعي مضادة سطحية وساذجة في تحالف ضمني مع الرأسمالية التافهة والإعلام المصنوع، وهي تيارات القبح بتجلياتها المتعددة كالسطحية والهشاشة والرضوخ والهيمنة والعبودية والانحياز الجلي لتمجيد السلطة السياسية وإعلاء شأنها للتغطية على شناعتها وقبحها.
وبذلك تصدر الوعي السلطوي كوعي مضاد للجمالي، وعليه أن يكون مناوئا له، ليحاول كبت القيم الكبرى واستبدالها بقيم جديدة وطارئة، محكومة باللذائذ والبروتوكولات الجاهزة والقبيحة، والمدائح الكاذبة والتزييف العلني، والتزوير الممجوج. وبذلك تحولت الفنون الرسمية لاستعراضات مبهرجة، محكومة بإظهار السلطة في ثوب المخلص العظيم، ليدين لها الجموع بالتسليم والخضوع، وكل ما عداها يصبح عدوا للسلطة، حقيقيا في الوعي. وبالتالي تزعزع النقد الجاد لمناطق بعيدة، وحل الترويج الجاهز محل الإعلاء من قيمة الحقيقي، وظهر الظل من الأشياء والأصوات واللغات ليتصدر واجهة الجمع الذي مهما اشتدت العتمة يدرك أن كل هذا ليس هو الحقيقي والجمالي.
وهناك انفصل الحقيقي حفاظا على روح الجمال بداخله، وروح الجمال هي الحرية بدءا وآخرا، والاعتناء بالصيغ الحقيقية في الذاكرة للجمالي والعميق والصادق من الفنون، فبالتأكيد لا يمكن نقد السلطة أو ما يمثلها من فن هابط ورخيص في حضور ممثليها بأدوارهم الفوقية، وهي ترفض أن تقدم الحقيقي الخالي من الضجيج المسرحي المناوئ للجمالي.
وهنا حدث ذلك التصدع الداخلي بين الشارع والمثقف، وظل يتسع ليصبح شرخا، فالمثقف غادر ساحة المعركة إلى داخله تماما، لأنه بلا خصم شريف وبلا سلاح، بل هو بلا منصة أو منبر، وليصبح لاحقا بلا جمهور أيضا، وكل ما يحمله هو الرسالة التي يؤمن بها. في حين تصدى للنزال رجال الدين الذين يملكون رسالة واضحة ومنصة وجمهورا مشحونا سلفا عبر الذاكرة، ولم يجدوا الكثير من الجهد ولم يحتاجوا الكثير من الوقت حتى اسسوا لأنفسهم مدارات واضحة وأتباعا يتكاثرون، ومع الوقت تغيرت رسالة الأديان من السلام والمحبة إلى القوة وفرض السيطرة. كما حدث ذلك الصمت المتفق عليه بين السياسي والديني بعدم اقتراب أي منهما من حياض الآخر،
وظل المثقف يناوش السلطتين التي تخشى الوعي الجمالي أبدا. ومع استطالة الديني في قوته واستفحاله في توحشه، بدأ يقرر قتل الجمالي ودحضه من الحياة فسكتت السياسة عن ذلك.
في حين ظل الفردي المثقف يناوش الجمع ويناور السلطة للتحصل على مساحة لترسيخ الوعي الجمال شعرا وسردا ومسرحا وتشكيلا وفنا موسيقيا لأنه يدرك جيدا أن هذا هو الخلاص مهما طال الزمن. وكانت فيروز من ذلك الفردي المثقف المنحاز للوعي الجمالي مهما استطال القبح، وحوصر الجمال. لقد أنجز الفردي صيغته الجمالية بمراهنة داخلية عميقة على الإنسان فقط، فكان حضوره خاصا وصادقا وعميقا وجارحا، في حين كانت السلطات واهنة تحاول كبح جماح ذلك الوعي الجمالي، خوفا على الكرسي ورهابا من الحرية وذهابا في تمجيد الأطر المزيفة.
وظل الوعي الجمعي يتشكل ببطء وحذر ووعي يتزايد مع ظهور الجمال الذي كانت الموسيقى أكثر أشكاله تحررا لأنها ربما أقلها ضررا من وجهة نظر السياسة، وإن كانت يمكن أن تشترى كما حدث كثيرا، بينما ظل الحقيقي الراسخ بعيدا عن المساومات والتكريس السلطوي، منحازا للجمال والفن كقيمة كبرى. وظل الجمع الذاهب مع الوعي رويدا رويدا يحاول خلق أنبيائه، وبناء جسوره الطرية مع الجمال ليتحصن من القبح والعنف الذي يحيط به، محاولا تشكيل أساطيرَ كونية جمالية تهبه القليل من الفرح والأمل والحرية عبر الموسيقا والفن واللغة. وكانت فيروز أبرز هذه الأساطير وأكثرها انتشارا لأنها استطاعت الوصول إلى العام بحذاقة اللغة ورهافة الموسيقا، فافتتن الجمع بها، وأطلق لروحه ووعيه العنان للتشبث بذيولها، فأصبحت لسان الحب والجمال ولغة العشاق، ووحدت بين النخبة والشارع، فكانت صوت المثقف والشاعر والعاشق وبائع الخبز وسيدة البيت بل وحتى روح الطفولة الخضراء.
لقد صنعت فيروز والرحابنة الأسطورة الفنية الخاصة بهم بوعي جمالي عميق عام وكلي، وعي ينحت في أعمق منطقة من روح الإنسان وعقله ليتحد مع الكون والطبيعة والكائنات بلا تحيز لجنس أو لون أو أو دين أو مذهب. فغنت لمكة والجمع يضطرب في مذاهبه وأديانه، وللجنوب مع كل التمذهب والقلاقل، ولكل كائن يتذوق الكلمة واللحن والصوت الأسطوري أينما وجد، وغنت لكل الشعراء من مختلف الأجناس والأعراق وبالبلدان. كما غنت العميق والجاد، إلى السهل والخفيف، ولم تتوقف عند زاوية ما أو مرحلة ما، ولم تركن لشكل أو زمن، بل حين كان عليها أن تمضي مع الجديد مضت مجددة في اللحن والكلمة، ذهبت مشفوعة بحب الفن والإنسان إلى آخر ما يجب عليها لتصبح أسطورة الوعي الجمالي الموسيقي الحقيقي فعلا.
فالمجد لصناع الأساطير الشخصية الذي يبنون كياناتهم الجمالية منحازين للوعي والإنسان فقط، منتصرين للأفق الذي لا يحد وللقيم العميقة التي يساوم عليها، متبرئين من سلطة الشكل التي تحاول السياسة فرضها بالقوة عبر منع كل ما عداها من مساحات أكثر تنوعا وتجديدا، وعبر تكميم الأصوات وخنق الحريات، وتسطيح الوعي الجمالي.
المجد للإبداع الذي يرسخ الوعي، وينتصر للإنسان، وللفن القادر على التغيير وعلى مواجهة القبح، وعلى ترسيخ القيم الإنسانية كالحب والخير والعدالة والحرية. المجد لفيروز، أسطورة الوعي الجمالي العربي الذي جعلت العرب يتوحدون في يوم ميلادها أكثر من كل أساطين السلطة، وأهل المال والدين الذين يحكمون العالم، وينشرون ثقافة الخوف.
كاتبة عُمانية
فاطمة الشيدي