التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الغائب الأول والحبيب الأخير

فاطمة الشيدي
شرفات جريدة عمان

عم صباحا  يا شقيقي،  ياصديقي، يا أنا : 
ما زلت أتذكر تلك النظرة الحانية والابتسامة النضرة التي ودعتني بها ليلة غيابك، وما زلت أهرب بها إليها كلما حاصرني الجفاف وأينعت في قلبي الوحشة، وكثيرا ما يحدث ذلك بلا سبب حقيقي ، ولكنني من يومها قررت أن أحاصر الجفاف بالكتابة، وأحاصر الوجع باللغة، قررت أن أكتب كل شاردة وواردة في حياتي،  أكتب لك كثيرا ضمنيا، وأكتب عن ما يزعجني، وما يفرحني، عن حياتي بكل تفاصيلها، عن كتب أقرأها، وأفلام اشاهدها، وبشر ألتقي بهم، أثرثر كثيرا، وأنا أعلم أنك تسمعني بحب لا نظير له، تسمعني وتفهمني كما لم يفهمني أحد أنا واثقة من ذلك، منذ تلك النظرة التي وعدتني فيها وأنت في سنتك التي ستغادر العالم منها، وأنا في عامي الرابع الذي فجع برحيلك السريع، وبوعدك الذي لم تنجزه بأنك ستظل قريبا مني، وستظل شقيقي وصديقي. الذي لا يجاريه أحد من الأحياء، ولا يستطيع أن يكون في مثل مكانته وقربه من روحي، فالأحياء أنانيون، ويحبون أنفسهم أكثر من أي شيء وأنا كذلك منهم، ومثلهم، ولذا أحملك في روحي سراجا نيرا، أحدثك كثيرا وأعرف أنك تسمعني، وتتفهم حيرتي أمام هذا الكون والوجود والبشر ، وتستوعب هذياناتي الكثيرة التي ماهي إلا علاج مؤقت لاكتئاباتي الجارحة، تسمع أفكاري المجنونة وتقرأ نصوصي السيئة، وتضحك على نظرتي الغريبة للبشر والحياة، من هناك من عالم السرمدي الآخاذ ، وأفرح لأن ثمة من يهتم لي ويراقب خطواتي كي لاتنزلق في العدم والاغتراب.
هل تعلم ياحبيبي كم بكيت وأنت تذهب لزمنك السرمدي، ولمكانك الذي لا يماثله آخر، والذي سيكبر قلبك وعقلك  فيه، ويظل جسدك طفلا نقيا طيبا، بكيت كثيرا يومها، وأنا أسأل بجنون إلى أين يأخذوك، بكيت وأنا أقدم لهم عطر أمنا ليعطروك، وأنا أحاول الإفلات من يدي عمتنا الطيبة لألحق بك وهي تضمني وتمنعني، وربما همست لي يومها، هو بيننا سيظل كذلك لا تخافي.
وبكيت لاحقا حين شاهدت ذلك العطر، ومازال ذلك العطر يرعبني ويخيفني كلما شاهدته وكأنه سيأخذك مني مجددا، لن يستطيع أعدك، فأنت  خالد في  قلبي، وذاكرتي .

تعليقات