فاطمة الشيدي
شرفات _ جريدة عمان
٦ أكتوبر ٢٠١٥
وأنا أتابع (باليه بحيرة البجع) في الأوبرا السلطانية العمانية مأخوذة بجمال الموسيقا التي تغتسل فيها الروح، كنت أفكر في القصة الأسطورية والغرائبية التي قامت عليها، لبساطتها وبعدها عن الواقع، ولطاقة التخييل العالية التي ألهمت الكثير من الفنانين والشعراء والموسيقيين للعمل عليها في تنويعات عديدة للقصة لتخرج لنا عبر فنون عديدة وجميلة وخالدة في الزمن.
كما تداعت إلى ذهني كبريات الأعمال الأدبية الغرائبية التي أصبحت ذاكرة إنسانية عالمية مثل (الأميرة النائمة، وليلى والذئب، وسندريلا… الخ) وغيرها كثير وكثير، وما تحوّلت إليه هذه الأعمال السردية الغرائبية من أعمال فنّية عظيمة للكبار والصغار (أوبرا، وعروض ومسرحيات غنائية ورقص وباليه، وكرتون وأنميشن) وغيرها لتغزو مسارح العالم، وماتزال تفعل ذلك بوهج وتجدد كل يوم، بل أصبحت رمزا للحالة الرفيعة من الثقافة التي تزيد في رصيد الفرد والمجتمع والمكان بحضورها وقد يحزم البعض أمتعة السفر ليحظى بالمتعة والجمال المصاحب لها، كما تستضيفها كبريات المسارح ودور الأوبرا العالمية في تجدد دائم لفكرة الفن الخالد والمشترك في الإنسانية.
فكرت بعدها بنا؛ نحن (الشرق) بلاد الأساطير والغرائبيات والميثولوجيات العريقة، أصحاب ألف ليلة وليلة، والغول والعنقاء، وأبي زيد الهلالي وعلاء الدين والشطار والمقامات، وأول من ترجم الأساطير الهندية والإغريقية، وأدبياتهم ك(كليلة ودمنة)، ناهيك عن الحكايات الشفهية العظيمة التي تتناقلها الجدات والأمهات وكوّنت ذاكراتنا الأولى على مر الوجود الإنساني الذي كان مرهونا ومحتكما للغرائبيات والأساطير والسحر والجن.
ومع كل هذا فرصيدنا من هذه الفنون لا يكاد يلمس، فليس لدينا ما نباهي به، ونصدّره للعالم ونحتفي به ونجعله عنوانا لوجودنا الإنساني ولثقافتنا التي شكلت ذات يوم حضارة رفيعة كثيفة العطاء والإبداع وشكلت منعرجا مهما للذاكرة الإنسانية في الشرق والغرب، رغم إنكار البعض لذلك. وبعيدا عما حدث لاحقا ومازال يحدث من سقوط مريع وبعد روح الجمال والفن! لماذا لم ننتج أعمالا توازي هذه الأعمال الإنسانية، ولماذا لم يعاد تشكيل قصصنا الغرائبية الكثيرة فنا راسخا وجمالا خالدا يعاد تدويره ضمن معطيات الفنون الحديثة إلا ما ندر ؟!
هل الدين هو الذي حجب كل شيء، وصادر ذاكرتنا الإنسانية لصالح الحلال والحرام، وقد حرّم علينا الموسيقا والغناء والفنون جميعا؟! هل هو الجسد الذي أرعبنا وأشكل علينا فهمه، فشغلنا به أكثر مما يجب، وصدرناه إلى اللاوعي والضمير الجمعي كمحظور وتابو مرعب من أن نتماس معه، وأن نفسح له المجال ليبدع ويظهر عبقرياته في الرقص والغناء، وعزز الدين ذلك بعنف وقسوة ليجعل منه مرادفا للعذاب والويل والثبور من جهة والمتعة المؤجلة من جهة أخرى؟
هل هي عقليتنا العربية المريضة بالفتنة والخوف والتوجس، والتشكّل ضمن قاعدة الأعراف والتقاليد ؟ أم هو التخلف الحضاري والثقافي الذي احتوى ثقافتنا في زمن لاحق ثم شمل كل شيء من الفكر حتى الفن، ومن الرأس حتى الجسد؟!
هل هو اتحاد السياسة والدين والمجتمع لصناعة تابوهات جاهزة تحرم الإنسان من الوعي والجمال وتبشّع كل جميل وتحرّم كل ثقافة؛ لتحاصر وعي الإنسان وتحصره في مساحات ضيقة ومتخلفة إنسانيا وحضاريا باسم الرب والعادات.
الأسئلة كثيرة ومتعددة، ومهما كانت الإجابة فالفكرة أن الثقافة العربية لم توظف مفرداتها الخاصة وإبداعها الغرائبي التخييلي في مناطق الإبداع الفني موسيقيا ومسرحيا وتشكيليا. وللأسف لم يشتغل المبدعون على إنتاج هذه القصص في أشكال فنية جديدة، والذهاب بها أبعد من الورق المكتوبة فيه.
ولذا فقد ظلت مطمورة ومع الزمن ستصبح عرضة للزوال والنسيان مالم يهب الفنانون من الكتاب والمسرحيين والموسيقيين لإعادة إنتاج هذه الأعمال في أشكال جديدة، وصناعة فن عربي يحتفي بالتاريخ المكاني وغرائبياته وأساطيره العظيمة، لنثبت للجميع أننا أبناء حضارة ولسنا طارئين على الكون ولسنا موتى في ثياب أحياء كما نحيا اليوم.

تعليقات