التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان
21 سبتمبر 2015

المرأة التي تدخر الوجع في أضيق مسامات الجلد، وتبتسم للتفاصيل الصغيرة، وتحاول جاهدة أن تصنع الفرح كما يصنع نحات مهووس وجوهه وكائناته المؤنسة ويقهقه بهستيرية كلما صنع أكثرها جنونا; تمضي في اغترابات الحياة وهي تحاول أن تجعل الاشياء أسهل فقط، تغالب كل شيء غالبا لتنجو بقلبها كي لا يرين عليه السأم .. الحياة في حد ذاتها فعل مقاومة قال أحدهم يوما، وهي صدقته وآمنت بذلك.
تتشبث بالأفكار الكبرى كالحب والخير والجمال أبدا، وتذهب في مداها بكل ما تستطيع، ولكن تلك الأفكار غائبة أو مغيبة في غابتنا الكونية، تدرك ذلك جيدا، ومع هذا تتشبث بالقلوب القليلة التي تمنحها بعض أصابع أو شرفة صغيرة عند مدى قلبها، أو زاوية حادة جدا معها، فقط كي لا تسقط في مغبة الوجع وحيدة. وهي ظمأ كبير لا ترويه كل بحار الدنيا، وحقيقة ضائعة لا تخبر عنها الصور القليلة والناقصة الرؤيا والصدق، ووجع آثم لا يحيطه شيء، وضياع لا تدركه كل دروب التيه، وسراب لا ينقصه العطش.
تكتب وتقرأ لتعيش! فماذا يمكن أن يغريها أكثر من ذلك في حياة غير عادلة، إلا صلاة طويلة أو ضحكة طفل صادقة، الصدق العملة المفقودة في زمانات الكذب.
توزع زمنها في المكان والوجوه، هذه محاولة قديمة ربتها جيدا كمرض خبيث، للهروب من الحياة أو نحوها، لعبة تعلمتها وأتقنتها كثيرا.
وخارج القهوة والقراءة والكتابة، تتابع غالبا فيلما لتحظى بفكرة تدشن بها حضورا عرضيا جديدا للحياة، وتزيد اغترابها اخضرارا.
تختار أفلامها بعناية كالكتب والمدن أيضا، الأشياء العابرة والسطحية لا تليق بها، تجرح الوعي، أما العميقة فهي تشجي الروح، وهي تحب الشجن، الشجن فكرة شعرية جدا، ووعي راق أمام سذاجة العالم الهش.
يتصاعد حزنها بلا سبب غالبا، وكأنه مجرد مارد كامن وما أن يتحرك شيء إلى جواره، حتى يصحو ويمارس دوره في تلوين الروح بالألم، ولكنها هذه المرة حزينة جدا، لسبب كبير، وحقيقي ومنطقي، ومستحق وجدير بكل هذا الوجع الذي يجعل الروح تتقرح لفرط الحزن، فالقط الذي كان يدفئ أيامها ويصيبها ببعض المرح الاستثنائي مات، صديق الأمكنة والكتب والصور والضحكات والحب، صديق الصباحات والمساءات والكتابة، مرض بأكثر مما يحتمل جسده الصامت، وشقاوته البريئة، وأكثر مما يحتمل قلبها المثخن بالوجع، غاب وهي لديها عقدة الفقد، والموت الذي يغازل كل الكائنات بنتانته القصوى.
في يوم واحد فقط أصبح كزهرة نضرة، بدأت تذبل رويدا، ثم أصبح متقلصا على نفسه أمام جبروت الموت، شبه هامد، يعالج الروح بصعوبة، ثم أصبح جثة هامدة، أين ذهبت خفة الكائن الذي لا تحتمل؟ وجماله الذي لا يحتمل؟ توسلت له قاوم أرجوك، لا تدع الموت يهزمنا معا، ثمة في الحياة ما يستحق الحياة، قطعة لحم كبيرة، ونزهة في مكان به قطط شقراوات، ولكنه كان يبدو مستسلما وزاهدا في كل شيء.
هو لم يعلم كم تحبه، ربما أخبرته قليلا، ولكنه لن يستوعب حجم الفقد والفراغ الذي تركه في روحها، كانت اول ما تفعله كل صباح أن تعثر عليه لتبتسم، تدخر له تلك الفرحة الأولى، وحين تخرج من البيت تلوح له، وفور عودتها تأتي إليه ليتأكد أنها عادت لتكون في حيز وجوده، ولكنها هذه المرة ودعته، وهو يذوي، ثم عادت وهو جثة بلا روح، وسألت ذاتها أين ذهبت تلك الروح المرحة الخفيفة الطيبة؟ سؤال مزعج وموجع، تحررت الروح من الجسد ، ولكن إلى أين؟!
فكرة الموت الموجعة، والاحتضار الذي هو تحضّر مزعج للغياب يوجعها في مكان ما من الروح والذاكرة معا، كل فقد هو فقد قديم جديد، وكل موت هو وعد بموت آخر.
ذهب "آش"، لم يعد موجودا لتخبره القليل من أوهامها وأحلامها، ولن تقرأ له نصا سيهز ذيله وهو يسمعه مدعيا الإعجاب به، ولن يتمسّح بها رويدا رويدا حتى تأخذه إليها، ويسكن حجرها. أو يسكن قربها بوجوم تام، وهي تكتب، محترما فعل الكتابة كما علمته، كي لا تشرد أفكارها المجنونة التي أصبح يعرفها.
"آش" مات، و"هو" بعيد جدا، كالسماء التي لن تفهم مآسي الأرض من عليائها، مأخوذ بالفتنة الساحرة والمدن التي تضع قرنفلة بيضاء في خصلة شعرها وترقص التانجو في الشوارع المزدحمة بالسياح كي تؤجج شغفهم بالحياة، سعيد وممتلئ كضحكة منفلتة من عقال التروي أثر فرح كبير، فكيف لها أن ترى دمعة حائرة أو تستشعر وجعا ثقيلا في قلب غائم، أو تمد لها يدا كي تأخذها إليها لتبللها ببعض الفرح.
والحياة في مدن العرق باردة وداكنة أكثر مما ينبغي كي تزرع وردة بيضاء في روح حالكة يرهقها الغياب، والعيد قريب جدا، هي حزينة جدا الآن، ولديها كآبة الأعياد غالبا، والعيد الذي لا يأبه بغياب آش، أو حتى بحزنها، لن يتأخر يوما واحدا ، بل سيأتي ثقيلا باردا كدائما، وهي لن تقدم له أكثر من ابتسامة ساخرة وانسحاب كلي من طقوسه المريرة حتى يذهب بسلام !

تعليقات