التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

طهران- صلالة - عمّان - لبنان

فاطمة الشيدي
8 سبتمبر 2015
شرفات جريدة عمان

في السفر لا أحب صفة السائح، السائح كائن بغيض، متعالٍ على ذاته وعلى المكان، كائن يكتفي بقشور الأشياء، ومادتها الجاهزة في المكان والإنسان. وأنا لا أزور إلا المدن التي أحب، المدن الخاصة في الذاكرة أو الثقافة أو الوعي، مدن برائحة الحقول والنساء المضمّخات بالعطر الخاص، مدن لديها من الأسرار ما تتورع كثيرا قبل أن تبثه لأحد، أو للجميع، تحتاج من تركن إلى روحه الطيبة لتقول له بعض أسرارها، وتبقي الأكثر معلقا في حبال الوقت وغبار الأزمنة.
في السفر أصبح صديقة المكان، حبيبته العائدة من السفر لأحضانه، ابنه، أو أخت أو أم. وليس إلا وقت قليل، وتصبح المدينة جزءا مني وأنا جزء منها، المدينة تصبح مع الوقت صديقتي، أقدم لها نفسي بهدوء، كامرأة شقية بذاتها، وبوعيها، والمدن والبشر يحبون من يشتكى لهم، ويظهر أوجاعه بدءا كعربون أمان، ثم آكل ما تقدمه لي من أكلها الخاص، وأحاول أن أشبهها في كل شيء، إنها المضيف وأنا الضيف ومن المعيب أن يتشرط الضيف على صاحب الدار.
ثم بعد أن تشعر بالأمان، تنفتح لي وتحكي لي الكثير منها، وأتركها تحكي بحرية وهدوء، وأسمعها بمحبة قصوى، ستحكي عن طفل ودّعها ولم يعد، وعن آخر يعمل بعيدا وقد لا يعود، وعن حبيب خانها، وآخر هجرها، ستشتكي تغيّر الأحوال، وتبدل الصباحات، وهجرة الأحباب، وغياب الأصدقاء، ثم ستنشرح روحها، وتبدأ في بثي أسرارها الدفينة، فستحكي لي كثيرا عن طقوسها في شرب القهوة أو الشاي صباحا على صوت أكثر أبنائها حنانا وجمالا. وستحكي عن الحر الذي أصبح يزحف على روحها صيفا، وكيف تقاومه بالضحك على أشكال السائحين الهاربين إليها، وعلى أطفالها الجدد الذين يهدونها حلقا رخيصا وأغنيات هابطة، فتربت على أكتافهم وهي تعلم أنهم سيتغيرون يوما ويحبون الفنون الراقية، ستحكي كثيرا، وسأسمعها كثيرا.
وفي هذا العام أصغيت إلى أربع مدن مرة واحدة، وشغفت بهن وشغفن بي:
1.طهران :
لم تكن زيارتي لطهران مخططا لها، فحتى لو كنت قررت يوما أن أزور إيران، فلن تكون زيارتي لطهران، بل لمدينة أكثر جمالا وسمعة كشيراز مثلا، ولكنها كانت دعوة رسمية للمشاركة في معرض طهران للكتاب، الذي كانت عُمان ضيف شرف لدورته 2015، ذهبت برغبة كبيرة في التعرف على حضارة شرقية عريقة كحضارة بلاد فارس، وعلى إنسانها المتقارب معنا تاريخا وجغرافيا، أنا التي تدرك أن ثقافة المكان، وروح الإنسان هي الجوهر الأصيل للصورة العميقة لأي بلد، أما السياسة فهي لا تعكس الصورة الحقيقية للمكان، بل قد تكون وبالا على المكان والإنسان قبل أي شيء.
وأعترف أنني ذهبت إلى طهران ببعض الأفكار المسبّقة التي فرضتها السياسة والأعلام على ذهنية الإنسان، كالتشدد الديني والتعصب المذهبي، وأشياء من هذا القبيل، لم تطّلع طهران على توجساتي الغبية، فاستقبلتني بهدوء ورزانة، كابتسامة «سمية» التي استقبلتني هي وزوجها في المطار، وحملتني لفندق «أزادي» ومن ثم لبرج «ميلاد» حيث كان الوفد العماني يقيم معرضا فنيا للثقافة العمانية بفنونها وأزيائها هناك، وهناك كانت «عطية» المترجمة الصديقة رفيقة الرحلة، والشاعر الجميل «موسى بيدج» الذي ترجم نصوصنا، وقرأ معنا شعرا في المعرض، والدكتورة «بتول» أستاذة اللغة العربية، التي زارت عمان وفتنت بها مكانا وإنسانا.
كسرت طهران كل توقعاتي منذ أول لحظة، وجرحت الصورة الجاهزة التي ولّت لغير رجعة منذ أن أخذت بيدي لأمشي في شوارعها النظيفة، وبين أعطافها العبقة برائحة التاريخ، وجماليات الزمن الذي ترك خطوطه على وجهها كامرأة جميلة لا يزيدها الزمن إلا جمالا.
كانت النساء الجميلات بأثوابهن الزاهية كالفراشات والزهور التي تدلل المكان بحضورها أكثر ما يميز المكان، المرأة الجميلة والقوية والحرة في حضورها وعملها هو ما يدل على عمق الوجود الإنساني والثقافي للمكان وإنسانه. ولاحقا تعمّقت الصورة الثقافية في معرض الكتاب الشاسع حيث التدفق الكبير لشراء الكتب، ليؤكد لك أن عدد القراء هو معيار تقدم الأمم ووعي الإنسان والمجتمعات.
وحين كنا نقرأ الشعر في المعرض، كانت العيون والآذان تنظر بشغف لكل كلمة تلقى هناك، أما في جامعة طهران، وفي كلية الآداب وقسم اللغة العربية تحديدا، فكنت أصغي لهمس التاريخ، عن الثقافة الإسلامية المتعددة المشارب والإنسان، وعن واللغة العربية التي خدمها المسلم من كافة الثقافات، والفارسية أهمها.
كان كل شيء يحدثنا عن نفسه، وعن الإنسان وثقافة المكان ووعيه، الشارع كان حاضرا بجمال ودهشة، ثمة أطفال يبيعون المحارم والورد في الشوارع، ترفعا عن السؤال، وثمة بشر يمشون، يتكلمون، ويأكلون في كل مكان، على الأرصفة، وأمام المحلات التجارية، أحياء يعيشون بشكل يشبههم، المولات والمحلات التجارية تخصهم، وتعرض منتوجاتهم وأعمالهم، فهم يصنعون كل ما يحتاجون، ويصممون بيوتهم وشوارعهم وأبراجهم، وينفّذونها بحب وإخلاص، إنهم لا يستوردون كل شيء، ولا يُصنع لهم كل شيء في مكان آخر، كما نعيش نحن مستوردين، مستهلكين فقط، بلا قدرة ولا رغبة بتجاوز هذا الحال الذي صنع منا عالة على الوجود، متناسين ماضينا القريب، حين كنا نصنع كل شيء بأيدينا، بيوتنا، وملابسنا، وأدواتنا، وطعامنا.
ودّعت طهران التي قرأت فيها «قواعد العشق الأربعون» وكنت أتبع قلبي كما نصحني شمس التبريزي، ليظل عامرا بالشعر والحب. وأبحث عما تناثر من ظلال الصوفيين والشعراء، متحدة تماما مع روح الإنسان، وعبق التاريخ والحضارة والمكان. وعدت بالمن والسلوى، والمكسرات الإيرانية، عدت مفعمة برائحة المدينة وشعرها الذي علق في لغتي ونصي، كل شيء في المدينة أصبح جزءا مني، عدت باحترام وافر للإنسان والثقافة والمكان، وكل ما عدا ذلك هو صنيع سياسة، وزائل يوما.

2.صلالة :
في صيف شرس، فاقت حرارته كل تصور، حتى كاد الإنسان أن يتحلل فيه، لولا ثلاجاتنا الحياتية التي نعيش فيها، هربا من فرن خارجي ملتهب، تجلّت صلالة لتصبح ملاذا أو مهربا منه، في حلقة «التعليم من أجل التغيير» ضمن الملتقى الثاني للشباب أصدقاء منظمة المرأة العربية. الذي يهدف لتغيير وعي المجتمع تجاه قضايا المرأة، وتكوين شبكة من الشباب أصدقاء المنظمة الداعمين لقضايا المرأة كسفراء دائمين.
فتحت لنا صلالة أحضانها بالرذاذ والضباب والجمال السماوي الفارق، لتغسلنا برفق من صهد الطريق وحر المسافة، وكأنها الجنة التي عبرنا الجحيم لنحظى بنعيم حقيقي بين يديها، كنا نستيقظ كل صباح على صوت فيروز مغسولا بالرذاذ والحب، ونحمله معنا في مشاورينا كتعويذة أمان وجمال وفرح، فكل مكان في صلالة يمثل جنة حقيقية،«سهل أتين» يستفيض في سرد حكاية الجمال، فيما يهمس طائر جبلي بالقرب من«دربات» للعشب المسترخي بدلال بقصيدة عمودية عن أسرار التكوين وإبداع الصانع، وتتهند شجيرة عند «عين أثوم» تنظر لأقدام غضة تدغدغ نسغها بعبث، ثم تضحك بصوت يصل للجبل الذي يحرس كل ذلك الاخضرار، فيهز رأسه بحنكة جد الخليقة، ويمسح على رؤوس الأطفال بحنان عند عين «جرزيز»، بينما الضباب يتلو سورة الدهشة بين يدي الغرباء عند بحر الحافة وسوقها، فيتعالقون مع المكان بلهفة.
كنت منتشية بالجو الساحر الخلاب، ولكن أيضا كان يوجعني الكثير مما ينقص المكان، من خدمات سياحية وبنية تحتية، مثل التلفريك، والمقاهي الراقية عوضا عن مقاهي الطريق البائسة والتي تحتلها عمالة وافدة تجرح ذاكرتك ووعيك بتعاملهم السطحي مع جمال المكان ومفرداته، والمولات الكبرى، والفنادق المتوسطة أمام الغلاء المتوحش هناك، والمنشورات السياحية التي عليها أن تكون في كل فندق ونزل، ووجود شارع آخر لتسهيل الحركة البرية، عوضا عن شارع واحد (ذهابا وإيابا) تلتهمه الشاحنات ليل نهار، فالقليل من الاهتمام يمكن أن يجعلها قبلة العالم السياحية مع وجود الأمان والسلم، وطيبة الإنسان العماني.
أخيرا وقبل عودتي اشتريت وردة من بائع متجول في شارع قصي، كان يمشي بيأس وحيرة لأن أحدا من العابرين لم يلتفت إليه، أو لورداته التي يخشى عليها من الذبول قبل أن تؤدي رسالة الحب، ويؤدي هو طقوس المعيشة الصعبة، اخترت الأصفر وتركت الأحمر لأن الأحمر أكثر استهلاكا في قوانين التعبير عن الحب، سيشتري الحمراء عاشق مرتبك لتقول ما يعجز عنه، أو متمرس في الكذب لتلهمه كلمات لزجة وتعابير كاذبة ومكرورة، أو زوج فقد القدرة على الغزل مع الزمن، فأوكل الموضوع للورد.
ثم تركتها في الفندق لغريب أو وحيد، أدرك كم سيحتفي بها، ويتصاعد في أوهامه معها، وسينسج حولها الكثير من القصص عن عاشقة وهمية تضع له الورد في طريقه، وتنتظره في كل مكان، وربما سيغير النهاية كل مرة، وربما غير بطلة القصة أيضا، ولكنه سيشعر بالفرح مع كل حبكة جديدة، ومع كل فكرة عن العاشقة الغريبة التي تركت له الوردة الصفراء وهي تحترق عشقا وشوقا وغيرة، فالأوهام زاد الغرباء، وأجنحة الوحيدين، وملاذ البسطاء.

3.عمّان:
ليست عمان ذاكرة طارئة، ولا مدينة سياحية، إنها مدينة القلب الذي عاشها وعاش فيها ومعها سنوات من العمر، عانقت فيها شوارعها ومقاهيها ومكتباتها كثيرا، في كل زيارة من زيارات متكررة، من «إربد عروس الشمال» ولذا كانت عودتي لها من باب السلام لروحها، كابنة بارة أكثر من سائحة باردة.
عمّان، أو الأردن كلها مدينة صارمة، كامرأة عربية شامخة، لا تفصح عن مشاعرها دفعة واحدة، إنها تحتاج لزمن لتهبك ودها، وتعرفك أسرارها، وتفتح لك أحضانها بالحب، ولكنني سلمت عليها في زمن قصير، سلام المحب العارف، ففرشت لي قلبها، وأهدتني محبتها سريعا، محبة برائحة القهوة العربية التي لابد أن يتذوقها كل من يعبر مقاهيها، وشوارعها، وبذاكرة متسعة عن كل شبر فيها، كـ «البتراء»، و«جرش»، و«البحر الميت»، و«العقبة»، وضواحيها التي تشربت اخضرارها، ولذا فلم أكن أحتاج أكثر من قضاء أيام بين يديها بود وسلام، في طقس لطيف، أو على الأقل ألطف من جو تركته ورائي على أمل أن يتحسن مزاجه قليلا قبل أن أعود.
كنا نتتبع روح المكان فقط، بعيدا عن الإنسان الذي بات خنجرا في ذاكرة أي مكان غالبا، يجرح محبتك للمكان بلا وعي منه، ويجعلك هدفا لكل شيء سوى المحبة والتعالق مع المكان، وفي مقهى على الشارع «وسط البلد»، ولاحقا في مقهى «جفرا»، ثم في مولاتها الواسعة كنا نجلس طويلا لنقرأ ونشرب الشاي بالنعناع حيث تتوغل رائحة المكان بعمق في مسامات الروح والجلد، وكنت أقرأ كزنتزاكيس «الحديقة الصخرية» الرواية الساحرة والمتأملة للمكان بجمال صارم أيضا، وكنت أبتسم للصدفة التي جمعت جماليات المكان، والكتاب معا، وتشابهما بشكل ما من وجهة نظري.

4. بيروت:
ما أن حطت رحالنا في بيروت، حتى بدأت الأغنيات تتدفق في رؤوسنا، صوت فيروز، ووديع الصافي، وماجدة الرومي وغيرهم، والقصائد بصوت جبران، وإيليا أبو ماضي، وأنسي الحاج، وغيرهم أيضا، لبنان الجبل الصغير الذي صدّر أجمل الإبداع للثقافة العربية شعرا وفنا ومسرحا، ممن عاشوا فيه أو خارجه. وكانت زيارتنا لمتحف المشاهير تخليدا لهذه الفكرة، وتذكيرا للزائرين بمن أنجبتهم لبنان وخلدوها في أرواح عشاقها، وطويلا وقفت إلى تمثال جبران نبي السلام، متشبثة بلغته وفكره، لأحظى بالمحبة التي نادى بها، ولأخبره عن وجعنا الذي يكبر ويتمدد كل يوم باسم الكره والحقد والنفوس الصغيرة.
كانت الحمراء المدينة التي اخترنا لتكون سكننا شارعا مفعما بالحياة، – رغم كل الأزمات التي قرأنا عنها قبل مجيئنا، كأزمة القمامة، والحر وغيرها – الحياة بكل حضورها وتنوعها، المقاهي الراقية، والمقاهي الشعبية، تتبعنا صوت الحياة في بيروت، وعبرنا من الشارع للبحر، ومن المدينة للجبل، من «بيروت سوق» حتى «زيتونة باي»، ومن «مغارة جعيتا» حيث الطبيعة تنسج قصائدها بعبقرية وجمال، وحيث عبقرية الإنسان في تقديم الحسن، بمخاطبة الحس العالي للكائن الهارب من فيوض القبح في كل مكان، حتى «جبيل» حيث الجمال والبحر والتنوع والدهشة، و«قصر موسى» الذي يدلل على عبقرية الإنسان وإصراره على صناعة الجمال والتفرد، من بيروت حتى الجنوب، مرورا بصيدا، كانت تنقلاتنا دهشة منفلتة من عقال التروي، لجنون الحب والفرح والجمال، كل شيء في بيروت قصيدة شعر، أو حكاية منسوجة بترو ودهشة، أو لوحة فنية رفيعة الحس.
بيروت التنوع، والاختلاف في كل مفردات الحياة، اللباس، والألوان، واللغات، والأديان والطوائف، الذي يشعرك بالجمال والحرية في كل شيء، ويصيبك بالفرح في أعمق مساحة من روحك المتلهفة له، حتى لتشعر أنك في عالم آخر عن عالمنا الموبوء بالتفرقة والقهر والوجع من الماء إلى الماء.
ولكنك ما أن تستمع لحديث سائق التاكسي عن الحرب الأهلية، والطائفية المقيتة التي تتغلغل في مسامات الإنسان العربي جهلا وظلما، وعن اللاجئين السوريين في لبنان، وعن السياسة اللبنانية التي تفرق ولا تجمع، حتى تصاب بالوجع ذاته، وتتمنى عليه أن يسكت، نحن الذين في كل مكان نزوره نتجنب البشر بأمراضهم التي باتت مرهِقة، والحكايات التي تفتح جراحات القلوب الراغبة في التأسي، عبر هروب صغير خارج الشاشات المضيئة، بأخبارها المسلوقة على عجل، والطاعنة للروح بتؤدة ومهل، ونحرص أن نظل بعيدا؛ إلا من ثرثرة سائقي التكاسي وتحليلاتهم المكشوفة، متشبثين بجماليات المكان وحكاياته وتاريخه، لائذين بالفن في كل تجلياته عبر المكتبات والمعارض الفنية والسينما، ليسعفنا الحظ في حيزنا الوجودي المكاني، بفيلم جوليا روبرتس الشهير عن رواية «طعام، صلاة، حب» لنذهب معه في فكرة الرواية عن الروح الحيرى التي تبحث عن السلام والفرح عبر السفر، في الطعام أو الصلاة أو الحب، صلاة الروح وطعامها وأمانها وسلامها، لنغادر بعدها بيروت ونحن نغني «لبيروت من قلبي سلام»، «ياست الدنيا يا بيروت». ونتمنى أن تظل بسلام، لتكون ست الدنيا وقبلة الجمال دائم