التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

التعايش السلمي حكاية عمانية جدا

القدس العربي
فاطمة الشيدي
يكثر الحديث عن جماليات التعايش السلمي الاجتماعي بين العمانيين من مختلف المذاهب والطوائف والأعراق، ويحاول البعض إرجاع الحالة للدين أو السياسة، والحقيقة أنها حالة إنسانية قديمة جدا، تختص بالإنسان فقط، فلم يكن أحد من العمانيين يعي معنى التعددية، وهم يعيشون في قرى صغيرة تتداخل فيها ثلاثة مذاهب بقوة وحميمية (السنة والشيعة والأباضية)، وقبائل كثيرة، (خاصة أهل السواحل)، قرى تشرف على البحر، أو يشرف هو عليها بالمعنى الأجمل كأب روحي يفيض بالمحبة على الجميع، وتحضن أطرافها الأخرى مزارع كبيرة ترقد إلى جوارها مزارات وأمكنة قدّسها الناس بحكمة الجهل. قرى يجوبها كل الأطفال معا بلا أحذية؛ مغبري الوجوه والأيدي ومنكوشي الشعر كمعظم أطفال الدنيا في مرحلة الفردوس الإنساني تلك. 
وكنموذج في قريتي وفي الذاكرة البدئية (البسيطة الضوء الآن) كانت البيوت قرب البحر تماما، وكان الجميع رجالا ونساء يهرعون كل صباح ليأخذوا حصتهم من "الضغوة" ونصيبهم من خير البحر وخيراته من السمك الطازج كالـ "العومة واليميامة والغلية" وغيرها من السمك الصغير والرخيص، لأن السمك الكبير يحافظ الصيادون عليه ليبيعوه في السوق ليعيشوا منه، أو من "الدوك" وهي نوع من الرخويات التي يفيض بها البحر، و"الجاشع" وهو سمك السردين مجففا. وأمام البحر كان الجميع أخوة لا فرق بين أحد، كل رجل هو شقيق كل امرأة، وكلنا ينادي كل رجل "عمي"، وكل امرأة "خالتي". 
وفي المرحلة الأكثر حضورا في الذاكرة كانت المزارع هي الحياة، ولذلك كان موسم "اللقاط" وهو تجميع ما تسقطه النخلة من تمور لم تستوِ بعد، و"الجداد" أو كما تنطق بتحويل الجيم لياء "اليداد" وهو حصاد ثمار النخيل بجذ عذوقها، ومن ثم فرشها على "دعون" وهي المصنوعة من "خوص" غصون النخيل الكبيرة، ثم وضعها في "خصف" وهي أكياس تصنع أيضا من أوراق النخيل بمهارة يدوية عالية جدا. 
كانت تلك المراحل المضنية يمر بها الناس جميعا ومعا، للوصول "للدبس" عسل التمر الذي سيفيض خيره في مخازن كل بيت، المهم في الأمر أنه في كل مرحلة من تلك المراحل كان العمل جماعيا، حيث يتعارف الجميع أن اليوم العمل في مزرعة فلان، أو يتسامعون فيذهبون بلا دعوة وكأن الواحد ذاهب لبيته ومزرعته، ويشترك الجميع في العملية المرهقة التي تكون في عز مواسم الحر، لذلك تجد الثياب الخفيفة أصلا، ملتصقة بالأجساد، ولكن الجميع مستغرق في العمل بجد، رجالا ونساء وأطفالا، وهناك لا أحد يتساءل عن قبيلة أو مذهب أو لغة. 
في البيت الذي كان يقع على البحر مباشرة كان كل الجيران من مذهب السنة، وفي البيت في الطرف الآخر من القرية كان كل الجيران شيعة، وفي كلا البيتين، كان كل جار هو عم، وكل جارة هي خالة، بلا أدني تفكير لأن هذه عادة الجميع. 
في القرب كان هناك عدة عوائل من البلوش كبار السن الذين يتكلمون البلوشية حتى ذلك الوقت، وينطقون العربية مكسّرة، وهذا كان يخلق حالة من الحميمية الرائعة خاصة مع كبار السن منهم. وكانت "اماه هـ" كما كان الجميع يحبها ويناديها أما للجميع، وكانت حين تكلّم الرجال (وهم رجال تلك المرحلة بكل عنجهية الذكورة وسلطة القبيلة) تكلمهم بصيغة نسوية مثل" "انتي وينك، أنا من زمان ما شفتك، انتي ما زينة، ما تسألي عني وأنا حرمة كبيرة وأنا ربيتك ولاّ نسيتي الحين يوم كبرتي" .كان الجميع يضحك، ويقبل رأسها ويستسمح منها الرجل الذي "تتشره عليه" أي تعاتبه. 
في زاوية أخرى كان الشيعة يشكلون بلغتهم العربية وغير العربية مجتمعا قويا ومتداخلا مع الآخرين، بل كان الأغلبية من أبناء القرية يحتفون بمعظم المناسبات الدينية الشيعية، بكل طقوسها، بقوة المحبة التي تفرض تقاليدها، وكانت الجدات تحب أن تذهب للمأتم، وتأخذ معها أحفادها أو حفيداتها، لربطهم على جدران المآتم كحالة شيعية تماما. 
وكان الجميع يحفظ تلك المناسبات خاصة في محرم، ويتلذذون "بالهريس" "والعيش واللحم" القادم من هناك مع كل مناسبة، الحالة السائدة كانت احترام كل مذهب وكل قبيلة وكل لغة، بل التداخل والتعايش والتزاوج بينهم. 
وكان "أطفال الحارة" يذهبون عند معلم القرآن الذي قد يكون شيعيا، أو سنيا أو أباضيا، وكانوا جميعهم يحفظون القرآن ويدرسونه لهم بمحبة ولسان عربي مبين. 
في المدرسة كانت الفتيات من مختلف القبائل والأعراق، وكانت الفتيات البلوشيات والشيعيات (خاصة العجم والبحارنة واللواتي) القادمات من مدن أخرى في سبعينيات القرن الفائت، يتميزن بالجمال الشديد، كطول القامة وبياض البشرة، وجمال الشعر والعيون، مما كان يشعر بنات القرى العمانية اللواتي يتسمن بالسمار والنحافة والقصر بالغيرة النسوية، ولكن كان هناك ما هو أهم مما يستحق الغيرة فعلا، فهناك الجرأة والقوة والجسارة والحيوية والنشاط، كانت بنت القرية تخرج من بيتها ثقيلة بكل ممنوع ومرغوب، وبكل خطأ وعيب وحرام، وكانت تصب جل اهتمامها على دروسها، نعم كن الأكثر اهتماما وتفوقا، ولكن خارج حجرة الدرس في الأنشطة المدرسية كالرياضة والفنون والموسيقى والحركة الكشفية، والمسرح والإذاعة والغناء والرقص والأزياء وحتى في دروس الرسم واللغة الإنجليزية كانت الخبرات العمانية الأصيلة قليلة جدا إذا لم تكن معدمة، إلا للقادمات من مكان ما وعالم آخر غير القرى والولايات. 
وكان ذلك التنوع بداية مرحلة جديدة من الوعي، وحالة من التحفز للخروج على كل تلك الرتابة والملل في مجتمع وليد وجديد، وبلا خبرات كثيرة، لذا شكل المختلف عن هذا المجتمع عامل جذب للكثيرين خاصة مع كل من سافر لأمكنة أخرى خارج ذلك المحيط أو من الجاليات غير العمانية. 
في المرحلة الثانوية كان التنوع أكثر وأوضح حيث وجدنا جاليات من مختلف الدول وعمانيات من مختلف الأعراق كالأصول الهندية والإيرانية، وربما كنا لازلنا نحمل في عقولنا صورة نمطية للمجتمع واللغة التي ينبغي أن نتحدث بها، ولكن كان أن هزمت الكثير من الصديقات والزميلات غير العمانيات، وغير ذوات الأصول العمانية الراسخة كما يراها العمانيون تلك الفكرة بقوة، حيث كن نتنافس معهن في اللغة العربية، ثم ذهبت إلى غير رجعة حين عرفنا أن أهم من نظّر للدرس اللغوي العربي كان من أهل فارس ممن تعلموا العربية وعشقوها وخدموا جمالها. 
حتى تلك المرحلة لم يكن معنى "الزنجباريين والسواحيلين" حاضرا بعمق وفهم، حيث كان في ساحلنا هناك قلة منهم، وكان لدينا تصورات قليلة وناقصة عن كونهم أفارقة تعمّنوا، أو عمانيين عاشوا في أفريقيا ومن ثم رجعوا، ولكن كان لدى النساء خاصة تصور عن النساء السواحيليات يتعلق بنظافة الجسد والبيت، كما يتعلق بالحياة الزوجية وشغف الرجال بهن، وكنا يرددن إذا عرف الرجل سواحيلية لن يتركها. 
في مسقط علمنا أكثر من هذا عن جمالية الانفتاح والوعي، والتدين، والقوة. عرفنا قوة المرأة الداخلية وانعكاسها على تصرفاتها وحالتها الاجتماعية والفكرية، فالمرأة العمانية (بالمعنى التقليدي) تربت على أنها ضعيفة وتحتاج من يساعدها بالضرورة، والرجل العماني تربى بروح ذكورية تجعله حارسا للقيم، ولكن لا بأس أن لا يلتزم هو بها لأنه رجل، وكأن الرجل معفي من العقاب والمحاسبة في الدنيا والآخرة، بينما تسود روح القوة والتساوي والتوازن بين الرجل والمرأة من العمانيين القادمين من بيئات أكثر انفتاحا وجرأة. كما تسود لديهم حب الحياة، والإقبال عليها، والانفتاح على كل جديد في العمران والملابس، والسفر وتربية الأطفال وغيرها من الجوانب. 
إن سر التعايش السلمي بين الجميع، أن في بلادنا المترامية الأطراف بين شرق وغرب وشمال وجنوب، بين سهل وجبل، وصحراء وبحر هناك الكثير من الاختلاف والتنوع والتعدد، هناك الكثير من اللغات والكثير الكثير من اللهجات والعادات والأعراق، وبالتالي هناك الكثير من الجمال، تنوع ثقافي وعرقي ولغوي، وذلك هو ما منح العماني قوة التسامح والتعايش، وساعده على فهم الآخر وتقبله، كما ساعده على الانفتاح على ثقافات وحضارات أخرى قديمة وجديدة ومتعددة، في عالم يكبر فيصغر، ويتسع فيضيق، عالم ليس به مكان للمنغلق والمتحزب. 
ومع الزمن تقلصت البيوت على أهلها، وقلت التداخلات الاجتماعية ولكن بقت الحالة قائمة على الاحترام المتبادل والمحبة العميقة والتفاهم الجميل، باسم الإنسان وليس باسم السياسة، أو الدين المقدم عبر وسائط دنيوية لأنهما ما دخلا في شيء إلا وأفسداه.