فاطمة الشيدي
القدس العربي 5- 7- 2015
يعتبر
شهر رمضان إضافة إلى العبادة المفروضة؛ مكوّنا ثقافيا إسلاميا، وذاكرة مكانية وجمعية
تتلخص في فرح التجمع، وروح الصيام، وضحكات الأطفال، والموائد العامرة، وتبادل
الطعام بين الأهل والجيران قبل الأذان، أصوات الآباء تتحشرج بالدمع وهم يقرأون
القرآن قبيل الغروب، انتظار أذان المغرب بشغف، السحور الذي نستيقظ إليه مسرنمين
فلا نعرف ما يدخل في جوفنا امتثالا لرغبة الأم، وواجب الصيام، وهربا من جوع مقبل
لا ريب، العطش الذي يحاصر أوردتنا فنرده بالصبر والإيمان، "شوربة الحب"
و"لقمة القاضي" وغيرها من الأكلات التي لا تتجلى إلا مع ظهور هلال رمضان.
سوالف الفطور، والسهر حتى أذان الفجر، والنوم ببطون لا تكاد تجتر النفس من كثرة
الطعام، والتسابق للمطابخ بعد صلاة العصر لتمضية الوقت أكثر من صناعة الحلويات
وأكلات رمضان. توزيع الطعام بين الرجال والنساء والأطفال والجيران، و(اللولاة والزلابيا)
التي يحضرها الرجال من السوق، حيث يلذ لهم بعثرة الوقت حتى موعد الإفطار،
وقد لا يأكلها أحد.
وهو
أيضا حالة روحية توحد الجمعي والفردي في لذة الإيمان، وسمو الأرواح، تبدأ بدعاء
دخول رمضان وعقد نيّة الصوم كلما هلّ شهر الصيام، وصوت صلاة التراويح الذي يشج
آذاننا، ويجرح قلوبنا باللهفة والإيمان في كل "حارة وفريج"، دعاء
الأمهات، تلاوة القرآن، والتنافس في ختمه أكثر من مرة ووهب ذلك عن أرواح الموتى.
صوت
النقشبندي، والأناشيد الرمضانية التي تنطلق من المذياع من كل بيت ممتزجة مع رائحة
الطبخات الرمضانية الخاصة، والتي قد لا تخلو من الموسيقا، فلا يكترث أحد سوى
بالمعاني التي تعمق الإيمان وتروي الروح العطشى بالحب الإلهي الصادق.
صلوات
الليل تهجدا وسحورا، الأدعية المتناثرة من كل فيه وقلب. رقي القلوب، وكثرة الخير،
والامتناع عن الشر والحقد والغيبة والنميمة طيلة نهارات الشهر لأنها تفسد الصيام.
ولا يهم إن تراخينا عنها قليلا في الليل،
أو عادت العادات القديمة بما فيها النميمة مع أول أيام العيد.
رمضان كان
واحة سلام للقلوب، ولجة نور للأرواح، ومساحة تأمل نتعرف فيها على أنفسنا أكثر،
ونقترب من الله أكثر، ونشعر بالإنسان، ونتفكر في الكون ..أكثر وأكثر.
أما رمضان
اليوم فقد أصبح غريبا بيننا، فالمجتمعات العربية تذهب عاما بعد عام في إعادة تصنيع
الدين وفق مصالحها السياسية والاجتماعية، وتتغير الطقوس الدينية حسب الحالة
النفعية في تخلٍ نسبي وابتعاد متفاوت عن هدف العبادة، أو قيم الدين، وليس أدل على
ذلك من رمضان الذي أصبح –للأسف- سوقا مفتوحة للإسفاف والإسراف بكل اتجاهاته
الغذائية والفنية والإنسانية، فلا أحد يعمل في رمضان سوى المطاعم والمقاهي وربات
البيوت، وصناع الدراما والإعلانات، كما أن الحكمة الجلية من الصيام وهي الإحساس
بجوع الفقراء، قد انتفت تماما، هذا إذا لم تتحول لمكايدة وقحة لهم بكثرة الطعام
والموائد العامرة، أكثر من أي وقت في العام، أما الحالة الروحانية فلم تعد أكثر من
حالة دعائية سمجة للتدين والخشوع والامتثال لأمر الله. حيث يتحوّل الأغلبية مع
دخول رمضان أو قرب دخوله، لدعاة للرب والعبادة، مع ما يصاحب الحالة من تصنع
التدين، ومغازلة السماء بالأدعية، فينشط
الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي (الواتس أب، والفيس بوك، وتويتر،
والانستغرام) فتتغير صور "البروفايلات"
وتكثر مسجات الأدعية، والدعوة للتوبة، والخير والإخلاص، وبر الوالدين،
والصدقة، والأمر بالمعروف وغيرها من القيم الإسلامية، وكأن الله يعبد في رمضان
فقط، ومع تقدير ما يتطلبه هذا الشهر من تكثيف العبادة إلا أن الأمر يصبح مقرفا
ومملا، حتى يتبادر لذهنك أن تصرخ في الجميع أو تبعث برسالة عامة فحواها "أن
الله لا يملك حسابا على مواقع التواصل الاجتماعي"، لذا لن يقرأ أدعيتكم، ولن تصل له كل تلك
التوسلات، ولن يرى الصور المعبرة عن الاحتفاء بهذا الشهر، ومن ترسلون له هذه
الأدعية ليس الله ليجيبكم، أنتم بحاجة لطريقة أسهل وأضمن للوصول الحقيقي لله،
الدعاء الحميم والقريب بين يديه مباشرة، إنه لا يريد وسائط بشرية أو الكترونية
بينه وبيننا، هكذا خلقنا وهكذا أمرنا. فلماذا تلجؤون للبحث عن الله وهو في
قلوبكم؟! ولماذا هذا السيل العلني من الأدعية، وهو علام الغيوب؟!
وكان
يمكننا أن نقف عند هذا الحد، لندعي أنه تأثير الحياة العصرية، والتقدم التكنولوجي،
وتداعيات الرأسمالية البغيضة، والعولمة التي مسخت المجتمعات لحالة متشابهة، وسرقت
الخصوصية الإنسانية لكل منها؛ ولكن ما حدث في هذا الشهر من الدموية والوحشية،
والقتل الوقح والصفيق لضيوف الرب، وعباد الرحمن، لمسلمين يصلون في بيوت الله، وفي
خيرة أيامه (الجمعة)، وفي شهر رمضان المبارك، تجعل المرء يكفر بكل شيء، ويتساءل
هؤلاء القتلة بأي رب يؤمنون؟!
إن تفجير
مسجد الإمام الصادق في الكويت، أصاب
العالم بالذهول، واستدعى كل القتل القبيح والمتكرر لمسلمين، لأشقاء الدم
والدين والتاريخ والذاكرة والمكان في (السعودية، وتونس، ومصر، وسوريا، والعراق)
وما غيرها ببعيد عنه، فهو الشر الكامن، والذي لا يعرف المرء متى يفصح عن وجهه
القبيح، وعن فعله الدنيء النتن، وأين، ناهيك عن الدول الغربية التي فتحت لهم
أبوابها واحتضنتهم حين نفتهم أوطانهم، هذا القتل الصفيق من مدعي التدين، القتل
الطائفي البغيض الرامي لخلق الفتنة والشقاق، وإذكاء روح التفرق بين المسلمين، هذا
الزهق الدنيء والجاحد لأرواح مسالمه، باسم الرب الرحيم، وفي شهره الكريم، وهو منه،
ومنهم براء.
فنحن
هنا لا نتحدث عن الطغاة، والسفلة والمجرمين، يمكننا أن نجد لهؤلاء أعذارا الآن،
نحن هنا نتحدث عن متدينين يوهموننا بأنهم يعبدون الله، ويحبون الله، وأن الله أمرهم
بما يفعلون! متدينون يصدّرون صورة "الله"
للعالم وفق مقاييسهم ومواصفاتهم، ويقفون على باب الجنة ليمنعوا كل حليق، ومقصّر،
ومتبرجة ومن مذهب مختلف، أو من دين مختلف من دخولها، ويلقون بهم في النار، وهاهم
يقتلون مصلين تقربا لله، ويمنحون صك الغفران لأطفال أو معتوهين، لقتل مسلمين
يسجدون بين يدي خالقهم، فمن هؤلاء؟ ومن أمرهم بذلك؟ ومن سوّغ لهم أفعالهم القبيحة؟
ومن منحهم هذه الهالة المقدسة؟ ومن قدّم لهم فتوى تحليل الانتحار والقتل واعتباره
شهادة، والانتحار في الإسلام جريمة، لا تقل عن قتل نفس أخرى، فكيف بمن يقتل نفسه،
ويقتل مسلمين آخرين، كيف يمكن ان يكون مسلما، أو إنسانا؟
هل هي
الشعوب الخائفة؟ أم الحكومات التي تدّخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار؟ أم العلماء
الذين لا يعلمون؟ وكيف وصلوا لهذه الوحشية؟ أين تربوا؟ ماذا يقرأون؟ ماذا يملكون
من قوة مادية ونفسية تجعلهم يسخرون كل الأسباب والسبل لتحقيق أهدافهم الدنيئة؟ ماذا
فعلوا لذلك الشاب الغر الصغير، وغيره آلاف، ليخرجوا من حب الحياة، وحلاوة الروح،
ويذهبون للموت طواعية، يعانقون الموت ويقبلون على النهاية بكل يسر وبساطة وربما
نشوة، متناسين الأهل والحياة والزوجة والأطفال؟
فحتى الجهاد به نسبة نجاة ونصر، أما تفجير النفس فهو موت حتمي، هذا ناهيك
عن قتل مسلمين ساجدين لربهم. فهل يختارون معتوهين، أو يشربونهم ما يمنعهم من
التفكير السوي، أو يخضعونهم لجلسات غسيل مخ حقيقي فسيولوجي؟!
لقد
وضعنا هذا الحدث أمام أسئلة صادمة فعلا، وأصبح لزاما علينا أن نتساءل عن كل هذا؟ وأصبح
لزاما علينا أن نرفع أصواتنا في وجه كل هذه الفئات (حكومات وشعوب، وعلماء) التي صنعت
هذا الإرهاب بيننا، وغذته وكبرته وأكبرته، ونحن في غفلة من أمرنا؛ ماذا بعد؟ ماذا بعد
كل هذا الخراب الكوني المحيط بنا، وكيف يمكننا أن نعيش أو نتعايش مع هؤلاء القتلة؟
ومن يمكنه أن يؤمن بدين أو برب يمثله هؤلاء؟ وكيف يمكن للأطفال والناشئة أن يحبوا
الله، ويعبدوه في رمضان، أو خارج رمضان، وهذه الجرائم تحدث باسمه الجليل، والجميع
يدعي التدين والشهادة "فكل يدعي وصلا لليلى**وليلى لا تقر لهم بذاكا؟ كيف
يحبون الله والحياة والأوطان؛ ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت
كغراب ينعق بالموت؟ وماهي إلا مجرد انعكاس لهستيريا كونية تتمدد في الخارج، من جرائم
داعش المخزية باسم الله والإسلام، وحتى الجهل الممتد من الماء للماء والذي يبيح
القتل والسلب والتكفير، ويسوّغ القبح والحقد والكراهية بكل مسمياتها الدينية
والفكرية والاجتماعية، مرورا بالظلم والفساد الذي ينخر مجتمعاتنا (المسلمة!) ويكبل
إنسانا ويتعالى فوق القانون، لأن له اليد الطولى والقوة الراجحة الكفة، وليس نهاية
بالجوع الذي يثقب أمعاء البشر في العديد من بقاع هذه البسيطة، في حين يلقي
الصائمون (تقربا لله!)، كل يوم أطنانا من الطعام في سلة المهملات، وهم يرددون
الأدعية بالرحمة والمغفرة، أمام شاشات التلفاز العريضة التي تتفنن بدورها في
بث أطنان من التفاهة المخزية.
إننا
نعيش مرارة لا يشفع لها رمضان، كما لا يشفع للإنسان الحقيقي كل المحاولات الجمالية
التي يحاول بثها في الوجود أملا شعرا وفنا وغيرها من إبداع الإنسان المناضل
بالجمال ضد القبح، فالقبح أكثر بكثير، لقد سرقوا منا كل شيء، لقد سرقوا ديننا،
وإنساننا، وأحلامنا في غد أجمل، وبتنا بحاجة ماسة أن نتحرر، ونحرر ديننا من كل هذه
الوجوه والأفكار البائسة بكل الوسائل والطرق الممكنة، قبل أي خطوة نحاول بها
الذهاب للمستقبل.
تعليقات