التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

طقوس وعادات غريبة يمارسها الكتاب ليبدعوا

طقوس وعادات غريبة يمارسها الكتاب ليبدعوا :
يشربون القهوة ويتأملون سقوط المطر –
استطلاع :عاصم الشيدي –
ملحق شرفات الثقافي
9 يونيو 2015
فاطمة الشيدي
لحظة الكتابة تشبه مخاضا عسيرا، ولها طقوس استثنائية أو عادات سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، وعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فعني لا أملك أن أشيح بوجهي خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، حيث أشعر في تلك اللحظة أن ثمة شيئا ما قاسيا يجبرني على تتبع حالة الجزع التي تعتريني غالبا، وتتصاعد في رأسي هذيانا، أشعر أن ثمة ما يستيقظ فيّ، يقتاتني بنهم، أشعر بي ممتلئة بشكل يصعب معه الاستمرار، عادة تكون مشاعري متحفّزة على أكمل حالات التربص والنضج، كثيرا ما أشعر أني حزينة، أو سعيدة، أو متوترة، أو غاضبة بشكل أكثر من المحتمل وأرغب في الراحة.
قبل كتابة أي نص ينتابني شيء يشبه المخاض، لذا فكلي يصبح منتظرا لحالة ولادة جديدة، بكل ألمها ورغبة التخلص، والانصياع التام لطقوس الألم، وكلما شعرت بهذه الحالة أفضل الاختباء عن الآخرين، أشعر بي منتفخة بما لا يسمح لي برؤية أحد، لذا أفضل الهروب للداخل قصيا، أمارس العزلة بافتتان مهيب، أحبس أنفاسي توجسا وانتظارا بعيدا عن الجميع. وثمة خوف ما، وتوجس بألا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
عند الشعور بهذه الحالة التي تتصاعد في احتدامها المؤذي، أهرب للداخل تماما، لأقصى بقعة في العالم الحقيقي والنفسي، ألج أضيق مكان ممكن مني، لا بأس بالسكون طويلا تحت الغطاء، أو تحت طاولة الكتابة، أشعر بالرغبة في البكاء؛ لكن هذا لا يحدث عادة، لأن النص هو البديل، ولو حدث ذات مرة وبكيت، فلا نص يولد حيث تتحول الكلمات ماءً طاهرا يغسلني برفق أكثر من ولادة القصيدة الجارحة .
من أظرف ما قد يحدث لحظة الكتابة كطقس (غير سوي) الميل للفوضى في كل شيء، في الهيئة التي غالبا ما تكون أشبه بشكل جنية (هبت لتسرق الحلكة من جنبات الطرق، ولتبعث شيئا من رائحة الجزع في أرواح منبسطة)، المكان أيضا لا بد أن يكون فوضويا بشكل محرّض على الكتابة، ولا بأس بالكثير من البعثرة والأوراق والروائح ربما، أليس الشعر مادة تهرب لنا من وادي عبقر، بواسطة الجن الذين لا أظنهم يحبون الجمال والطيب.
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك.
مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزينه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي.

تعليقات