القدس العربي
يونيو 6, 2015
فاطمة الشيدي
ما زلنا نسمع بين الفينة والأخرى عن منع كتاب ما، في أحد معارض الكتب العربية، كما أننا كثيرا ما سمعنا عن محاكمات قضائية تنتهي بأقصى العقوبة كالسجن أو النفي للكاتب، أو حتى بمنع الكتاب وسحبه من الأسواق كأقل الضرر، كما قرأنا الكثير من المعارك الأخلاقية الواهية أو الوهمية التي دارت أو ما زالت تدور حول كاتب أو كتاب ما في مواقع التواصل الاجتماعي. وغالبا ما يكون السبب سياسيا أو اجتماعيا ملفّعا بحجج الدين وحماية أخلاق العامة، وكأن الوصاية الفكرية هي الحل في الحفاظ على منظومة قيمية اجتماعية، تتهاوى يوما بعد يوما بفعل الفساد والفقر والتصدعات التي تحاصر الإنسان من كل حدب وصوب.
فأما السياسية فهي تنطلق من سلطة السلطة العربية في كل شيء، ويدها الطولى في الحجر والمنع والتكميم، أما الجانب الاجتماعي المتلفّع بغطاء الدين فهو ينطلق غالبا من شخص حاقد أو لديه عدائية شخصية ضد الكاتب، يقوم باقتناص عبارة أو فقرة من الكتاب، يستلها استلالا من النص خارج المعنى العام للفكرة، أو وظيفية العبارة، ليضعها في وسائل التواصل الاجتماعي، لتبدأ عاصفة من السجال الموبوء بالتكفير وإدانة الكاتب، ونعته بكل الصفات اللاأخلاقية من الغالبية بلا تمحيص ولا وعي ولا حتى قراءة الكتاب للتأكد من المشكل المطروح علانية، بل بالتبعية المباشرة، والانقياد الكلي خلف هذه الدعائيات العدائية المغرضة.
ولذا كنت أبتسم في أعماقي من عقمنا الثقافي والاجتماعي بعد أن قرأت روايتي «صرخة واحدة لا تكفي»لحمود الشكيلي، و»الرولة» ليوسف الحاج، لخلوهما من كل ما قيل حولهما، وخاصة الثانية التي لم أجد فيها سوى جملة صغيرة مكتوبة بكل مسؤولية أدبية، في إيصال الفكرة وعدم خدش حساسية القارئ الأخلاقية، وهي تماما التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي بمعزل عن سياقها، ودارت حولها معارك أخلاقية حامية الوطيس.
وبالطبع من ينسى المعارك التي دارت حول مجموعة «ملح» للقاصة بدرية الاسماعيلي، «ملح» النص الذي أشكل على الوعي الجمعي، وشكّل حالة من المساءلة والنقد العام، النص الذي حاكمه من يملك ومن لا يملك حق المحاكمة لنص. ربما لأن المجتمع الذكوري يعتقد أن كتابة المرأة عورة تصدر عن عورة؛ ولذا فهي أشد إيذاءً للوعي الجاهلي الراكس في العميق منه، وبالتالي محاربتها أو نصها يصبح أشد ضراوة (كما حدث كثيرا) لضعفها غالبا عن مواجهة تيارات المجتمع الذكورية المجرِّمة لكل تفكير نسوي حر، ولعلها كانت محاولة جمعية حادة وقاسية لكبح جماح الفكر النسوي، ووعي المرأة الاجتماعي بشكل عام من أن ينمـو ويتطـور وينتقد ذكوريته وغطرسته فيما يخصها.
وهنا أسوق موقفا شخصيا حدث لي حين افتتحت إحدى محاضراتي حول نص لنزار قباني بسؤال «من يعرّف لنا نزار قباني؟» لأني كنت أثق أن لا أحد يجهله. كانت الكثير من الأيدي مرتفعة، فاخترت أحد الطلاب، ليقول لي بقوة وثقة «نزار شاعر قليل أدب». ابتلعت الصدمة الكبيرة، ومضيت معه في الحوار، لماذا تقول ذلك؟ هل قرأت له، قال: لا، معلم اللغة العربية في المدرسة الثانوية أخبرنا بذلك.
ابتلعت الصدمة الثانية الأشد والأقسى على وعيي وإنسانيتي، قلت للطلاب سأحكي لكم موقفا: نجيب محفوظ هو الكاتب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل، هو كاتب عظيم وإنسان جميل، ولكن أحدهم ذات يوم تجرأ عليه وطعنه بسكين في عنقه، ولكن الله نجاه، وتم القبض على الجاني، وفي المحاكمة سأله القاضي: لماذا كنت تريد أن تقتل نجيب محفوظ، فقال: لأنه ملحد، وضد الأخلاق في رواية «أولاد حارتنا»، فقال له القاضي: لماذا حكمت عليه بذلك، هل قرأت الرواية؟ قال: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب، ولكني سمعت بذلك من الناس.
صمت الطلاب، وقد فهموا مغزى الحكاية، وأتبعت ذلك بغزل إنساني، وقومي رفيع عن نزار قباني وعن نجيب محفوظ. وكنت حينها أتيقن من ثقافتنا السمعية القائمة على الجاهز من الأحكام المجتمعية والدينية، ولذا وجهت كلامي لهم في الاتجاه نفسه، أما سمعتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما يسمع؟» ثم قلت لهم: احكموا كما تشاءون، على من تشاءون، ولكن أرجوكم اقرأوا أولا، وأمعنوا النظر فيما تقرأون، قبل أن تصدروا أحكاما جاهزة، فلدينا الكثير منها بحاجة للتمحيص والوعي، وهذا لن يحدث سوى بالقراءة والوعي.
إذن الفكرة ببساطة ليست في نص ينتقد من قبل من يختلفون مع فكرته أو محتواه؛ فكل نص عرضة للنقد سلفا (في الشكل أو المضمون) ما أن يخرج من المطبعة، وينفصل عن رحم كاتبه وأصابعه وروحه. واجتماع الجميع على فكرة ما، أو نص ما، أو لغة ما، هو أمر مستحيل بالضرورة. ولكن الفكرة التي يجب أن تناقش هي مدى مصداقية من يصدر أحكاما، ومدى اطلاعه على ما يصدر عليه أحكامه، ومدى حرية العقل الفردي في التفكير والإنتاج، خارج السلطة بكل مكوناتها (السياسية والدينية والاجتماعية)، ومدى حرية التعبير في مجتمع يمثل هذه السلطات متحدة.
هل يوجد قانون يحمي الفردانية الفكرية؟ أو حتى يحدها؟ هل توجد معايير على المبدع (في كل المجالات) الالتزام بها، لتأطير وعيه ولغته وأجنحته بها؟ وفي هذه الحالة هل ستظل تلازمه فكرة الإبداع الذي يفترض الحرية والتفرد والإتيان على غير مثال؟ هل يصلح أن يكون المجتمع (بمستوياته المعرفية الضئيلة عادة) وصياً على المبدع؟ وما هي حدود موضوعية النقد ؟ومن المؤهل فعلا لنقد كتاب أو نص أو مبدع؟ وما هي حدوده الأخلاقية ليتصدى لهذا الفعل؟ لأن عليه أن يكون بلا خطيئة ليستطيع أن يرجم، وأن يكون بيته ليس من زجاج ليرميه بحجر. ثم هل الكتب في مجتمع لا يقرأ تشكل خطرا فعليا على الأخلاق العامة، تصل لهذا الرعب والحرب؟
ومن المفترض أن يقيّم المستهدف من الكتاب كي لا يصل لفئة (تحت 18): الكاتب أم الأسرة والمؤسسة التعليمية؟ وهل الكتاب (مهما كثرت تجاوزاته) أكثر خطرا على الناشئة من الفن الهابط المنتشر كالفطر السام في الفضائيات التي تتجمع حولها الأسرة يوميا غالبا في بيوتنا بلا وعي ولا رقيب؟
وخارج كل هذا… هل النص معيار للحكم الأخلاقي على الكاتب؟ وهل ما يكتبه الكاتب يعبر عنه وعن قيمه المعاشة؟ وما حدود النقد الأخلاقية؟ فهل من النقد التجريح الشخصي والأخلاقي؟ وهل من يعتبرون أنفسهم أوصياء على المجتمع وأخلاقه، لا يجرحون الأخلاق العامة والقيم الإنسانية والإسلامية، وهم يقدحون في أخلاقيات الإنسان وينتهكون فردانيته وخصوصيته ويتعدون على حياته الشخصية؟ وهل يعتقدون أن الدين، الذي يجاهدون به ضد الآخر، يبيح لهم ذلك و(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)؟
أظن أن هذه الأسئلة وغيرها كثير؛ هي الأولى بالطرح لمواجهة المسكوت عنه في ثقافة ووعي المجتمع فيما يخص الحرية الذاتية والفردانية الشخصية لإنساننا القطيعي المتماهي في السلطات العرفية القبلية والثقافية والاجتماعية. والذي متى ما حاول تجاوز المناطق الملتبسة فيها ـ بأي مستوى حتى لو كان بدئيا وبسيطا ـ يجد الحراب موجهة له باسم الدين والأخلاق والعادات والتقاليد فيتراجع خشية التمثيل به، لأن هذه السلطة (المتحدة الزوايا) تختار أضحية أو كبش فداء بين الفينة والأخرى لتتوعد كل من يحاول الخروج عليها بذات المصير.
وبذلك فالمشكلة مجددا ليست كتابا اختلف حوله، ولا كاتب انتقد بتجريح اجتماعي واسع الانتشار استخدمت فيه كل الوسائط والوسائل الحداثية الجديدة، وسقوط أخلاقي كبير، لم يسهم التحدث باسم الله والدين في التقليل من حدته وفحشه؛ بل هي قضية فكرية علينا التفكير في ملامحها وملابساتها وإشكالياتها المعرفية والإنسانية، وأزمة ثقافية ومجتمعية علينا مواجهتها بالقراءة والتحليل لندرك أبعادها، وكيفية تجاوزها يوما ما؛ فهي تعنينا جميعا أفرادا ومثقفين، كتابا وقراء، منتقدين (بكسر الدال) أو منتقدين (بفتحها).
تعليقات