التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي: أنا ابنة الماء.. والحداثة وعي عميق بالداخل والخارج، التفاعل المستمر مع الوجود والموجودات







حاورها من القاهرة السيد حسين
جريدة الجريدة

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي: أنا ابنة الماء... و«الذكورية» وضعت المرأة في الهامش الشعري


    • 13-09-2016



     
    فاطمة الشيدي .. حاورها: السيد حسين

    * كيف تري الحالة الأدبية والوضع الثقافي العماني حاليا؟

    مع أن شهادتي عن الحالة الأدبية في عمان مجروحة؛ لأنني ضمن مشهدها الثقافي، إلا أنني أستطيع القول أنها حالة ثقافية متنوعة وغنية جدا، بمختلف المدارس والأجيال والأطياف والأشكال والأجناس الأدبية والفنية،  كما أنها تتسم بخصوصية الروح المنبعثة من تعدد المكان العماني وتراميه (السهل، والجبل،  والبحر، والصحراء) من جهة، وعمق الإرث الحضاري والثقافي المتأصل في الذاكرة والوعي، والذي يسبغ تفرده اللغوي والفكري على الثقافة العمانية ويسمها بالتفرد، ويقيم جسرا حيا بين القديم والجديد، متحد الأواصر وعميق الترابط بين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والحداثة .

    *ماذا عن ديوانك الشعري " علي الماء أكتب" حديثنا عنها؟ والذي يعد به تأثر كبير بالحياة والبيئة في عمان ؟

    مجموعة "على الماء أكتب" هي صدى للمكاني العميق في وجدان الشاعر، فأنا ابنة الماء العذب والمالح معا، ولدت وعشت بين ساقية وبحر، ولذا كتبت عن المكان بانعكاس شخوصه وأحداثه وتوهجاته في الروح واللغة، وهو أيضا محاولة للتخلص من تشابكات الآني بالقادم، وارتباك فكرة الخلود النرجسية في الوجدان الإنساني، ففكرة الكتابة على الماء هي تجسيد لصورة المحو والذهاب لكل ما نكتب بدءا، وهي قد تمثل صورة نرسيس، تلك الصورة المترائية له، والمستدعية عجزه عن القبض عليها  والمجسدة لوهم ثباتها في الزمن.

    الكثير من التأويلات يمكن أن يطرحها العنوان، أما النصوص التي بين دفتي الكتاب، فهي نصوص متفاوتة بين الذاتية والإنسانية، وبين الروح المتداعية مع الداخل، والوعي المتعالق مع الخارج، بكل الرفض والتمرد اللائق بالإنسان والشاعر معا، فالشعر هو تشظي الوعي الحاد في الوجود على نصل المحاكمة أو المساءلة، وترائي الوجود في ترسبات الروح وترائياتها الضمنية والحلمية، ولا انفصام أو انفكاك بينهما.

    *صدر لك العديد من الأعمال الأخري مهنا علي سبيل المثال لا الحصر ديوان" مراود الحلكة"، ودم  دم دمات " نصوص، و" حفلة الموت" ، وديوان "هذا الموت اكثر إخضرارا" وغيرها من الأعمال ..حديثنا عنها؟

    الكتابة بالنسبة لي محاورة للذات عبر الزمان والمكان والأنوات الأخرى، وهي محاولة تجريب عميقة وجارحة في الشكل والمضمون، ولذا عبر الكتابة حاولت الكثير من الأشكال شعرا وسردا، كتبت النص الشعري في أربع مجموعات، ولدي نصوص أكثر مما نشرت، وكتبت الرواية، والنص المفتوح، والمقال النقدي والفكري، وكانت كتبي " الثمانية" حصيلة هذه الحالة من المحاولة والمحاورة للجواني والبراني من الذات والأشياء.

    وأظن أن كل كتاب من هذه الكتب يعكس تجربة مغايرة، وينحو نحو الاختلاف عما سبقه، وهكذا أريد لفعل الكتابة دائما أن يكسر  كل الجوامد في الرؤى، وكل الثوابت في الوعي، ويهشم انعكاس صورتي في مرايا الآخر،  وصورته في مراياي العميقة، وهكذا سأستمر في تفعيل فعلي الفناء والخلق، خارج تأطير الحالة، فالكتابة لا تحتمل المياه الآسنة، ولا تريد الركون أو الركوس في القعر، أو الطفو فوق السطحي منها، إنها كاندفاع الماء وثورته المستمرة في تشييد الجديد بدقة ورقة وقوة معا،  أو كإزميل نحات محترف عليه أن يحفر بدقة ووعي ليحدد ملامح متجددة بين عمل وآخر، إنها الجنون المتجاوز للمتوقع، والمتعالي على سقف الحكمة، أو  لامع الحال، وحين سأجد نفسي متشابهة معي في شكل أو مضمون أسبق سأتوقف كما أعتقد.

    *والآن دكتورة فاطمة باعتقادك هل تغير الكثير في تجربتك اذا وضعت مقارنة بين الامس واليوم وكيف تجدين مراحل التكوين الشعري لديك؟

     نحن نتغير  حتما بشكل أفقي وعمودي، متعدد وذاتي، كل كتابة هي نتاج وعي، وكل وعي هو حصيلة تجربة داخلية أو خارجية، وكل زمن يمر عليك يجرح ذاتك فلا تعود كما أنت قبله، وكل مكان يرسم حدود جغرافيته في روحك يذهب بك بعيدا، حتى لا تعود إلا وأنت مختلف عنه وعنك، الاختلاف والمغايرة حالة حتمية وجبرية في ذات الإنسان، والأشياء، بل الكون كله خاضع لفعل التغيير ، وحين قال هيرقليطس" لايمكنك أن تعبر نفس النهر مرتين" كان مصيبا لأبعد درجة، وهذا أمر في غاية الحيوية والأهمية، فالذي لا يتغير  ينتهي، ويتكلس ويتحجر ، ويغدو غير قادر على التواصل مع الكون، ومع فعل الكتابة المتجدد، في ذاته وموضوعاته وأشكاله ووسائله، ولذا أميل دائما للجديد والحديث من الوسائل والأفكار .

    ولكن بالتأكيد رغم هذه الفكرة الواسعة، إلا أن الثبات هو جزء منها أيضا، فيظل النهر نهرا، ويظل العابر عابرا، وهكذا تظل الثوابت والنظرة الأصيلة والعميقة للأشياء مكوّن أصيل في الموغل من الروح والوعي الحقيقي للكاتب.

    إذن نعم تجربتي تتغير وتنمو وأنا أقطع مراحل الحياة، وأضيف لوعي الشعري والإنساني لبنات جديدة كل يوم، ولكن أظنني أتمتع بقدر ما من الثبات الجارح والموغل والمتأصل التكوين، وفي النظرة الكلية للخير والجمال والإنسان، هذه النظرة التي تهبني التزاما واضحا (بالنسبة لي في الأقل) ضمن حضوري المؤقت على هذه الأرض، بالعميق والأصيل من قضايا الإنسان والجمال والعدل والحب.

    *تقولين أن قصيدة النثر حجر يحرك المياه المتوحشة فمارأيك بقصيدة النثر وهناك من يعتبرها مجرد خواطر شخصية؟ وماذا قدمت قصيدة النثر للشعر العربي؟

    لست بصدد مناقشة آراء شخصية، أو توجهات سطحية من البعض، أو حتى تلك الأحكام غير الموضوعية، والتي صدرت من منطلق قراءة عابرة، أو الاطلاع على كتابات بعض المتطفلين على قصيدة النثر، والعابرين للكتابة بأسهل الطرق وأقل الوعي والثقافة، فقصيدة النثر اليوم تقترب بهدوء من قرن من الحضور المتميز، والمتكاثر بوعي وعمق؛ حتى لتحتل أكثر الأشكال الشعرية حضورا،  ويكتبها أكبر الأسماء تحققا، وتحظى باعتراف أعمق الأصوات الشعرية ممن لم يكتبها أو كتبها، ولكنني أؤكد  أنها من  أصعب الأشكال الفنية، وأكثرها اشكالية وعمقا، وأقدرها على إظهار الشعرية أو عدمها، وأنها قدمت للثقافة العربية الكثير من الرؤى الفنية الجديدة والتي صدمت هذه الثقافة بقوة، وأدهشتها بعمق، وغيرت الكثير من أطرها، وخلخلت الكثير من ثوابتها، كما فتحت لها شرفات واسعة، ونوافذ مضيئة على الجمال المغاير، والكتابة المختلفة في الزوايا والرؤى،  وأقامت لها جسورا إبداعية وثقافية عريضة مع الآخر .

     * المرأة في الشعر الفصيح ضعيفة وهناك تجارب خجولة  ولا توجد شاعرة بارزة علي هذا الصعيد حتي الآن مارأيك ؟

    لا أوافق اطلاقا على هذا الكلام، وأشم به رائحة حكم ذكوري متحيز ومطلق، ومصادر للآخر (المرأة)، وغير قارئ بعمق للمشهد الثقافي، فأولا عدم ظهور وحضور الأقلام النسائية لا يعني عدم تميزها وتفردها شعرا، بل قد يعني وجود الكثير من الحواجز الذكورية -في مجتمع ذكوري بعمق- تمنعها من ذلك ، وتضعها في هامش المشهد فقط لأنها أنثى، وكلنا يدرك كم هذه الأطر كثير ة وواسعة ومتشابكة في تعتيم صورة المرأة، ومنع صوتها من الوصول لأذن المتلقي وروحه.

    وثانيا هناك الكثير من الشاعرات المبدعات اللواتي كتبن الشعر  من أعماقهن بكل وعي وجمال وثقافة وإنسانية، ولست بصدد الدفاع عن المرأة وشعريتها وإبداعها، بقدر ما يزعجني هذا الرأي، وهذه النظرة المتخلفة والمتأصلة في الثقافة العربية، والتي لا تزال تحيلك لمنطقة في الحوار والفكر أنت تجاوزتها منذ زمن، وتظن أن الثقافة العربية تجاوزتها أيضا، ولكن بين الفينة والأخرى يصدمك حضور الفكرة مجددا، وإلحاحها على التقليل من شأن المرأة في أي مجال، بعد أن فشلت في حجبها ومنعها من الحضور والتعاطي مع الإبداع، بوصفه هبة إلهية لم يفرق الخالق فيها بين رجل وامرأة، تماما كما لم يفرق في العقل والوعي والحواس وجميع الملكات والاستعدادات النفسية والجسدية والفكرية.

    *ماهي الأسماء التي تأثرتي بها أدبيا وأثرت في كتاباتك؟

    تأثرت بكل من كتب نصا جميلا من العصر الجاهلي حتى اليوم، ومازلت أتأثر، وتأسرني كل كتابة مدهشة، وتربكني حد القلق كل لغة جارحة،  وكل صورة فنية، وكل أسلوب مائز ، وأتوقف بفرح عند كل اقتناصة شعرية مذهلة في أي نص، وهذا مايجعلني متصلة مع الكتابة في كل صورها، ومستمرة في فعلها العظيم كقارئة أولا وأخيرا، وككاتبة دائما.

      *النقد في عمان، هل يرسم للمبدع الوجهة الصحيحة، أم يشتت العمل الإبداعي؟

    النقد في كل مكان من عالمنا العربي متأخر أو متخلف كثيرا عن الحالة الإبداعية، وهو غالبا يخرج من رحم المؤسسة سواء كانت تلك المؤسسة مؤسسة أكاديمية أو ثقافية، ولذا يظل بعيدا ومؤطرا بالمناسبات والندوات والحالات الرسمية، وهو عكس الإبداع  لا يدخل في معترك اليومي، ولا يتماس مع الهامشي، بل يظل فوقيا عاجيا يحوم حول الإبداع وينتظر تأطيره ليكتب عنه، وهو يعتقد في نفسه العلو؛ ليمنح المبدع شهادة الحضور أو التقييم لعمله، في حين قد لا يكون هذا رأي المبدع الحقيقي، الذي يرى فيه تطفلا على الإبداع، ويهرب منه قدر ما يستطيع، وقد يرى نفسه أعلى منه مكانة، وأكثر جمالا بدونه.

    والنقد لكونه ابن المؤسسة -غالبا- ، ولأنه ومهما افترض العدل والموضوعية يظل ذاتيا ومحكوما برؤية الناقد وتقديره الخاص، النابع من توجهاته وأفكاره ومعاييره، ونظرته الجمالية التي هي محصلة كل ما سبق،  فقد لا يكون صادقا دائما، أو عادلا في رسم خريطة المشهد الثقافي، أو في تقديم المبدعين، فقد يقدم من لا يستحق، ويهمل من يستحق، ولكن بالطبع هذا لا يقلل من قيمته وأهميته في تحديد طريق المبدع، ورسم إطار المشهد الثقافي بشكل عميق ومتزن في أي مشهد ثقافي بما في ذلك عُمان.

    *هل حققت لك الكتابة كل ما تحلمين به ؟

    لم أكن يوما أريد من الكتابة شيئا، مذ جئت إليها وأنا أكتب لأتنفس عبرها فقط، إنها تلك الصرخة التي ينفثها الكائن ليستمر بخفة أكثر ، إنها الشهقة التي من خلالها أستطيع أن أقول (لا) لكل القبح المنتشر في الكون، لكل الموت والحرب والقيد والدمار، لكل الظلم والجوع والقهر والقتل، (لا) لكل من يريد تعتيم الصورة الكونية والإنسانية التي خلقها الله جميلة ورائعة، و(لا) لمن يريد تسطيح العقل، وبث الفتنة، وظلم البشر .  وهي ذاتها نعم لكل الجمال والحب والسلام والصداقة والخير والعدل والمساواة الذي يستحق الإنسان أن يحظى بها، ويعيش ضمنها.

    لم أكن أريد من الكتابة شيئا، ومع هذا فهي أعطتني الكثير من المتعة المعرفية، والسلام الداخلي، والصداقات، والحب، والسفر، والقرّاء، والكثير الكثير من الفرح كلما كتبت نصا جديدا، أو نشرت كتابا جديدا، أو حظيت بقارئ جديد.

    * كيف ترين الأدب العربى علي الخارطة الأدبية عالميا ؟

    الأدب العربي كنتاجات ثقافية كثيرة ورائعة وجديرة بالاحتفاء، فلدينا كتاب ومفكرون، وحالمون وشعراء، وفنانون وموسيقيون؛ أنتجوا الكثير من الأعمال الإبداعية الراقية، والتي تستحق الوصول للآخر للإطلاع عليها، والاحتفاء بها،  لدينا الكثير والجميل من كل شيء شعرا ونثرا، ولكن حالتنا الثقافية (العامة) المريضة بالكثير من الأوبئة والعلل، لا تسمح بتصدير جمالنا للآخر، وهي أقبح من أن  تحرّض الآخر  للبحث عن جمالياتنا وسط كل هذا الخراب والموت والجهل والعنصرية.

    ومه هذا فهناك من استطاع تجاوز عقبات الزمن والمكان والصورة المقيتة، ووصل للآخر فعلا، ولكن تظل تلط نماذج قليلة، وربما اجتهادات فردية، ويظل الأدب العربي على هامش خارطة الإبداع العالمي.

    *برأيك ما هي أهم المشكلات التي تواجة الثقافة العربية ؟

    لدينا الكثير من المشكلات في  البنية العميقة  للثقافة العربية  بمفهومها الكبير، وهي أكثر من أن تحصى، وهي مشكلات يغذّيها الجهل والفقر والعنصرية بكل أنواعها الجنسية والدينية والطائفية والعرقية واللونية وغيرها أشكال العنصرية،  وحين تتغير ثقافة المجتمع العربي وتذهب نحو  الانفتاح، واحترام حرية الإنسان، وخصوصيته، وتقبل الآخر، والتعددية، واتساق الوعي الفردي مع الوعي الجمعي -وهذا يحتاج الكثير من الوقت والمال و الاشتغال الصادق والواعي من المؤسسة الثقافية والسياسية ومن المجتمع بوصفه أفرادا قبل كل شيء- حينها فقط يمكننا أو يجب أن نكف عن أن نتحدث عن الثقافة بوصفها جماعة تشتغل بالأدب والكتابة، بل ننظر إليها، أو ننظّر لها كحالة اجتماعية عامة، وثقافة حقيقة، تعكس فكر وتطلعات الإنسان كفرد وكجماعة في ذات الآن.

    *ما هو جديدك في الفترة القادمة ؟

    أنا أكتب، وسأظل أكتب، ولذا فدائما هناك جديد، سواء سكن بين دفتي كتاب، أم بقى عائما هائما في الفضاء الصحفي والإلكتروني، ينتظر  لحظة ولادة ورقية مرتقبة.

    تعليقات