التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الخيميائي بين السرديات وعلوم التنمية الذاتية

فاطمة الشيدي
 22 ديسمبر 2015
جريدة عمان- ملحق شرفات

لم يعرف الإنسان فنا يفوق الحكاية في أسر تمثلاتها الفنية لروح الفرد، وتعالق الوعي الجمعي مع عوالمها البعيدة وغاياتها الحكيمة وخيالاتها الآسرة، وأثرها الجارح في تفنيد الأفكار، وترسيخ الآثار، وكتابة التاريخ، ونحت مسرودات الإنسان في ذاكرة الكون، وترجيح الرمزي، وخلخلة الثابت، وتقديم المتأرجح في القلق والمنهوب في السؤال، ثم جاءت الرواية في هذا العصر لتشكّل بؤرة المزج الفني بين كل مكونات الكون، ومكنونات الكائن، فخرجت الرواية من رحم الحكاية ومن متراميات الخيال عابرة كل أفق الكون والإنسان واقعا وافتراضا، وتعددت تصانيفها الفكرية والوجودية السردية عبر الجواني والبراني والواقعي والخيالي لتشمل كل ما يمكن للسرد أن يحيطه أو يبلغه، وما تزال تحاول التجريب بكل ممكناتها النصية والفنية والأفقية الحلمية في اتجاهات لا محدودة.
فهل وصلت للتنمية البشرية؟ أم وصلت لها التنمية البشرية؟
هذا السؤال أصبح يفرض نفسه ثقافيا، مع ظهور روايات تحاول ضمنا بث الأمل وشحذ قدرات الإنسان الداخلية عبر النموذج النصي الإنساني الهادف للتغلب على الخارجي وتقليص مساحات المستحيل في حياة أبطالها وقرائها، والتي هي في الحقيقة غاية علوم التنمية البشرية، بل أن بعض هذه الروايات كتبها رواد في التنمية البشرية.
وتمثل علوم ما يعرف «بالتنمية البشرية» بكل أنواعها وآلياتها وأدواتها مواجهة إنسانية عميقة وجادة لحالة من التشظي الإنساني الداخلي، والوقوع في فخاخ العدمية واللاجدوى التي استولت على إنسان هذا العصر، وأخذته بعيدا في متاهات الضياع واستولت على الكثير من طاقاته وإمكانياته خذلانا وقهرا، فزادت دائرة الاكتئاب والوحشة والوحدة، وتقوقع الكائن العصري اليتيم المنبت من أطره الإنسانية الرفيعة والقائمة على الاجتماع- على نفسه، وتفاقم بؤسه لاستطالة المدنية، وتزايد غابات الاسمنت، واستوحشت روحه بتوحش الصورة الخارجية للوجود والجامعة بين البراجماتية النفعية، والمادية الرأسمالية.
وهنا انبرى الإنسان (المفكرون وعلماء النفس) لصناعة حالة فكرية مواجهة لكل هذا الضياع، لتأخذ بيد هذا الكائن إلى رحابة الداخل من ضيق الخارج، واشتغل على اكتشاف الجوهري العميق والحقيقي منه، وكان ذلك عبر علوم متعددة تساعده على بيان معالم الطريق الخارجية، بإضاءة الداخلي والقبض على جمرته الخفية وإدراك ممكناته اللامحدودة، هذه العلوم التي أصبحت تتناسل يوما بعد يوم، كما يتناسل القائمون على صناعتها، والتدريب عليها باستحقاق أو بدون ذلك، وامتدت لتشمل كل جوانب الفكر ومسارات الإبداع حتى وصلت للأدب وللرواية تحديدا.
الأمر الذي يعيد للذهن رواية الخيميائي (1988) التي في حقيقتها محاولة كبرى لترسيخ مفاهيم الوعي الداخلي بطاقة الإنسان وممكناته اللامحدودة، وإشعال القدرة على معرفة أسرار الذات، والانطلاق من الداخل لتحقيق الحلم الذاتي، وهزم كل العقبات لتحقيق الأسطورة الذاتية، بمساعدة كل القوى الخارجية التي ستسخر ذاتها لمساعدة الحالم في تحقيق حلمه.
وحين تقرأ الخيميائي لباولو كويلو، فإنك لن تفعل إلا وهي مشفوعة بصفة (رائعة)، كما تصدّرها لك كل الطبعات ودور النشر والمواقع الإلكترونية، فهي التي أوصلت صاحبها للعالمية، ولا يمكن لأحد أن ينكر عمق ورسوخ صوت باولو كويلو في الذاكرة السردية العالمية، أو حتى يتجاهل حضوره في الرواية الجديدة، فهو الروائي الذي أستطاع بسهولة وعمق متحدين أن يجترح المعنى الوجودي في تمثلاته الوجودية العديدة، المستساغ منها والمرفوض، بل أستطاع (بأستذة) سردية حقيقية الوصول لتصالح الإنسان مع داخله عبر نماذج إنسانية، وهبها مطلق البطولة والحضور الجوهري في رواياته.
والخيميائي التي برز صوت الإنسان فيها بشكل أكبر وأعلى، تقول ببساطة أنه متى ما اتحد الكائن مع حلمه فإنه سيحققه، ومتى ما آمن بذاته فسيحقق أسطورته الشخصية، وستلهمه وتساعده كل قوى الطبيعة لبلوغ غايته. هذا المعنى الذي يمكن أن نجده في العديد من كتب التنمية البشرية، وعلوم الطاقة، والبرمجة اللغوية العصبية، ولكن كويلو اختار أن يقوله لنا عبر الحكاية، حكاية الفتى الراعي سنتياغو الذي اختار مهنة الرعي والسفر ليشعر بالحرية ولا يقيم في مكان واحد، الراعي الذي كان يحب القراءة والسفر ورعي الأغنام هربا من الحالة التراتيبية التي تفرضها الوظيفة والحياة المدنية، قبل أن يحظى بحلم يتكرر كل يوم، والذي سيحاول فك شيفرته وسيبحث عمّن يفسره له، وستساعده القوى الكونية، عبر غجرية قارئة للكف، ورسول غيبي أو ملك سيخبره بضرورة أن يتبع حلمه، وهو الكنز الذي عليه أن يعبر الصحراء إليه، والذي سيجده عند الأهرامات.
سيصدق سنتياغو حلمه، وسيذهب إليه بانصياع كلي، وسيمضي في رحلة غريبة ومضنية ولا تخلو من المخاطر والخداع وراء حلمه، ومع أنه سيفكر لاحقا كثيرا بالتراجع عن حلمه والعودة لأغنامه، إلا أنه دائما سيجد من يساعده على تحقيقه، كالخيميائي الذي عبر به الصحراء حتى وصل للأهرامات التي ما أن بدأ يحفر عندها بحثا عن الكنز، حتى هجم عليه بعض اللصوص، وهزأوا منه ومن حلمه، وقال له أحدهم أنه أيضا حلم أنه وجد كنزا في كنيسة بأسبانيا، ليجد بذلك مفتاح اللغز ، ويعود بحثا عن كنزه، وقبلها كان قد عثر على الحب الذي قرر أن يعود إليه بعد أن يستخرج كنزه. وبذلك تنتهي الرواية بتحقيق الحلم والعثور على الكنز.
وخارج الفكرة الهشة التي تدور حول بؤرتها الحكاية، والنهاية الساذجة التي لا تليق بعمل سردي بشهرة الخيميائي، وبعض المواقف الغرائبية التي تطلقها الرواية بلا إقناع لقارئ عصري منفتح على أشكال السرد، وممكنات الكائن، كتحول الفتى لريح، يضجّ السرد في رواية الخيميائي بالجمال اللغوي الفاتن، والحكمة الإنسانية الآسرة، القائمة على التحرر من عبودية الأشياء، والعادات والبشر والقيود الضمنية، واعتماد الشحذ المستمر للطاقة الروحية البشرية كوقود للحكاية، ونحت السرد في ممكنات الروح الخفية، وتجلي الأسرار التي أوجدها الرب في ماء الخليقة، وإيجاد مفاتيح وعلامات يتتبعها الكائن عبر إشارات وجودية كبرى تسعف حقيقته، وتهبه العون الإلهي عبر الكائنات والموجودات الكونية جميعا.
الخيميائي رواية المؤمنين بالسر الإلهي المتحد مع الوجود والمخلوقات، والمبثوث في الكون العريض، والذي يحتاج الإيمان الراسخ للوصول إليه، والاتحاد مع الطاقة المنبعثة من الخفي منه عبر لغة أخرى، للتحصّل على بعض حيثيات السر الذي يحقق الحلم.
السر المتعالي في حضوره الكبير، والمتشظّي والمنقسم إلى جزئيات تتوزع في رحلة الكائن من البداية حتى النهاية، ولا يحتاج الكائن إلا للإيمان بحلمه وهدفه للوصول إليه.
ويمكننا القول أبدا أن الرواية تستطيع عبر أفقها السردي وامتدادها الفني غير المحكوم بأطر أو سياجات ضمنية أن تستوعب كل الأشكال الحكائية والرؤى الجديدة التي تحملها أو تتسرب إليها من آفاق أخرى، أو تنبثق من مولدات العصر واحتياجات الكائن الجديد، بما ذلك الرواية الرائية، المجترحة للمعاني الداخلية عبر علوم التنمية البشرية والتي تحاول أن ترسم للكائن -المنقسم في مدارات التيه الكوني- خرائط نفسية ووجودية تهديه لليقين أو تهدي له السكينة، وتفجّر في داخله بواعث الأمل، وممكنات التغيير للذهاب للبعيد والجديد أبدا، وتجيّر وجوده لصالح حلمه الفردي.
إن الرواية الرائية القائمة على علوم صناعة وعي الإنسان، وشحذ دواخله ومدها بالتوهج الحلمي، واستنفار طاقاته الخاملة، وإنعاش عوالمه الراكدة لتحقيق ذاته والسعي وراء حلمه، تعد خيارا سرديا فنيا جماليا جديدا متاحا، بكل ما تحمله من طاقات شحذ الروح، وصناعة الإنسان، وخذلان الخذلان، شريطة ألا تتحول لمحاولات بائسة وثقيلة لتحويل النص السردي لمحاضرات وأفكار عقيمة أو جاهزة، تقول ما يمكن أن يقال بطرق أسهل وأوضح خارج الرواية المحكومة بشروطها الفنية بدءا وآخرا.

تعليقات