التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

المُغيّبة .. قراءة في حفلة الموت

 

رحاب الكيلاني
جريدة الرؤية
29 يناير 2015

 اختارت الكاتبة فاطمة الشيدي في روايتها (حفلة الموت) الصادرة عن دار الآداب – أن تكتب عن بطلة من مدينة عربية لتجعلها مسرحاً لتصوير طقوس المكان ومعتقداته التي تؤمن بالسحر وتصوّر تلَبُس الجنّ للناس، وتعلّل الأمراض التي تصيبهم بالمسّ والقرين. البطلة أمل طالبة دراسات عليا تحضر الدكتوراه في الطب النفسي، إلا أنها ما زالت أسيرة الأفكار السائدة التي تؤطر المرأة في جسد يشتهيه رجال ما يلبثون أن يرموه كما ترمى القمامة بعد الفراغ منها. وتصوّر الرجل وحشاً وحيواناً لا رحمة ولا قلب ولا مشاعر لديه. هي تقرأ في عيونهم أنهم نخاسون يبحثون عن الجواري، ليحبسوهن في غرف سرية يمارسون فيها قبحهم، بلا لحظة حب حقيقية.
هم حيوانات كما تصوّرهم بدءاً من والدها ومروراً على كل الرجال الذين وَرَدَ ذكرهم في الرواية. فالوالد عنصري اغتصب عبدته السوداء اليتيمة فكانت هي ثمرة الخطيئة ووليدة الظلم الطبقي والقهر الذكوري، ومُعلّم البلدة الذي يحفّظ الأطفال القرآن والحساب؛ ساحر وشيطان يسلط سحره الأسود على جسدها الضعيف ليتلبسها الجن في صورة (عديّم) القط الأسود. وزوج صديقتها أحلام خدعها باسم الحب لكنّ حياتها معه أوهام وكوابيس مستمرة. وحبيب الأخرى حنان رسم لها الحياة وردية لينال مراده منها فإذا بالقدر يكشف سواد قلبه وعهره وظلمه. وزميلها في المستشفى يتلوى كحرباء عتيقة مريض بالخبث والنفاق والحسد يتسلل إلى مريضاته ليلاً ليهتك سترهنّ، أما بدرية الحسناء فغدت مجنونة من زوجها الذي يضاجع خليلاته في مسكنها، وأم شيخة تشتهي رائحة زوجها المشغول عنها باستباحة الغلمان… تتأمل البطلة حال النساء والرجال حولها فتفسد بهجة حياتها غير السعيدة أصلاً!
تكتب فاطمة الشيدي عن بطلة ممزقة في عالم كابوسي لم تستطع كل العلوم التي تعلمتها والشهادات التي حصلت عليها إزاحته عن دربها، فشياطين الجن ينتهكون جسدها، يقُضّون مضجعها كل ليلة، ويضاجعونها رغماً عنها باسم السحر، أما شياطين الإنس فقد تمكنت من إبعادهم عنها لكنها لم تستطع تجنب كراهيتها لهم، فالكل مجرمٌ والشر في عالم الرجال لا حدود له، واضطهادهم وظلمهم للنساء لا وصف له. تحاول أن تبين من كل قصة ذكرتها جانباً من جوانب قسوتهم وغلظتهم وقبحهم وعهرهم ونتانتهم..!!
تبالغ البطلة في وصف الرجال حتى لَيُخيّل لك أن قلبها مغلق بأقفال حديدية مصبوب عليها نحاس أحمر..! لكنك تستغرب أن كل هذه الكراهية للرجال وصدمتها الأزلية منهم تتحول بقدرة قادر كريم إلى حب جنوني لأحمد الريان.. مُخلِّصها من عذابات الدنيا وسطوة العالم التحتي بأوهامه والعالم الفوقي بقوانينه. تفقد بحبها ذاكرتها الكارهة للرجال، وتفقد مناعتها ضد العشق والهوى، تقول أمل: فأيّ المتاريس كانت لتحمي وحدتي من أشباح ليلية تقضّ مضجعها..! ورغم علمها أنه كباقي الرجال يحب بجسده فقط إلا أنها انساقت وراء غفلة القلب وأحبته بكل جوارحها كما تفعل النساء. فالرجال وحبيبها معهم كما تقول (ثيران لا يفهمون الحياة سوى من قرونهم.. أو من أعضائهم لا يجيدون الحب، نحن النساء نحب بأرواحنا وقلوبنا ودموعنا وعيوننا، وأنتم تحبون بأجسادكم فقط.. لكنها تحبه..!!).
إلا أن هذه الغرابة ستزول حين يتأكد القارئ أن أمل مُغيّبة عن الواقع؛ غيبها السحرة في حفلة للموت، عادت من الغياب لكنها وإن كانت قد نجت وعادت إلى الحياة إلا أنها لم تعد. عادت بجسدها فقط لكن روحها بقيت مقيدة هناك بسلطان من الجن يحكم فيها ويأمر عليها فلا تلبث أن تطيع وتقول السمع والطاعة. عادت فاقدة لاسمها: أمل لتصبح في ألسنة من يعرفونها (المُغيّبة). هي فاقدة لإرادتها لأن الأمر للآخرين من الإنس والجن عداها.
وليس ذلك فقط بل هي مغيّبة عن ذاتها ووعيها وعقلها وقلبها أيضاً.. وإلا كيف تنكر الشيء وتثبته في ذات الموضع..؟! إن كانت أمل تريد أن تفضح فعل قدح كل ما لا يخصّ الإنسان وتجميل ما لديه فقد نجحت في ذلك وإلا فقد سقطت مع الجواري اللواتي عابت عليهن الصمت والرضوخ والاستسلام..!! فكانت حاضرة في كرهها.. غائبة في حبها..!

تعليقات