فاطمة الشيدي
26- 1- 2015
إن الخطاب البرّاق الذي تتحدث
به أجهزة الإعلام غالبا وبعض المحسوبين على الثقافة أحيانا عن مثالية الإنسان
والمجتمع والدولة في بلدانا؛ ليصيبك بالعجب والاستغراب وربما بالقرف أحيانا كثيرة،
إذ يقدم الإعلام الرسمي-المدفوع الثمن مسبقا- واقعنا المليء بالنقص والتشوهات أو حتى
بالمتناقضات بصورة لامعة تماما، ومصطنعة كثيرا، صورة حضارية كاملة ولكن بعمق
غير حقيقي، وكأننا نعيش في مدينة أفلاطون الفاضلة (اليوتويبا).
إن تلك الصورة الإعلامية
اللامعة والتي تتنافى كثيرا مع الحقيقة، والمصدّرة بقوة استطاعت في أحايين كثيرة
أن تقنع الإنسان العماني أنه مختلف، وعظيم، بل ووصلت للآخر (البعيد والقريب) الذي
بدأ يطبل لهذه الصورة أيضا، بعيدا عن التعمق الحقيقي في شخصية الإنسان وفكره،
والتي تتباين من فرد لآخر، وتختلف من موقف لموقف.
ومع كل الاحترام والتقدير
للكثير من الجوانب الحضارية والأخلاقية في الإنسان العماني أو بعضه في الأقل، من
خلق ونبل وسلوكيات حضارية راسخة فعلا، إلا أن التعميم والمبالغة يفسدان الصورة،
ويظهران بجلاء نقائضها الكثيرة. فمع أنه يمكننا المراهنة على سمات عامة في روح
الإنسان العماني مثل الطيبة، وعدم الميل للعنف بكل أشكاله، والتعايش السلمي
مع الآخر مهما كان اختلافه عنه، أو تدني تقديره الشخصي أو القبلي له، مما أدى -رغم
تعدد الطوائف والأثنيات في المجتمع، واعتداد كل فرد أو جماعة بطائفته وأصوله، ورغم
النزعة القبلية المتجذرة في المجتمع وتقسيماته الفئوية غير العادلة المعروفة بين
أفراده- لعدم ظهور نعرات التفرقة والمشاحنة والخلاف الحاد والعنصرية بين أفراد
الدولة والمجتمع.
كما لا يمكننا تغافل ما يتميز
به الإنسان العماني من تواضع وحياء يمنعه من البطر والتفاخر والعنجهية واحترام
الغريب، والميل للعزلة غالبا وعدم الرغبة في الظهور الإعلامي؛ إلا أننا أيضا لا
يمكن أن نجعل هذه الصفات مطلقة أو عامة أو حتمية عند جميع أفراد المجتمع العماني،
سيما وهو مجتمع متعدد الأمشاج والأعراق، كما أنه مجتمع له جذوره التاريخية من جهة،
ويذهب سريعا في التجدد والحداثة من جهة أخرى، وبالتالي تظهر فيه أجيال متعاقبة
ومتعددة المشارب في التربية بين الجديد والقديم. (وإن كان ذهابه في الجديد
أقل وتيرة من سواه لتشبثه بالعادات والتقاليد وبنمط حياة اجتماعية قائمة على
الجماعة والقبيلة).
إن كل تلك الجماليات الاجتماعية
والأخلاقية الرائعة لا يمكنها أن تغلق العين عن كون المجتمع العماني مجتمعا طبيعيا
مثل أي مجتمع آخر له ما له من الميزات، وبه ما به من العيوب.
فمثلا من مثالب المجتمع العماني
الراسخة؛ القبليّة المقيتة وانعكاساتها الجلية على الأفراد والجماعات، وارتباطها بالوساطات
والقرب والبعد عن مراتب السلطة، وحصر احترام الأفراد لبعضهم البعض ضمن هذه الصورة
العنصرية فقط.
كما النظام القبلي قد أفرز حالة
من القطيعية الاجتماعية، التي تتحقق بالانصياع المطلق للجماعة والقبيلة،
وأحكامهما، والتقليد الراسخ في البنية العميقة للمجتمع، والاحتكام للعادات
والأعراف الجمعية المتوارثة بلا مساءلة، والتسليم والتبعية لشيوخ الحياة والدين،
بعيدا عن التفكير الحر والوعي الفردي، وعدم إعلاء روح الفرد أو احترام خصوصية
الآخر.
وهناك ذكورية المجتمع التي
أفرزت النظرة الدونية للمرأة، واحتكار أدوارها في الوظائف البيولوجية والاجتماعية
التقليدية، وتحجيم أدوارها الحقيقية في المجتمع، وتعتيم حضورها في الحياة، ناهيك
عن الحسد والأحقاد والضغائن المتوارثة والتي تسري في المجتمع كالنار في الهشيم وإن
غلِّفت بالنفاق والمجاملة.
وهناك النفاق الذي يخلط البعض بينه
وبين الطيبة والكرم والخلق النبيل، فما يظهره البعض من محبة وتقدير ليست صادقة
غالبا، بل قائمة على النفاق أو المجاملة بحكم التربية، وقد لا يتورع هذا الودود
المحب عن السب والشتم والتجريح من الخلف أو في أي موقف مستفز.
كما أن المشاكل العصرية المخيفة
والمؤثّرة على تكوين المجتمع، بدأت تظهر على السطح لتجعله بعيدا جدا عن تلك الصورة
المثالية التي يقدمها الإعلام، مثل الإهمال واللامبالاة والتي أصبحت من صفات
الشباب في هذا العصر، إضافة للبطر والفحش والبعد عن تقدير الكبير، والعبث والفوضى،
وانعدام روح المسئولية الذي تظهر من خلال تصرفات مثل السرعة الجنونية في
السواقة وما يتبعها من تجاوزات للقانون في الشارع، والتدخين في كل مكان، ورمي
أعقاب السجائر والأوساخ في الأماكن العامة، والتفل في أي مكان غير مكترثين بالمظهر
العام للبلد، والحديث بصوت عالٍ وبكلام غير محتشم أحيانا كما في قاعات السينما
أو الأوبرا وغيرها من الأماكن التي تفترض الصمت بوعي ومسئولية أخلاقية، ناهيك عن
الفضول والتدخل في خصوصية الآخر، وملاحقة الناس بالأعين مما يعكس غياب الروح
الحضارية للإنسان التي يطبل لها الإعلام كثيرا. هذا بالإضافة للتصرفات الفردية مثل
عدم الاهتمام بالمظهر، والثرثرة بصوت مرتفع في الأماكن العامة. والغش والكذب
وغيرها.
وهناك تصرفات قبيحة ومستهجنة في
حق الآخر (السائح والمقيم) تعطي صورة قبيحة عن البلد وعن الإنسان وعن غياب سلطة
القانون، مثل تلاعب سائقي سيارات الأجرة بالأسعار، وغلاء بعض السلع خاصة التقليدية
منها، وكل هذا نتج عن عدم وجود قوانين ضابطة، وتسعيرات ثابتة لهذه السلع.
إن هذه الصورة الناقصة عن مثالية
المجتمع والإنسان يجب أن تحتكم للنقد الموضوعي وتهتم بإصلاح الخلل، وتلافي الهنات
والذهاب في التغيير للرقي بالإنسان، وعدم الإذعان لصيحات الجمود، أو دعوات التلميع؛
ولن يكون ذلك إلا بالاحتكام المطلق لسلطة القانون، وتأكيد وجود الخير والشر والجميل
والقبيح، والنبيل والحقير فهذا هو ديدن المجتمعات والإنسان في كل مكان وزمان،
ووظيفة الإعلام كشف الزيف، وتعرية الحقيقة، وإصلاح خلل الصورة وليس تلميعها.