فاطمة الشيدي
شرفات _ جريدة عمان
20 يناير ٢٠١٥
لا بأس علينا ياصديقة، ثمة مداد في الأصابع لنكتب به الوجع الذي يخترق الكبد كإبر سامة، وثمة مرايا لنبكي كالنساء الأُوّل، وماء لنصرخ فيه فيتلوث بصمتنا المشرئِب، وثمة دموع لتغتسل أرواحنا في لججها السخية حتى تجف عيوننا. لا بأس ياصديقة سنخلع الأحزان كالمعاطف، أو كالجلود الميتة في عملية تقشير جارحة كلحاء الأشجار، وسنخضر بعد ذلك. بالطبع سيضحك الفأس قليلا والهواء يدغدغ جروحنا بقسوة، ولكننا سنضحك أكثر منه حين تهب العواصف، وحين نبيح ما يتساقط من أحزاننا للريح وللسماء.
لا بأس ياصديقة لنعترف لأنفسنا أن الحب كذبتنا المقدسة ووهمنا العظيم، وأن المسافة التي قطعناها وراء الوهم كانت كفيلة بأن تدمي أقدامنا، وأن لا أحد يمكنه أن يتفهم ذلك الصفير الذي ينبعث من رئة مثقلة بالنداءات الميتة، لا يد لتمسك قصبة الليل ليتصيّر لحنا عذبا، ولا أحد يمسح على الجراح المتقرّحة بحنانات تهبها أمنية الشفاء.
لا أوطان للقلوب المتصدعة، فوحدها الغابات تزهر في الكونية التي تعج بحفلات التنكر الباهتة. أما الحب فيحدث لمرة واحدة فقط وما دون ذلك فهو كذبات نيئة مكشوفة العورة. لا بأس علينا ياصديقتي نحن بنيّات اللغة وشقيقات الوجع، سنبدد أوجاعنا في الكلمات لتذروها في جحيمها المجيد، وسنحتفل بموتها على مهل كلما أقمنا قداسا لأحلامنا العظيمة، وسنحتفي بالمتاريس التي نلعب خلفها لعب الاختباء القديمة، وسنطيل أظافرنا لنحك بها قلوبنا كلما أرهقها الوجع وكلما جلدتنا الخيبة بسياط التعب.
وسنظل وفيات للحمى وللدموع وللخذلان الذي نستنبته في أصص الزهور على الشرفات كما يستزرع الناس الأمل. وسنواصل رحلة الصمت والكلمات والمشي على الأشواك كلما خذلنا الوصول، وخانتنا الجهات وغربتنا المسافة، وكلما استدارت القلوب التي اتخذناها بوصلة للعبور وقبلة للوصول. وحدها الكلمات التي نعجنها بحنانات سيدة العصور الأولى وجهل البدايات وشقاء النساء الأبدي يمكن أن تهبنا شيئا من السلام والسكينة التي نطمح إليها وتهدئ من روعنا في عالم الزيف الذي يصادر كل شيء.
ولذا علينا أن نكتب ونضرّج أرواحنا بدم الكلمات ونعلّق جراحنا على مشانقها القديمة لنتخلص من جثث الموتى الذين يسيرون في دمائنا، ومن لظى الحرقة التي تشتعل حرائقها في الأوردة في جوانحنا كل خذلان، ومن شقاء الخيبات المتكرر كلما حلمنا قليلا بالفرح والسلام، علينا أن نتشبث بيدها المتشققة كي نعدّل من مشينا المتعرج في الغابة، وفي الطرقات المجهولة وبين الأنياب والأحذية ونحن نحلم فقط بقلب يخفق بنا بكل نبضه في حشرجاته القليلة. أو ثرثرة واعية وصادقة في آن. وهذا مالا يجيده التعساء أبدا، وهذا ما يصيب بداء الكتابة التي تحاول فتح الجراح وحفرها ثم خياطتها بهدوء وسكون. وقد تنجح قليلا ولكنها تفشل دائما، ومع ذلك نظل نحاولها نحن الذين لا نتقن سواها ولا نملك الحياة بها أو بدونها.
لا بأس ياصديقة سنكون بخير وجراحنا في ملابس الاستحمام تتشمس على شاطى الكلمات الذهبي وبعدها نتقدم قليلا لنغرق كل شيء وكل من أوجعنا في بحرها العميق بعد أن نربطه بصخرة المجاز العظيم ليصبح كتابة عظيمة ومقبرة نصية باهرة تحتكم لتاريخ من الموت الذي نصنعه بمهل والحياة التي نحاولها بوهن كفعل مقاومة عظيم يخذلنا أحيانا فنضطر معه للكتابة.